من فقه الحج: قراءة في باب الحج والعمرة من رسالة ابن أبي زيد القيرواني
يعد كتاب الرسالة في الفقه المالكي من أمهات الكتب التي يعتمد عليها في معرفة الأحكام الشرعية في العبادات والمعاملات ألفه العلامة أبو محمد عبد الله ابن أبي زيد القيرواني رحمه الله المتوفى سنة 386هـ وصاحب المؤلفات العديدة مثل كتاب الرسالة وكتاب النوادر والزيادات وغيرهما من الكتب التي رأت النور وخرجت للناس في السنوات الأخيرة فأبانت رسوخ قدم هذا العالم الجليل وسعة علمه. وقد عرف رحمه الله بالتقوى والورع وخشية الله والإخلاص له سبحانه وتعالى مما جازاه الله عليه بما حاز عليه من حب وقبول وإقبال على الاستفادة مما تركه من بعده من آثار علمية جليلة التي منها الرسالة التي اشتهر بها وتداولتها الأيدي واقبل عليها العلماء يدرسونها وينشرون ما فيها من فقه مدقق محقق كما ألفت عديد الشروح لرسالة ابن أبي زيد لعلماء أعلام وجدوا فيها خير منطلق ينطلقون منه في تفقيه الناس وتعليمهم أمور دينهم عملا بقوله عليه الصلاة والسلام (من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين). وكثير من شروح الرسالة مطبوع متداول بين أيدي العلماء وطلبة العلم والكثير الآخر لا يزال مخطوطا في المكتبات الخاصة والعامة. وقد أعدت في السنوات الأخيرة عديد الرسائل الجامعية حول ابن أبي زيد وفقه الرسالة وتحقيق ودراسة بعض الشروح التي ألفها علماء أعلام. وعبارة الرسالة ميسورة سهلة غير معقدة ولأجل ذلك فان بعض الشراح لم يكد يضف إلى متن الرسالة إلا ما رآه ضروريا وهو قليل. ولعل السر في انتشار (الرسالة) وذيوعها بين الناس يعود إلى الإخلاص والتجرد (وما كان لله دام واتصل) وما أريد به وجه الله لا بد أن يهيئ له الله تبارك وتعالى القبول والانتشار ويحرك الهمم والطاقات القادرة على القيام بهذه المهمة احتسابا لوجه الله. فابن أبي زيد القيرواني رحمه الله ألف (الرسالة) استجابة لطلب تقدم إليه هاهو ذا يعبر عنه في مقدمة كتابه (الرسالة) حيث يقول رحمه الله (أما بعد أعاننا الله وإياك على رعاية ودائعه وحفظ ما أودعنا من شرائعه فانك سألتني أن اكتب لك جملة مختصرة من واجب أمور الديانة مما تنطق به الألسنة وتعتقده القلوب وتعمله الجوارح وما يتصل بالواجب من ذلك من السنن من مؤكدها ونوافلها ورغائبها وشيء من الآداب منها وجمل من أصول الفقه وفنونه على مذهب الإمام مالك بن انس رحمه الله تعالى وطريقته مع ما سهل سبيل ما شكل من ذلك من تفسير الراسخين وبيان المتفقهين لما رغبت فيه من تعليم ذلك للولدان كما تعلمهم حروف القرآن ليسبق إلى قلوبهم من فهم دين الله وشرائعه ما ترجى لهم بركته وتحمد لهم عاقبته فأجبتك إلى ذلك لما رجوته لنفسي لك من ثواب من علم دين الله أو دعا إليه. واعلم أن خير القلوب أوعاها للخير وأرجى القلوب للخير ما لم يسبق الشر إليه. وأولى ما عني به الناصحون ورغب في أجره الراغبون إيصال الخير إلى قلوب أولاد المؤمنين ليرسخ فيها وتثبيتهم على معالم الديانة وحدود الشريعة ليرضوا عليها وما عليهم أن تعتقده من الدين قلوبهم وتعمل به جوارحهم فانه روي أن تعليم الصغار لكتاب الله يطفئ غضب الله وان تعليم الشيء في الصغر كالنقش على الحجر وقد مثلت لك من ذلك ما ينتفعون إن شاء الله بحفظه ويشرفون بعلمه ويسعدون باعتقاده والعمل به وقد جاء أن يؤمروا بالصلاة لسبع ويضربوا عليها لعشر ويفرق بينهم في المضاجع فكذلك ينبغي أن يعلموا