من فضائل المدينة المنورة وخصائصها وبركاتها
أجمعت الأمة ولم يشذ عن الإجماع احد على أن من أعظم القربات إلى الله ومن أحب الطاعات إليه أن يشد المسلم الرحال إلى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة المنورة وقد نصت على ذلك الأحاديث الصريحة التي منها قوله عليه الصلاة والسلام (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاث: مسجدي هذا (أي المسجد النبوي) والمسجد الحرام (الذي في مكة المكرمة) والمسجد الأقصى (الذي في بيت المقدس))، وقوله عليه الصلاة والسلام في بيان ثواب الصلاة في هذه المساجد الثلاثة، إذ الصلاة في المسجد الحرام تفضل بمائة ألف صلاة في ما سواه والصلاة في المسجد النبوي تفضل بألف صلاة الصلاة في ما سواه والصلاة في المسجد الأقصى تفضل بخمسمائة صلاة الصلاة في ما سواه. وبذلك يتبين لنا أن شد الرحال إلى مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم قصد الصلاة في مسجدها والمجاورة لصاحبها عليه الصلاة والسلام والتردد على مزاراتها وهي عديدة وكثيرة من أعظم القربات والطاعات. وهذا الفضل العظيم الذي أعطاه الله تبارك وتعالى للمدينة المنورة إنما استحقته لعدة أسباب وعوامل واعتبارات منها أنها الأرض التي اختارها الله تبارك وتعالى لتكون مهاجرا لرسول الله صلى اله عليه وسلم ولأصحابه الكرام حين ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وحينما سلطت عليهم قريش أذاها وتعذيبها فإن الله تبارك وتعالى اختار من بين بقاع الأرض كلها يثرب المدينة المنورة لاحقا لتكون مستقرا ومنطلقا لدين الله وملجأ وملاذا للمؤمنين وهذا الشرف الذي خص به الله تبارك وتعالى المدينة المنورة باق إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين. ولقد كانت المدينة المنورة وكان أهلها من الأنصار الذين أووا ونصروا وأحبوا من هاجر إليهم من إخوانهم وآثروهم على أنفسهم وأكرموا وفادتهم واحتضنوا الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام والذين جاؤوا معه والمؤمنين الذين آمنوا به واتبعوه. وضربوا أروع الأمثلة في الكرم والجود والإيثار والفداء والنصرة والعفة. وقد الفت في فضائل المدينة المنورة وخصائصها المجلدات ولا يزال العلماء قديما وحديثا يرغبون الأمة في زيارة المدينة المنورة ومجاورة صاحبها ونزيلها ودفينها عليه الصلاة والسلام موردين ما صح لديهم من الأحاديث والآثار التي تبين عظم الأجر وجزيل الثواب لمن يتعلق بالمدينة ويحبها ويتردد عليها ويقدم فيها ما في مستطاعه من القربات والأعمال الصالحة. أسماء المدينة ولأن كثرة الأسماء تدل على شرف المسمى فقد أحصى المحققون من العلماء الأعلام للمدينة من الأسماء ما تجاوز العشرات نذكر بعضها فهي: “أثرب”، و“ارض الله”، و“ارض الهجرة”، و“آكلة البلدان”، و“آكلة القرى”، و“الإيمان”، و“البارة”، و“البحرة”، و“البحيرة”، و“البلاط”، و“البلد”، و“بيت الرسول صلى الله عليه وسلم”، و“تندد” و“الجابرة”، و“جبار”، و“الجابرة”، و“جزيرة العرب”، و“الجنة”، و“الحصينة”، و“الحرم”، و“حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم”، و“الخيرة”، و“الدار”، و“دار الأبرار”، و“دار الإيمان”، و“دار السنة”، و“دار السلامة”، و“دار الفتح”، و“دار الهجرة”، و“ذات الحجر”، و“ذات الحرار”، و“ذات النخل”، و“السلفة”، و“سيدة البلدان”، و“الشافية”، و“طابة”، و“طيبة”، وطيّبة“، وبتشديدها و”طائب“، و”طباب“، و”العاصمة“، و”العذراء“، و”العراء“، و”العروض“، و”الغراء“، و”غلبة“، و”الفاضحة“، و”القاصمة“، و”قبة الإسلام“، و”قرية الأنصار“، و”قرية رسول الله صلى الله عليه وسلم“، و”قلب الإيمان“، و”المؤمنة“، و”المباركة“، و”مبوأ الحلال والحرام“، و”مبين الحلال والحرام“، و”المجبورة“، و”المحبة“، و”المحبوبة“، و”المحبورة“، و”المحرمة“، و”المحفوفة“، و”المحفوظة“، و”المختارة“، و”مدخل صدق“، و”المدينة“، و”مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم“، و”المرحومة“، و”المرزوقة“، و”مسجد الأقصى“، و”المسكينة“، و”المسلمة“، و”مضجع“، و”المقدسة“، و”المقر“، و”المكتان“، و”المكينة“، و”الموفية“، و”الناجية“، و”نبلاء“، و”النحر“، و”الهذراء“، و”يثرب“، و”يندد“، و”يندر". وكل هذه الأسماء توقيفية