من وحي المولد النبوي:قبسات من هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم في السماحة والرحمة والرأفة

من وحي المولد النبوي:قبسات من هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم في السماحة والرحمة والرأفة


في ذكرى مولد سيد الكائنات محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام لا أجد ابلغ من هذه الآية الكريمة انطلق منها. يقول الله تبارك وتعالى بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمان الرحيم: (لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم). لقد كان ميلاد سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم إيذانا بانبلاج فجر عهد جديد حوّل الظلام إلى نور والضلالة إلى هداية والتضييق إلى رفع حرج وتيسير. كانت البشرية قبل ميلاد سيد الأنام عليه الصلاة والسلام تعيش في فوضى وانحراف في كل مناحي الحياة: * في العقيدة إذ اتخذ الناس آلهة أصناما يعبدونها من دون الله. * وفي العلاقة الاجتماعية فقد تدهورت الصلات بين الأفراد. القوي يأكل الضعيف والغني يمتص الفقير والقبائل تتبادل الهجومات والغارات والمرأة تدفن حية لا لشيء إلا لأنها خلقت أنثى. والعالم تتقاسمه قوتان الفرس والروم. لقد صور حالة المجتمع العربي قبل بعثة رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحابي الجليل جعفر ابن أبي طالب وقد كان هاجر إلى الحبشة مع قلة مؤمنة لاقت صنوفا من الأذى والاضطهاد لا لشيء إلا لأنها اتبعت هذا النبي الكريم عليه الصلاة والسلام قال (أيها الملك كنا قوما أهل جاهلية: نعبد الأصنام ونأكل الميتة ونأتي الفواحش ونقطع الأرحام ونسيء الجوار ويأكل القوي منا الضعيف). تلك هي حالهم قبل الإسلام فأرسل الله لهم رسولا من أنفسهم يقول جعفر (فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولا منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده ونخلع ما كنا نعبد من دونه من الحجارة والأوثان وامرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة وصلة الرحم وحسن الجوار والكف عن المحارم والدماء ونهانا عن الفواحش وقول الزور واكل مال اليتيم وقذف المحصنات وامرنا أن نعبد الله وحده ولا نشرك به شيئا وامرنا بالصلاة والزكاة والصيام... فآمنا به وصدقناه). اجل تلك كانت حالهم قبل الإسلام. لقد كان عليه الصلاة والسلام يلقب بالأمين ويدعى لفض المشاكل بين قومه لم يعرفوا عنه إلا الصدق والأمانة نشأ بينهم يتيما لكنه ليس كبقية الأيتام. رأى ما هم عليه من انحراف وعصبية وكفر فاعتزلهم وما يعبدون من دون الله وانتظر وعد الله إذ الأقدار تهيأه لتولي أعظم رسالة وأداء اكبر أمانة عجزت عن حملها السماوات والجبال والأرض. وفي سن الأربعين وفي غار حراء اتصلت السماء بالأرض ونزل جبريل بأحكم كتاب، كتاب لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، كتاب أحكمت آياته من لدن عليم خبير. كانت أولى آياته (اقرأ باسم ربك...) صححت المفاهيم وقومت ما انحرف من اعتقادات دعت آيات هذا الكتاب الناس إلى أن يؤمنوا بالله الواحد الأحد الذي لم يلد ولم يولد. وفي واقع الأمر ليست عقيدة التوحيد التي دعا إليها سيدنا محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم بدعة ولا تجديدا إنما هي إتمام وإكمال لرسالات سبقت وبشرت بالدين الخاتم والمنهج الكامل عقيدة التوحيد ورسالة الإسلام. وهي في الآن نفسه العقيدة الملائمة والموافقة للفطرة التي فطر الله الناس عليها (فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين ولكن أكثر الناس لا يعلمون). لذلك سرعان ما وجدت هذه العقيدة في النفوس صدى وفي القلوب هوى وسرت بين الناس سريان النار في الهشيم رغم ما نصبه أعداء الإسلام وكهنة الكفر وفراعنة ذلك العصر من عراقيل وقيود متناسيين متجاهلين أنهم يعارضون النواميس الكونية ويخالفون القدرة الإلهية (والله متم نوره ولو كره الكافرون) لقد هيأ رسول الله صلى الله عليه وسلم كل الظروف لنشر هذا الدين