منزلة الصلاة في الإسلام: حكمها وأسرارها وما يتحقق منها للقائم بها

منزلة الصلاة في الإسلام: حكمها وأسرارها وما يتحقق منها للقائم بها


الصلاة التي هي احد أركان الإسلام الخمسة فرضها الله قبل الهجرة المحمدية من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة، وهي الركن الوحيد الذي تلقاه رسول الله صلى الله عليه وسلم مباشرة من ربه ليلة الإسراء والمعراج، والصلاة بذلك تستحق أن يقع التذكير بها والتنويه بفوائدها الجمة المادية والروحية والعاجلة والآجلة والفردية والاجتماعية. إنها عبادة في كل الأديان السماوية باعتبار أن الصلاة هي صلة بين العبد المؤمن وربه الكي خلقه وسواه ووهبه وتكرم عليه بما لا يحصى من النعم فكانت الصلاة المظهر الأكمل والأوضح والأتم والأشمل للتعبير عن شكر المنعم سبحانه وتعالى. إن كل العبادات الأخرى في الإسلام وفي غيره من الأديان تعتريها الظرفية في الزمان والمكان كما هو الحال في الحج، أو الزمان كما هو الحال بالنسبة لصيام رمضان، أو الخصوصية بالنسبة للبعض دون البعض كالزكاة التي لا تجب إلا على الأغنياء الذين يبلغ مالهم النصاب ويحول عليه الحول. الصلاة إذن هي العبادة الواجبة على جميع المؤمنين: ذكورا وإناثا وصغارا إذا بلغوا. وكبارا ما داموا يعقلون أغنياء وفقراء، رعاة ورعية في حال الإقامة وعند السفر وفي السلم وفي الحرب، نعم إن آداء الصلاة ينتقل حسب الحال والقدرة من التمام إلى التقصير، ومن الطهارة الحقيقية الفعلية (بالوضوء الأكبر والأصغر) إلى الطهارة الحكمية بالتيمم عند خوف الضرر أو فقدان الماء ولكن الصلاة تبقى واجبة لا تسقط على المسلم إلا إذا فقد عقله ورشده أما ما دام يعقل فانه عليه أن يصلي ما فرض الله عليه حتى ولو كان من جلوس عوض القيام أو حتى على الجنب عند العجز عن القيام والجلوس وحتى بمجرد الإيماء والإشارة فيدخل المؤدي لهذا الركن بالتكبير ويؤدي المصلي كل أفعال الصلاة إلى أن يسلم. كل ذلك يدل على أن هذا الركن لا يسقط أداؤه في كل أحوال المؤمن فهو الصلة الباقية بين العبد وربه وهل يتصور عقلا أن تنقطع هذه الصلة؟ إنها صلة باقية دائمة تتوثق وتقوى بالاستزادة من هذه الشعيرة هذه الاستزادة التي تكون بالنوافل والسنن وما أكثرها ففضلا عن الصلوات المكتوبة التي هي الصلوات الخمس (الصبح والظهر والعصر والمغرب والعشاء) وصلاة الجمعة هناك صلوات أخرى هي صلاة العيدين وصلاة الجنازة (وهي فرض كفاية إذا قام بها البعض سقطت عن البقية) وصلاة الحاجة وصلاة الاستخارة وصلاة الاستسقاء وصلاة الكسوف وهناك صلاة الضحى وصلاة القيام في رمضان وغيرها من الصلوات التي لا حد لها ولا حصر والتي بآدائها يدخل القائم بها في مناجاة مع ربه ويكون بها اقرب ما يكون من ربه (فاسجد واقترب) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (اقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد) انه سجود يتهيأ له المصلي بالتكبير (الله اكبر) ثم ينطلق في تلاوة أعظم كلام، كلام الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه والذي حفظه الله من كل تحريف (إنّا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) يقرأ المصلي فاتحة الكتاب هذه التي قسمها الله بينه وبين عبده ولعبده ما سأل فبعد الحمد والتعظيم والإجلال والتخصيص بالعبودية والاستعانة (الحمد لله رب العالمين الرحمان الرحيم ملك يوم الدين إياك نعبد وإياك نستعين) هذا لله بعد ذلك يأتي الطلب في شكل دعاء (إهدنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين) وهذا للعبد المؤمن ويبشره ربه على لسان رسوله عليه الصلاة والسلام (هذا لعبدي ولعبدي ما سأل). يضيف المصلي إلى الفاتحة في بعض ركعات الصلوات المفروضة ما تيسر له من الآيات (سورا أو آيات) ثم يركع ويسبح لله في ركوعه ثم يرفع من ركوعه حامدا لله ربه ثم يسجد ويدعو في سجوده بما شاء من خير وله أن يطيل في هذا السجود ما استطاع إلى ذلك سبيلا هذا إذا كان يصلي لنفسه أما إذا صلى إماما فان عليه أن يخفف مراعاة لظروف غيره ممن يقتدون به قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأحد أصحابه وقد أطال في صلاته بالناس (أفتان أنت؟ من أم منكم فليخفف فان وراءه المريض والمسافر وصاحب الحاجة). ويرفع من السجود ليسجد سجدة ثانية بها تتم الركعة لتبدأ ركعة أخرى هكذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نصلي وقال (صلوا كما رأيتموني أصلي) لا مجال في العبادات للتشهي وإتباع الهوى والابتداع إذ الشأن في العبادات الإتباع لا الابتداع، إنها توقيفية عن الله تلقاها رسول الله صلى الله عليه وسلم وبلغها لأمته، وحال المؤمن مع ربه هو أن يقول لسانا وحالا (سمعنا وأطعنا) هكذا أمرنا أن نعبد الله ولنا في المعاملات وسائر مجالات الحياة الدنيا فسحة وتيسير. إن الصلاة وكذلك كل العبادات هي أفضل ما يتقرب به إلى الله (وما تقرب إلي عبدي بأفضل مما افترضته عليه). وهذا المقدار من العبادات (الصلوات الخمس وصيام شهر رمضان (لغير المريض والعاجز لتقدم سن) وحج البيت لمن استطاع وأداء الزكاة عند حلول الحول وبلوغ المال مقدار النصاب هذه العبادات هي الحد الأدنى الذي لا يقبل الله من عباده بأقل منه كما لا يقبل عنها عوضا ولا بديلا مهما كانت هذه الأعمال كما أن هذه العبادات لا تسقط عن احد من عباد الله مهما ادعى من مراتب القرب والطاعة لله!! إن ذلك تلبيس إبليس وهل يوجد اقرب إلى الله من رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي لم يترك فرضا من الفرائض (من صلاة أو صيام أو زكاة أو حج)؟! وإذا كان الفقهاء قد توسعوا في بيان أحكام الصلاة وأحاطوا بجزئياتها وتفاصيلها وكيفية إصلاح الخطإ أو السهو فيها ودونوا ذلك في مطولات ومختصرات ومتون اقبل الناس على حفظها عن ظهر قلب رغبة في التفقه في الدين (ومن يرد الله به خيرا يفقهه في الدين) والعلم بالتعلم والمسلم مطالب بالسؤال لأهل الذكر (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون). ولا يقبل الله من عباده من العمل إلا أصوبه أي أصحه إذ كما يقال لا يعذر الجاهل بجهله. وإذا كان أمر صحة الصلاة وأداؤها على اصح الوجوه وأتمها هو حجر الزاوية والمنطلق فان ذلك على أهميته ليس المراد في حد ذاته بل المراد والمقصود هو روح وسر وحكمة الصلاة وكذلك كل العبادات واساس كل ذلك وعماده هو الإخلاص وما أدراك ما الإخلاص يقول جل من قائل (وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين) ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم (إن الله لا يقبل من العمل إلا أصوبه وأخلصه) والإخلاص هو ابتغاء وجه الله، وتمحيص وتمحيض العمل لله، يقول الله يوم القيامة لمن أشرك به غيره في عمل من الأعمال (اذهب إلى من أشركته بي فليجازيك اليوم) وهو يوم لا يملك فيه احد نفعا ولا ضرا (الأمر يومئذ لله). إن الصلاة وكذلك العبادات الأخرى كالحج والزكاة يمكن أن يعتريها الرياء وحب الثناء والشكر والتظاهر بالعطاء وذلك كله محبط للعمل والعياذ بالله فإذا وضع المؤمن في اعتباره وجعل نصب عينيه هذه الحقيقة (الإخلاص لله سرا وعلانية) فان عمله الصالح سيثمر بسرعة خيرا عاجلا سيلمسه في راحة وسكينة وطمأنينة وسعادة مأتاها ذكر الله بإخلاص (ألا بذكر الله تطمئن القلوب) سيجد المصلي راحة ولذة وسيستزيد من الصلاة اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم القائل (وجعلت قرة عيني في الصلاة). * إن الصلاة صلة دائمة متواصلة لا تعرف الانقطاع والتوقف بين العبد وربه يجد فيها القائم بها على أحسن الوجوه وأتمها راحة فهو يؤديها ويكثر منها ولا يترك فرصة إلا يطرق باب مولاه بها (عندما تنام العيون). ذلك هو حال المؤمن مع ربه يتقرب إليه بالنوافل حتى يحبه الله (لا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته صرت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذ بي لأعيذنه).



الكلمات الشائعة

 

الأستاذ محمد صلاح الدين المستاوي

خريج جامعة الزيتونة كلية الشريعة قسم الفقه وأصول الفقه : الليسانس وشهادة الدراسات المعمقة في موضوع : شروح الموطأ باحث بجامعة أكسان برفانس مرسيليا فرنسا من 2001-2002 إلى 2008-2009

الكلمات الشائعة

العنوان

28 نهج جمال عبد الناصر –تونس
+216 71 43 21 33
+216 71 32 71 30

أحدث المقالات

2026-01-25

الاسلام: حقائق وأعلام ومعالم

موقع الشيخ محمد صلاح الدين المستاوي عضو المجلس الإسلامي بتونس وخريج جامعة الزيتونة (كلية الشريعة وأصول الدين) يتضمن تعريفا بالشيخ والده الحبيب المستاوي رحمه الله وهو احد علماء الزيتونة ودعاة الإسلام حيث سيجد المتصفح لهذا الموقع فقرات من أعماله.