يا قداسة البابا إن محمدا صلى الله عليه وسلم لم يأت إلا بالخير
يأبى رجل الدين إلا أن يلتحق بركب المتحاملين على الإسلام وعلى المسلمين!! ماذا نفعل؟ وقد تداعى الجميع على الإسلام وعلى المسلمين مغتنمين تصرفات بعض من الأفراد والجماعات ليتخذوها حجة وتعلة للهجوم على الإسلام. وتعميم الحكم على جميع المسلمين إلا من تبرا من الإسلام وتنكر له. وتطاول عليه ووافقهم في التحامل عليه والنيل منه. وعدد هؤلاء في ازدياد وهم في نظر هذه الجهات المتحاملة على الإسلام والمسلمين المفكرون الحقيقيون!! وهم العقلانيون!! وهم الأحرار وهم من ينبغي الوقوف إلى جانبهم رجالا ونساء! أليسوا من قالوا في الإسلام والمسلمين ما لم يتجاسر عليه غيرهم!؟ ويكفي هنا أن نذكر اسمين فقط وليس أكثر لان القائمة طويلة كل يوم ينضاف إليها آخرون نذكر سلمان رشدي وتسليمة نسرين الذين تعاد طبعات وترجمات إبداعاتهما!! والتي هي كلها سبٌ وشتيمة للإسلام والمسلمين المرة تلو المرة في خطة لا تعني إلا المزيد من الإساءة للإسلام والمسلمين!! * ترى ماذا علينا أن نفعل معاشر المسلمين وبالخصوص أهل الذكر من العلماء وقادة الفكر والرأي وحملة الأقلام؟ هل نكتفي بالانتظار ككل مرة لنفاجأ بشبهة تلصق بنا وبديننا، وبحكم جائر ظالم يتسلط علينا وعلى ديننا! لنقوم عند ذلك برد الفعل الذي كثيرا ما يكون عاطفيا فيه من المسارعة ما تفرضه علينا المباغتة؟! ثم ما نلبث أن نهدا وننسى. وما أكثر نسياننا معاشر المسلمين وكأن شيئا لم يقع وكان علينا أن نجعل من ذلك دافعا كي نعود إلى الماضي فننقب على ما في طياته من مصايد ومكامن كانت في الغالب منطلقا للنيل من الإسلام والمسلمين، سنجد الكثير مما يستحق التصويب والتصحيح، سنجد عديد الثغرات وما هو خارج عن سياقه وسبب نزوله ووروده وما هو حالات خاصة غير عامة. إن الإسلام لم يقدم كما ينبغي كما لم يمارس دائما على حقيقته وفيا لمقاصده وأبعاده العميقة: دين الواقعية والمرونة ودين الرحمة والرأفة ودين التسامح والتعايش والاعتدال، الدين الذي انبنت كل أوامره ونواهيه على المصلحة حتى قال علماؤه: حيثما وجدت المصلحة فثمة شرع الله، يتطابق فيه ما ينتهي إليه العقل السليم مع ما ورد به النص الصريح الصحيح. لا ننكر أن العقل حاولت أن تغيبه بعض الأطراف التي لا تخفي غباوتها فكانت مواقفها وتصرفاتها حجة وتعلة لوصم الإسلام بأنه يتعارض مع ما ينتهي إليه التفكير والتعقل، فعلى آراء هؤلاء وهم قلة "قليلة استند البابا بنديكت السادس عشر وغيره ممن بدا لهم أن الإسلام دون سواه من الأديان الأخرى (هكذا في تخصيص لا موجب له). هو الدين الذي لا مكان فيه للعقل وللتفكير وما يمكن أن ينتهي إليه الإنسان في مسيرة حياته من اختيار وانحياز لكل ما يبدو جليا صوابه وصلاحه!!. ولم يكن البابا بنديكت السادس عشر آخر من صدر عنه تجاه الإسلام والمسلمين ما يجانب الصواب والحقيقة، فالحملة ضارية ولا هوادة فيها، وهي متواصلة لا تهدا هنا إلا لتنطلق هناك حتى لا يكاد الملاحظ والمتابع يستبعد أنها تأتي في إطار مخطط متكامل الأدوار لكل طرف فيه مهمة: المثقف المنظر! والسياسي المسيّر والمبدع بالرسوم وبالقصص وبالروايات. * إن ما يبدو فيه التجني الواضح والذي كنّا نربأ بقداسة البابا بنديكت السادس عشر أن ينساق إليه، هو ما أورده دون أن يعقب عليه لتلك المقولة مما يوحي بتبنيه لها كموقف من نبي الإسلام عليه الصلاة والسلام. والمتمثلة في قول الإمبراطور البيزنطي