وتركيز دعائمه وتثبيت أسسه فسعى إلى وفود القبائل في مواسم الحج وعرض دعوته على زعمائها بعد أن أعرضت قريش عن ذكر الله وابتغت غير منهج الإسلام سبيلا. وهكذا أرسل أصحابه مبشرين ومنذرين داعين إلى رسالة التوحيد منادين بانقضاء عهد الباطل وذهابه إلى غير رجعة ببعثة هذا الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام يقول احدهم مخاطبا كسرى فارس (يا كسرى أتيناك لنخرجك من الظلمات إلى النور من جور الأديان إلى عدل الإسلام) تلك لغة ولهجة لم يعتد كسرى وأمثال كسرى سماعها من أفواه العرب، فماذا حدث يا ترى؟ بين عشية وضحاها تغيرت المفاهيم وانقلبت الموازين فإذا الأعرابي الأمي المتوحش يصبح حامل رسالة إلى العالمين تسامت نفسه عن الحضيض وأصبحت تسبح في أجواء الملكوت الواسعة يتوق إلى الجنة وتعرض عن الدنيا وتستهين بكل عذاب وعقاب في سبيل عقيدة التوحيد فإذا بلال وعمار وصهيب وسمية يضربون ابلغ الأمثلة وأروعها في الجهاد والثبات وقوة الإيمان. لقد كانوا قبل الإسلام وقبل بعثة هذا الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام في مؤخرة الركب لا يؤبه لهم ولا يحسب لهب حساب فإذا بالإسلام يحلهم الصدارة. إن تربية سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم للجيل الأول من الصحابة في دار الأرقم بن أبي الأرقم بمكة المكرمة آتت أكلها وقدمت نتائجها، لقد كانوا قلة -وقيمتهم في قلتهم- صدقوا ما عاهدوا الله عليه. كان الرسول عليه الصلاة والسلام يمر بآل ياسر صباحا ومساء وهم يعذبون ولا يتنازلون مرددا قوله (صبرا آل ياسر موعدكم الجنة). وكان بلال يجد سعادة وراحة نفسية وهو يرد على التعذيب بقوله: أحد أحد. إن تلك القلة المؤمنة التي تعلمت في مدرسة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم تلقت منه عليه الصلاة والسلام دروسا في التضحية والصدق والأمانة والشجاعة والوفاء. لم يكن عليه الصلاة والسلام يدعوهم إلى أمر إلا وقد بادر إلى فعله قبلهم ولم يكن عليه الصلاة والسلام ينهاهم عن خلق إلا وقد انتهى عنه قبلهم لقد كان أسوتهم وقدوتهم ومثلهم الأعلى وكيف لا يكون كذلك وقد أمرهم ربهم بإتباعه إذا كانوا يريدون الفلاح والصلاح (قل إن كنتم تحبون الله فأتبعون يحببكم الله) (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة) لقد كان يدعوهم بسلوكه وفعله قبل قوله فاتبعوه أو ائتمروا بأوامره. وما كان عليه الصلاة والسلام ليثقل كاهلهم ويتعبهم في سبيل الإصرار على رضوان الله وجزائه الأوفى. إن هذه الرسالة شعارها الرحمة بكل الخلق بل حتى بالحيوان. وبعد أن ركز في قلوبهم عقيدة التوحيد تلا عليهم ما حرم عليهم ربهم فإذا هي الخبائث ما ظهر منها وما بطن واحل لهم ما سوى ذلك. حرم عليهم ما لو ترك الإنسان لنفسه وكان سليم الفطرة لاهتدى إلى تركه والانتهاء عنه بقي. وأقنعهم أن خالقهم لا حاجة ولا منفعة له من وراء ما حرم. فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يرويه: (يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على اتقى قلب رجل واحد ما زاد ذلك في ملكي شيئا يا عبادي لو إن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على افجر قلب واحد منكم لم ينقص من ملكي جناح بعوضة يا عبادي لو إن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل واحد مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا دخل البحر. يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها ثم أوفيكم إياها فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه). ذلك هو أساس الرسالة الإسلامية استغناء كلي من جانب الله عن مخلوقاته وافتقار كلي من المخلوقات لله. ورغم هذا الافتقار وهذه الحاجة فان الرسالة المحمدية هي رسالة اليسر والسماحة ورفع الأغلال. لم تقل للإنسان المسلم اترك ما لقيصر لقيصر وما لله لله. بل قالت له (وابتغ فيما آتاك الدار الآخرة ولا تنسى نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك) لم تقل