أصل لها العلماء والمحدثون بالخصوص بما أوردوه من آيات الكتاب العزيز وأحاديث الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وما صح من الآثار وإذا كان لمكة الفضل بالبداية فان للمدينة فضل الاستقرار والنهاية، وفي المدينة البقعة التي أجمعت الأمة على تفضيلها على كل بقاع الأرض، وفي المدينة دفن أفضل خلق الله وأفضل الأمة من صحابة وتابعين كما أن المدينة محفوفة بأفضل الشهداء وقد اختار الله المدينة دارا ومستقرا لأفضل خلق الله عليه الصلاة والسلام كما اختار الله أهل المدينة ليكونوا أنصارا لرسول الله صلى الله عليه وسلم كما إن المدينة فتحت بالقرآن وفتح الله منها سائر بلاد الإسلام بما فيها مكة المكرمة. كما أن الهجرة كانت واجبة إلى المدينة قبل الفتح ومن المدينة يبعث أشرف خلق الله وهي ارض الله كما ورد في قوله جل من قائل (الم تكن ارض الله واسعة) وإقسام الله تعالى بها حيث قال (لا اقسم بهذا البلد) وقال جل من قائل في حقها (وقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق)، وقد دعا لها الرسول صلى الله عليه وسلم وعلى يدي الرسول صلى الله عليه وسلم تأسس مسجد المدينة وفي حقه انزل الله تبارك وتعالى (لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه). خصائص المدينة وفضائلها وقد جعل الله تبارك وتعالى ما بين بيته عليه الصلاة والسلام وما (بين منبره روضة من رياض الجنة) وكذلك فان (منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم على ترعة من ترع الجنة) وقال (إن من صلى في مسجدي هذا أربعين صلاة كتب له براءة من النار وبراءة من العذاب وبرئ من النفاق) رواه الطبراني في الأوسط. (وأن من خرج على طهر لا يريد إلا الصلاة فيه كان بمنزلة حجة) وان (الخارج إليه من حين يخرج من منزله فرجل تكتب حسنة ورجل تحط خطيئة)، وان (إتيان مسجد قباء يعدل عمرة) وان (صيام رمضان في المدينة كصيام ألف شهر في ما سواها وصلاة الجمعة في المدينة كألف صلاة فيما سواها). وقد حث عليه الصلاة والسلام على (الإقامة في المدينة واتخاذ الأهل بها) و(الحرص على الموت بها) و(إن أهلها أول من يشفع لهم) وان (الميت بها يبعث من الآمنين وانه يبعث من بقيعها سبعون ألفا على صورة القمر يدخلون الجنة بغير حساب). و(شفاعته عليه الصلاة والسلام لمن صبر على لاوائها وشدتها) و(وجوب شفاعته عليه الصلاة والسلام لمن زاره بها). و(استجابة الدعاء عند القبر الشريف) و(أن المدينة تنفي خبثها) و(أنها تنفي الذنوب كما تنفي النار خبث الفضة) والوعيد الشديد (لمن ظلم أهلها وأخافهم) و(أن من أرادها بسوء أذابه الله كما يذوب الملح في الماء) وأن الوعيد شديد (لمن احدث بها حدثا أو آوى محدثا) و(الوعيد لمن لم يكرم أهلها) و(أن إكرامهم وحفظهم حق على الأمة) و(أن رسول الله صلى الله عليه وسلم شفيع أو شهيد لمن حفظهم فيه) و(إكرام الله لها بنقل وبائها وتحويل حماها والاستشفاء بترابها وعصمتها من الطاعون وعصمتها من الدجال) و(انه حق على كل مسلم زيارتها) وانه عليه الصلاة والسلام (يسمع سلام من سلم وصلاة من صلى عليه عند قبره الشريف ورده عليه) و(إن الإيمان يأزر إليها) و(اشتباكها بالملائكة وحراستهم لها) و(إنها أول ارض اتخذ بها مسجد لعامة المسلمين في هذه الأمة) و(إن مسجدها آخر مساجد الأنبياء وآخر المساجد التي تشد إليها الرحال) وانه (أحق المساجد أن يزار) وكثرة المساجد فيها وانه (يوجد فيها من رائحة الطيب الزكية وطيب العيش بها) وأنها (آخر قرى الإسلام خرابا) و(تخصيص أهلها بأبعد المواقيت (للإحرام) وأفضلها تعظيما لأجورهم وزيادة البركة فيها). فهذا قليل من كثير من فضائل المدينة المنورة وبركاتها وأنوارها وهي كلها تعتمد على الأحاديث الصحيحة والآثار الثابتة التي تناقلتها الأمة جيلا عن جيل وحرص العلماء على إشاعتها وإذاعتها ونشرها بين الناس حتى يعلموا عظم قدر مدينة رسولهم الكريم عليه السلام مما يدفعهم إلى تعظيمها والتأدب معها عند زيارتها واغتنام أوقاتهم للتزود فيها بخير زاد والاستئناس بخير جار عليه الصلاة والسلام. أسرار تغمر زائر المدينة وقد ضمت كتب رحلات الحجيج والزائرين لمدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم النصوص الكثيرة والأحكام الفقهية التي