ما فرض الله على العباد من قول وعمل قبل بلوغهم ليأتي عليهم البلوغ وقد تمكن ذلك من قلوبهم وسكنت إليه أنفسهم وأنست بما يعملون به من ذلك جوارحهم وقد فرض الله سبحانه وتعالى على القلب عملا من الاعتقادات وعلى الجوارح الظاهرة عملا من الطاعات وسأفصل لك ما شرطت لك ذكره بابا بابا ليقرب من فهم متعلميه إن شاء الله تعالى وإياه نستخير وبه نستعين ولا حول ولا قول إلا بالله العلي العظيم وصلى الله على سيدنا محمد نبيه وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا). ففي كلام ابن أبي زيد رحمه الله الجواب الشافي على المراد القيام به أداء للواجب وتبرئة للذمة وابتغاء للأجر والثواب (فالرسالة) الفت بناء على طلب وقيل انه طلب الولي الصالح سيدي محرز بن خلف مؤدب الصبيان ومعلمهم القرآن ولئن الفت الرسالة في الأصل للصبيان إلا أن سواهم ممن يريد أن يتفقه في الدين وجد ولا يزال في الرسالة بغيته فقد أشفت الغليل وأتت على الضروري والأساسي من أمور الدين مما لا يعذر الجاهل بجهله. وما نريد أن نورده هذه المرة من أبواب الرسالة هو باب الحج تعريفا بأحكام الحج التي لا سبيل إلى تحصيلها بغير الرجوع إلى مثل الرسالة والمرشد المعين والمختصر الخليلي والمدونة والموطأ وذلك بالطبع بالنسبة لمذهب إمام دار الهجرة مالك بن انس رحمه الله صاحب المذهب ومؤسسه والذي يتبعه أبناء الشمال الإفريقي ومن وراءهم من البلاد الإفريقية والغرب الإسلامي فضلا عن مناطق أخرى كالحجاز والخليج وغيرهما. يقول ابن أبي زيد القيرواني رحمه الله: باب الحج والعمرة: (وحج بيت الله الحرام الذي بمكة فريضة على كل من استطاع إلى ذلك سبيلا من المسلمين الأحرار البالغين مرة في عمره والسبيل الطريق السابلة والزاد المبلغ إلى مكة والقوة على الوصول إلى مكة إما راكبا أو راجلا مع صحة البدن، وإنما يؤمر أن يحرم من الميقات، وميقات أهل الشام ومصر والمغرب الجحفة، فان مروا بالمدينة فالأفضل لهم أن يحرموا من ميقات أهلها من ذي الحليفة، وميقات أهل العراق ذات عرق، وأهل اليمن يلملم، وأهل نجد من قرن، ومن مرّ من هؤلاء بالمدينة، فواجب عليه أن يحرم من ذي الحليفة إذ لا يتعداه إلى ميقات له ويحرم الحاج أو المعتمر بإثر صلاة فريضة أو نافلة يقول: (لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك. إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك). * فالحج إلى بيت الله الحرام بمكة المكرمة فريضة على كل مستطيع حر بالغ وذلك مرة واحدة في عمره عملا بقوله جل من قائل (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا) وقوله عليه الصلاة والسلام (بني الإسلام على خمس: شهادة إن لا اله إلا الله وان محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلا). * والسبيل هي الطريق الآمنة والزاد الذي يصل به الحاج إلى مكة وكذلك أن تكون للحاج القوة البدنية على الوصول إلى مكة سواء كان ذلك راكبا أو ماشيا (بالنسبة لمن هم على مقربة من مكة وكذلك لابد من صحة البدن إذ (ليس على المريض حرج) و(لا يكلف الله نفسا إلا وسعها). * ويحرم الحاج من الميقات. وبين ابن أبي زيد مختلف المواقيت المكانية التي إذا وصلها الحاج وجب عليه الإحرام وهي الجحفة لأهل الشام ومصر والمغرب. والأفضل لمن يمر بالمدينة إن يحرموا من ميقات أهلها أي من ذي الحليفة. وميقات أهل العراق ذات عرق وميقات أهل اليمن يلملم وميقات أهل نجد من قرن ومن يمر من