له إذا ضربك احد على خدك الأيمن فادر له الأيسر بل قالت “واعتدوا عليهم بمثل ما اعتدوا عليكم”. لم تقل للمسلم إن هذه الدار هي دار حرمان وشقاء وبلاء بل قالت (ولمن خاف مقام ربه جنتان). وسّعت من معاني العبادة التي هي علة الوجود والخلق (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) فجعلت كل أعمال الإنسان المسلم إذا ارتبطت بنية يمكن أن تعتبر من قبيل العبادة. * إن الإسلام يجعل من الكون كله أرضه وسماءه وكل موجوداته آيات تعين الإنسان على التفكر والتعبد (إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب) إن الأرض كلها تصبح محراب عبادة بالنسبة للإنسان المسلم وليس فقط ما افترضه الله عليه من صلاة وصيام وزكاة وحج. * إن الصلاة والصيام والزكاة والحج هي أدنى أنواع العبادات وأطهرها وأوضحها ولكنها وحدها لا تكفي لتحقيق العبودية الكاملة لله سبحانه وتعالى. إن العبودية الكاملة لا تتحقق إلا عندما يتوجه الإنسان المسلم بوجهه كليا إلى فاطر السماوات والأرض (وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين) ولا يمكن أن تتحقق للإنسان المسلم العبودية الكاملة والإسلام الصادق إلا متى جعل شعاره قول الله تبارك وتعالى (قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين) فالبناء والتشييد وطلب العلم والسعي من أجل قوت العيال والدفاع عن الوطن وإعداد العدة كل ذلك يدخل تحت قوله تعالى (ومحياي ومماتي لله رب العالمين). * إن أحكام الشريعة الإسلامية: أوامرها ونواهيها هي رحمة الله بعباده وهي علاج أمراضهم وهي التيسير والتسهيل ورفع الحرج والضيق عنهم (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر)، (ما جعل عليكم في الدين من حرج) ألم تشرع صلاة المسافر والمريض (اذكروا الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم)؟ ألم يرخص الله للمريض والمجاهد والمسافر الإفطار في رمضان (فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر)؟. ثم الم يمتنع عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن قطع يد السارق والحال أن الآية صريحة (السارق والسارقة فاقطعوا أيديهما). إن المجال لا يتسع لذكر كل مواطن التيسير والرحمة والتسهيل ورفع الحرج في الشريعة الإسلامية ويكفي هنا ذكر القواعد الفقهية المعلومة (الضرورات تبيح المحضورات) و(الضر يزال) و(لا ضرر ولا ضرار) فلا يمكن أن نجد بين التشاريع السماوية والأرضية تشريعا سمحا كاملا متكاملا مرنا كشريعة الإسلام التي فيها علاج كل أمراض المسلمين وغير المسلمين فهي الرحمة المهداة من رب العالمين إلى البشر أجمعين بلغها اشرف المرسلين عليه الصلاة والسلام. فما أحوج المسلمين إلى العودة إلى كتاب الله وسنة رسوله الكريم عليه الصلاة والسلام وما أحوجهم إلى وقفة تأمل يعودون فيها إلى سيرة صاحب هذه الذكرى عليه الصلاة والسلام ليروا عجبا عجابا، يرون أن هذا النبي عليه الصلاة والسلام كان ارحم بهم من أمهاتهم يكفيه فخرا أن المولى سبحانه وتعالى أعطاه صفتين من صفاته هما الرأفة والرحمة بالمؤمنين. لقد كان عليه الصلاة والسلام وهو تحت عرش الرحمان ليلة أسري به يطلب الله ويدعوه الرحمة واللطف بأمته ويسأل الله الشفاعة واقسم أن لا يرضى واحد من أمته يعذب في نار جهنم.



الكلمات الشائعة

 

الأستاذ محمد صلاح الدين المستاوي

خريج جامعة الزيتونة كلية الشريعة قسم الفقه وأصول الفقه : الليسانس وشهادة الدراسات المعمقة في موضوع : شروح الموطأ باحث بجامعة أكسان برفانس مرسيليا فرنسا من 2001-2002 إلى 2008-2009

الكلمات الشائعة

العنوان

28 نهج جمال عبد الناصر –تونس
+216 71 43 21 33
+216 71 32 71 30

الاسلام: حقائق وأعلام ومعالم

موقع الشيخ محمد صلاح الدين المستاوي عضو المجلس الإسلامي بتونس وخريج جامعة الزيتونة (كلية الشريعة وأصول الدين) يتضمن تعريفا بالشيخ والده الحبيب المستاوي رحمه الله وهو احد علماء الزيتونة ودعاة الإسلام حيث سيجد المتصفح لهذا الموقع فقرات من أعماله.