لمخاطبه المثقف الفارسي الذي لا ذكر لجوابه ورد فعله، (ارني شيئا جديدا أتى به محمد فلن تجد إلا ما هو شرير ولا إنساني مثل أمره بنشر الدين الذي كان يبشر به بحدّ السيف) ولعل هذه الفقرة من محاضرة البابا هي التي صادمت وصدمت مشاعر المسلمين جميعا، وبدون استثناء وجانبت الحقيقة والواقع التاريخيين. فالنبي محمد عليه الصلاة والسلام هو من شهد له من لم يؤمن به واستعرض مسيرة حياته قبل البعثة وبعدها بأنه نبي الرحمة العامة، والتي هي الغاية من بعثته (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) أي بمن آمن به وبمن لم يؤمن به بل هو الرحمة بكل ذي كبد حرى، رحمة في الغضب والرضا، وعندما أخرجه أهل الطائف في اليوم الشديد الحر وأطلقوا عليه صبيانهم وكلابهم لم يزد عن أن دعا لهم بالهداية: (اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون) وهو نفس الموقف الذي وقفه عليه الصلاة والسلام وقد فتح الله عليه مكة دون إراقة ولو قطرة دمّ واحدة، وقد وقفت بين يديه قريش صاغرة مظهرة الندامة على ما صدر منها نحوه ونحو أصحابه. قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ماذا ترون أني فاعل بكم اليوم؟ قالوا: أخ كريم وابن أخ كريم. قال لهم: لا تثريب عليكم اليوم اذهبوا فانتم الطلقاء. بل أكثر من ذلك قال لهم: من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، أي أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم الأمان لأبي سفيان الذي اسلم عام الفتح ولمن دخل دار أبي سفيان مستجيرا ومستشفعا به! انه حلم وعفو وصفح، ورحمة ودفع بالتي هي أحسن لا تستغرب من نبي الرحمة عليه الصلاة والسلام.. هذا وغيره من سيرته العطرة مما هو غائب أو مغيب، ومما جاء مبشرا به رسول الله صلى الله عليه وسلم. التاريخ يحفظ شهادات تكتب بماء العين، لمن لا يمكن أن يتهموا بالتحيز لمحمد صلى الله عليه وسلم، كتلك التي صدرت عن هرقل ملك الروم (وقد كان على دين النصرانية)، عندما تلقى رسالة سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام يعرض عليه ما جاء به من عند الله. وكان أبو سفيان ولم يسلم بعد موجودا في بلاد الروم، وأراد هرقل أن يسأله أسئلة عما يعرفه عن محمد صلى الله عليه وسلم ورجاه أن يصدقه القول. يقول أبو سفيان، وقد تمنيت أن اكذب فما استطعت، فقد كانت أسئلة هرقل دقيقة وهادفة، فكان أبو سفيان يجيب عليها كل مرة بما يزيد هرقل إعجابا وتعلقا برسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى قال: إن محمدا هو النبي الذي بشرت به توراة موسى وأناجيل عيسى ولو علمت أنني أستطيع الوصول إليه لتشرفت بغسل قدميه. انه الإنصاف والتجرد والموضوعية التي تدعونا معاشر أهل الذكر خصوصا والمسلمين عموما إلى أن لا نمل من تقديم ديننا على حقيقته من خلال سيرة نبينا العطرة في كل جوانبها، وهو عين ما دعا إليه المستشرق الفرنسي الكبير لويس مايسيون عندما قال إن اعظم خدمة يسديها المسلمون لدينهم هي أن يقوموا بتجربة كتاب (الشفا) بتعريف حقوق المصطفى إلى كل اللغات والذي ألفه القاضي عياض ومحظه لسيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأوصافه الخلقية والخلقية ففي ذلك ما يفند ما اقتبسه البابا من قول الإمبراطور البيزنطي، ويثبت على العكس من ذلك تماما أن محمدا صلى الله عليه وسلم لم يأت إلا بالخير، ومع ذلك فان الله قال له (انك لا تهدي من أحببت... ولكن الله يهدي من يشاء).