الحجيج بالمدينة وجب عليه الإحرام من ذي الحليفة وهو ميقات أهل المدينة ولا يتعداه الحاج إلى سواه من المواقيت الأخرى. ويتم إحرام الحاج أو المعتمر على اثر صلاة يصليها أما فريضة أو نافلة وعليه إن يقول (لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك. إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك). ثم يقول ابن أبي زيد القيرواني رحمه الله: (وينوي ما أراد من حج أو عمرة، ويؤمر أن يغتسل عند الإحرام قبل أن يحرم، ويتجرد من مخيط الثياب، ويستحب له أن يغتسل لدخول مكة، ولا يزال يلبي دبر الصلوات، وعند كل شرف وعند ملاقاة الرفاق، وليس عليه كثرة الإلحاح بذلك، فإذا دخل مكة امسك عن التلبية حتى يطوف ويسعى ثم يعاودها حتى تزول الشمس من يوم عرفة ويروح إلى مصلاها ويستحب أن يدخل مكة من كداء الثنية التي بأعلى مكة وإذا خرج خرج من كدى وان لم يفعل في الوجهين فلا حرج: فإذا دخل مكة فليدخل المسجد الحرام ومستحسن أن يدخل من باب بنى شيبة فيستلم الحجر الأسود بفيه إن قدر، وإلا وضع يده عليه ثم وضعها على فيه من غير تقبيل ثم يطوف والبيت على يساره سبعة أطواف ثلاثة خببا ثم أربعة مشيا. ويستلم الركن كلما مر به كما ذكرنا ويكبر ولا يستلم الركن اليماني بفيه ولكن بيده ثم يضعها على فيه من غير تقبيل، فإذا تم طوافه ركع عند المقام ركعتين، ثم استلم الحجر إن قدر). ولا بد من النية: نية الحج أو نية العمرة أو نيتهما معا ويؤمر الحاج بالاغتسال وذلك قبل الإحرام وهو غسل واجب ويتجرد من المخيط والمحيط (وهذا بالنسبة للرجل) ويستحب أن يغتسل عند الدخول إلى مكة ويواصل التلبية عقب صلاة وعند الصعود والنزول وعند ملاقاة الرفاق وليس على الحاج أن يكثر من ذلك بل يكون ذلك وسطا بين المبالغة والغفلة وينقطع عن التلبية عندما يشرع في الطواف والسعي ثم يعود بعد ذلك للتلبية إلى زوال يوم عرفة ويستحب للحاج أن يدخل من كداء الثنية التي بأعلى مكة وإذا خرج من مكة خرج منها وان لم يفعل فلا شيء عليه. فإذا دخل الحاج مكة فليدخل إلى المسجد الحرام ويستحسن إن يدخل من باب بني شيبة وليستلم الحاج الحجر الأسود (وهو يمين الله في أرضه) بفمه إن كان قادرا على ذلك وإلا فان الحاج يضع يده على الحجر ثم يضعها على فمه من غير تقبيل ليده وكل ذلك عند القدرة ويطوف الحاج واضعا الكعبة على يساره سبعة أطواف الثلاثة الأولى خببا أي مشيا سريعا والأربعة الباقية مشيا عاديا ولا تسرع المرأة. ويستلم الحاج الركن الذي فيه الحجر الأسود والذي به بدأ الطواف ويكبر (الله اكبر) ولا يستلم الحاج الركن اليماني بفمه (وهو الركن الذي قبل الركن الذي فيه الحجر الأسود ولكن يستلمه بيده ثم يضعها على فمه من غير تقبيل فإذا أتم الحاج طوافه يركع عند مقام إبراهيم ركعتين بالكافرون والإخلاص ويستلم الحجر إن استطاع ذلك. ثم يقول ابن أبي زيد رحمه الله: (ثم يخرج إلى الصفا فيقف عليه للدعاء، ثم يسعى إلى المروة، ويخب في بطن المسيل، فإذا أتى المروة وقف عليها للدعاء ثم يسعى إلى الصفا يفعل ذلك سبع مرات، فيقف بذلك أربع وقفات على الصفا، وأربعا على المروة. وبعد الانتهاء من الطواف بالكعبة وبعد أداء ركعتي الطواف يصعد الحاج إلى الصفا فيقف عليه ويدعو الله ثم يسعى إلى المروة وعليه أن يسرع (بالنسبة للرجل فقط) في بطن المسيل عند العلامة الخضراء فإذا أتى المروة دعا ثم سعى إلى الصفا وهكذا سبع مرات وتكون بذلك وقفاته أربعا على الصفا وأربعا على المروة. والحاج في طوافه حول البيت وفي سعيه بين الصفا والمروة لا ينبغي أن يفتر لسانه عن الدعاء والضراعة إلى الله والطلب منه فالحاج في مواطن يستجاب فيها الدعاء وقد أكرمه ربه بأن جعله احد ضيوفه فعليه أن يغتنم وجوده في المكان والزمان وليستحضر ما استطاع من المشاهد التي شهدتها تلك الأماكن المطهرة عند الهجرة إليها من قبل إبراهيم الخليل وزوجته هاجر وابنهما إسماعيل عليهم السلام وإقامة أركان البيت والأذان في الناس بالحج وما أتمه وأكمله الله على يدي سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام الذي بعثه الله بدين الإسلام وجعل من أركان هذا الدين الحج إلى بيت الله الحرام هذا الحج الذي بين أركانه وواجباته ومستحباته كما بين محظوراته ومحرماته سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام عندما حج بالناس وبين لهم مناسك الحج وقال لهم (أيها الناس خذوا عني مناسككم فلعلكم لا تلقوني بعد عامكم هذا) فقد بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم الأمانة وأدى الرسالة فجازاه الله عن الدين وعن الأمة خير ما يجازي به الله عباده الصالحين. يقول ابن أبي زيد القيرواني: (ثم يخرج يوم التروية إلى منى فيصلي بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح ثم يمضي إلى عرفات ولا يدع التلبية في هذا كله حتى تزول الشمس من يوم عرفة ويروح إلى مصلاها وليتطهر قبل رواحه فيجمع بين الظهر والعصر مع الإمام ثم يروح معه إلى موقف عرفة فيقف معه إلى غروب الشمس) ينزل الحجيج وهم في طريقهم إلى عرفة بمنى فيصلون فيها الظهر والعصر والمغرب والعشاء (وذلك يوم الثامن) ويصلون صبح يوم عرفة بمنى ثم يمضون إلى عرفات ولا يتركون التلبية (لبيك اللهم لبيك) إلى أن تزول شمس يوم عرفة ويتوجه الحجيج إلى المصلى (كل ذلك عند الإمكان والقدرة) وإلا فعرفة كلها موقف ويستحب للحاج أن يغتسل قبل ذهابه لآداء صلاتي الظهر والعصر يجمعهما مع الإمام مع القصر ثم يتوجه إن استطاع إلى موقف عرفة فيظل الحاج واقفا على عرفات إلى أن يتحقق من غروب الشمس وإقبال الليل وينبغي على الحاج أن يتفرغ بقية يوم عرفة للدعاء والضراعة والمناجاة والطلب من الله بإلحاح وخضوع وخشوع وحضور كامل فهي لحظات لا يمكن تقدير قيمتها إنها ساعات إجابة وتكرم على امة محمد القادمين من كل فج عميق وهم شعث غبر كل شيء فيهم يعبر عن الفاقة والحاجة والتجرد والإخلاص لله في سبيل تلقي الهدية الثمينة التي لا تساويها أية هدية أخرى حيث يتجلى المولى جل وعلا على عباده من حجيج بيت الله الحرام ويشهد ملائكته بأنه قد غفر لعباده فيخرجون من ذنوبهم كيوم ولدتهم أمهاتهم إنه الحج المبرور الذي لا ثواب له إلا الجنة. يقول ابن أبي زيد رحمه الله: (ثم يدفع بدفعه إلى المزدلفة فيصلي معه بالمزدلفة المغرب والعشاء والصبح ثم يقف معه بالمشعر الحرام يومئذ بها.) بعد الوقوف على عرفات وبعد غروب الشمس والتحقق من ذلك يندفع الحاج إلى مزدلفة ويؤخر صلاة المغرب إلى حين الوصول إليها فإذا وصل مزدلفة وحط رحاله صلى المغرب والعشاء بآذانين وإقامتين يقصر العشاء ويبقى هناك إلى صلاة الصبح حيث يصليها ويجتهد في الدعاء عند المشعر الحرام ويجمع الحصيات التي سيرمي بها جمرة العقبة صبيحة يوم العيد وهي سبع حصيات أما بقية الحصيات فانه يجمعها من حيث شاء. يقول ابن أبي زيد رحمه الله: (ثم يدفع بقرب طلوع الشمس إلى منى ويحرك دابته ببطن محسر فإذا وصل إلى منى رمى جمرة العقبة بسبع حصيات مثل حصى الخذف ويكبر مع كل حصاة ثم ينحر إن كان معه هدي ثم يحلق ثم يأتي البيت فيفيض ويطوف سبعا ويركع ثم يقيم بمنى ثلاثة أيام فإذا زالت الشمس من كل يوم منها رمى الجمرة التي تلي منى بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة ثم يرمي الجمرتين كل جمرة بمثل ذلك ويكبر مع كل حصاة ويقف للدعاء بإثر الرمي في الجمرة الأولى والثانية ولا يقف عند جمرة العقبة ولينصرف فإذا رمى في اليوم الثالث وهو رابع يوم النحر انصرف إلى مكة وقد تم حجه وان شاء تعجل في يومين من أيام منى فرمى وانصرف فإذا خرج من مكة طاف للوداع وركع وانصرف.) ثم يتوجه الحاج إلى منى مسرعا ببطن محسر (وهو واد) فإذا وصل إلى منى يرمي الحاج جمرة العقبة بسبع حصيات (في حجم الفول) ويكبر عند إلقاء كل حصاة ثم ينحر هديه إن كان معه هدي ثم يحلق (وهو الأفضل بالنسبة للرجال) ثم ينطلق الحاج إلى مكة فيطوف بالبيت سبعة أشواط وهو طواف الإفاضة (الطواف الركن) ويركع عند المقام ركعتين ويعود إلى منى ليقيم فيها ثلاثة أيام وعندما تزول الشمس من كل يوم يرمي الحاج الجمرة الأولى التي تلي منى بسبع حصيات يكبر كل مرة يلقي فيها حصاة ويرمي بسبع حصيات الجمرة الثانية (الوسطى) يكبر كل مرة ويفعل كذلك في جمرة العقبة يكبر عند إلقاء كل حصاة ولا يدعو إلا عند الجمرتين الأولى والثانية ولا يقف عند جمرة العقبة بل ينصرف على اثر الرمي فإذا رمى الحاج في اليوم الثالث انصرف إلى مكة وقد تم حجه وان شاء تعجل في يومين على أن يكون خروجه من منى قبل غروب الشمس ثم يأتي الحاج مكة ويطوف طواف الوداع ويركع وينصرف. يقول ابن أبي زيد رحمه الله: (والعمرة يفعل فيها كما ذكرنا أولا إلى تمام السعي بين الصفا والمروة ثم يحلق رأسه وقد تمت عمرته.) يبين ابن أبي زيد كيفية آداء العمرة بعد الانتهاء من مناسك الحج فيقول أن مؤدي العمرة يأتي فيها ما يأتيه في الحج (الطواف سبعا وصلاة الركعتين والسعي بين الصفا والمروة ثم الحلق أو التقصير ويخرج المعتمر للتنعيم (مسجد عائشة) ليحرم من هناك. وينهي ابن أبي زيد هذا الباب بمجموعة من الأحكام التي ينبغي على الحاج أن يكون عارفا بها حتى لا يفسد حجه وعمرته يقول: (والحلاق أفضل في الحج والعمرة والتقصير يجزي ويقصر من جميع شعره وسنة المرأة التقصير ولا باس أن يقتل المحرم الفأرة والحية والعقرب وشبهها والكلب العقور وما يعدو من الذئاب والسباع ونحوها ويقتل من الطير ما يتقي أذاه من الغربان والاحدية فقط ويجتنب في حجه وعمرته النساء والطيب ومخيط الثياب والصيد وقتل الدواب وإلقاء التفث ولا يغطي رأسه في الإحرام ولا يحلقه إلا من ضرورة ثم يفتدي بصيام ثلاثة أيام أو إطعام ستة مساكين مدين لكل مسكين بمد النبي صلى الله عليه وسلم أو ينسك بشاة يذبحها حيث شاء من البلاد وتلبس المرأة الخفين والثياب في احرامها وتجتنب ما سوى ذلك مما يجتنبه الرجل وإحرام المرأة في وجهها وكفيها وإحرام الرجل في وجهه ورأسه ولا يلبس الرجل الخفين في الإحرام إلا أن لا يجد نعلين فليقطعهما أسفل من الكعبين والإفراد بالحج أفضل عندنا من التمتع ومن القران فمن قرن أو تمتع من غير أهل مكة فعليه هدي يذبحه أو ينحره بمنى إن أوقفه بعرفة وان لم يوقفه بعرفة فلينحره بمكة بالمروة بعد أن يدخل به من الحل فان لم يجد هديا فصيام ثلاثة أيام في الحج يعني من وقت يحرم إلى يوم عرفة فان فاته ذلك صام أيام منى وسبعة إذا رجع) الحلاق أفضل في الحج والعمرة ولكن التقصير يكفي ويكون من جميع الشعر والمرأة تقصر ويمكن للحاج وهو محرم أن يقتل الفأرة والحية والعقرب وما شابهها وكذلك الكلب العقور والذئاب العادية والسباع وما يشبه ذلك ويقتل الحاج المؤذي من الطيور كالغربان والحداة وينبغي على الحاج وكذلك المعتمر أن يجتنب النساء (الزوجة) وكذلك استعمال الطيب ولبس المخيط والمحيط بالنسبة للرجال وكذلك يجتنب المحرم قتل الدواب واتقاء الأوساخ وعليه أن لا يغطي رأسه أثناء إحرامه (بالنسبة للرجل) ولا يحلق شعره إلا عند الضرورة وإذا فعل افتدى بصيام ثلاثة أيام أو إطعام ستة مساكين مدين لكل مسكين بمد رسول الله صلى الله عليه وسلم أو شاة يذبحها حيث شاء والمرأة تلبس الخفين وتلبس ثيابها في إحرامها ولكنها تجتنب ما سوى ذلك من طيب وزينة وإحرام المرأة في وجهها وكفيها وإحرام الرجل في وجهه ورأسه ولا يلبس الرجل الخفين إلا إذا لم يجد نعلين فانه حينئذ يقطع أسفل الكعبين (من الخفين). والإفراد بالحج عند المالكية أفضل من القران والتمتع فمن قرن بين الحج والعمرة من غير أهل مكة فعليه هدي يذبحه بمنى إن أوقفه بعرفة وان لم يوقفه بعرفة فلينحره بمكة. فان لم يجد المتمتع أو القارن هديا فعليه صيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع.يقول ابن أبي زيد رحمه الله وصفة التمتع أن يقوم بعمرة ثم يحل منها في أشهر الحج ثم يحج من عامه قبل الرجوع إلى افقه أو إلى مثل افقه في البعد ولهذا أن يحرم من مكة إن كان بها ولا يحرم منها من أراد أن يعتمر حتى يخرج إلى الحل. وصفة القران أن يحرم بحجة وعمرة معا ويبدأ بالعمرة في نيته وإذا أردف الحج على العمرة قبل أن يطوف ويركع فهو قارن. وليس على أهل مكة هدي في تمتع ولا قران. ومن حل من عمرته قبل أشهر الحج ثم حج من عامه فليس بمتمتع ومن أصاب صيدا فعليه جزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل من فقهاء المسلمين ومحله منى إن وقف به بعرفة وإلا فمكة ويدخل به من الحل وله أن يختار ذلك أو كفارة طعام مساكين ان ينظر إلى قيمة الصيد طعاما فيتصدق به أو عدل ذلك صياما أن يصوم عن كل مد يوما ولكسر المد يوما كاملا. والعمرة سنة مؤكدة مرة في العمر ويستحب لمن انصرف من مكة من حج أو عمرة أن يقول “آيبون تائبون عابدون لربنا حامدون صدق الله وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده”.) والتمتع كيفيته أن يحرم بعمره ثم عند الانتهاء من أدائها يتحلل منها ثم يحج في عامه وللمتمتع أن يحرم من مكة وليس عليه أن يخرج إلى الحل. والقران بين الحج والعمرة يبدأ فيه بالعمرة شريطة أن تكون هذه النية قبل الطواف. وليس على أهل مكة هدي في التمتع ولا في القران. ومن حل من عمرته قبل أشهر الحج فليس متمتع. ويبين ابن أبي زيد الأحكام الفقهية لمن يصيب صيدا في الحرم إذ عليه أن يتصدق بمثل ما قتل ومحل ذلك منى إذا وقف به بعرفة وإلا فمكة. ويبين ابن أبي زيد في ختام هذا الباب الجامع لأحكام الحج والعمرة من كتاب الرسالة أحكام العمرة فيقول (والعمرة سنة مؤكدة مرة في العمر) ويختم بإيراد دعاء ماثور يستحب للحاج والمعتمر أن يردده فيقول: “آيبون تائبون عابدون لربنا حامدون صدق الله وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده”نسال الله تبارك وتعالى أن يفقهنا في الدين ونسأله جل وعلا أن يجعل حجنا مبرورا انه سبحانه وتعالى سميع مجيب.