استنبطها العلماء وما ينبغي على المسلم نحو حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم كما أوردت هذه الكتب ما لمسه وعاشه عن كثب من تشرفوا بزيارة مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم من فيوضات وبركات وأسرار وما شعروا به من سكينة وخشوع وراحة نفسية وهم ينعمون بأشرف جوار وأكرم ضيافة: ضيافة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد سجل هؤلاء العلماء والشعراء والأدباء شعرا ونثرا هذه المشاعر في نصوص رائعة جميلة بليغة صادقة التعبير عن الحب الشديد لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأهل المدينة من أنصار ومهاجرين. فالمسلم وهو في المدينة تغشاه أنوار وحالة من الراحة النفسية والسعادة والطمأنينة والشعور بأنه بجانب أعظم سند وأحب حبيب ألا وهو المصطفى صلى الله عليه وسلم لأجل ذلك فان الوقت أياما وليالي يمر كلمح البصر وعندما يحين أوان الرحيل والتوديع يحزن القلب ويشق عليه الفراق وتدمع العين ويمني المسلم نفسه بعودة بل عودات وعودات يتشرف فيها بالوقوف بين يدي أعظم مخلوق وأكرم موجود من أرسله الله رحمة للعالمين وجعله بالمؤمنين رؤوفا رحيما. مشاهد ينبغي زيارتها * إن زيارة مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم والوقوف في مواجهة رسول الله صلى الله عليه وسلم والصلاة في روضته والسلام على صاحبيه أبي بكر وعمر رضي الله عنهما والسلام على أهل البقيع من الصحابة الكرام وأمهات المؤمنين وبنات رسول الله صلى الله عليه وسلم وكل من دفن بالبقيع وأكرمه الله بذلك والسلام على شهداء أحد وعلى رأسهم سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب عم رسول الله صلى الله عليه وسلم والنظر إلى ذلك الجبل الشامخ جبل أحد الذي شهد غزوة من أعظم غزوات الإسلام غزوة أحد التي برهن فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شجاعة منقطعة النظير، حيث كان في قلب المعركة يردد: أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب، جبل أحد الذي كان شاهدا على هذه المعركة الخالدة قال في حقه رسول الله صلى الله عليه وسلم (أحد جبل يحبنا ونحبه) كما أن زائر مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي سبيل تحصيل المزيد من الأجر والثواب لاشك انه لم ينسى زيارة مسجد قبا أول مسجد أسس على التقوى من أول يوم فقد وعد رسول الله صلى الله عليه وسلم من يتطهر في بيته (حيث يقيم) ويأتي مسجد قبا فيصلي فيه ركعتين بثواب عمرة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. * وفي المدينة المنورة مشاهد عديدة لا بأس من زيارتها والوقوف عندها والاعتبار بها من ذلك مسجد القبلتين هذا المسجد الذي شهد تحويل القبلة من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام وتلك كانت أمنية لرسول الله صلى الله عليه وسلم حققها له المولى سبحانه وتعالى. * إن المدينة المنورة التي درج على زيارتها حجيج بيت الله الحرام سواء قبل أداء المناسك أو بعد ذلك أهل لكل هذه الفضائل والخصوصيات فقد اختارها الله تبارك وتعلى مهاجرا ومستقرا لنبيه ومهبطا للوحي ومثوى وملاذا للمؤمنين الذين فروا بدينهم من ويلات قريش فعوض الله تبارك وتعالى لنبيه وأصحابه في المدينة الخوف أمنا والضعف قوة والجزع طمأنينة فكان محيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها ومماته فيها وقبره عليه الصلاة والسلام في مسجده ومدينته قائم معلوم باليقين دون سائر قبور المرسلين والأنبياء عليهم السلام. المدينة واحة أمن وسكينة * ولا تزال والحمد لله مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم واحة أمن وسكينة وطمأنينة يجد فيها كل من يشد إليها الرحال مبتغاه ويعود منها مكرما مبجلا فرحا مسرورا فما إن يحل الزائر بحرم رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يعتريه شعور من الإجلال والتعظيم والتقدير لهذا الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام ولا يملك إلا أن يتفاعل مع كل من جاؤوا من كل صوب وحدب مختلفة ألوانهم وأجناسهم ولغاتهم ومراتبهم في مجتمعاتهم ولكن الكل يزورون سائلين الله تبارك بلوغ المنى والإحراز منه سبحانه وتعالى على الغفران والرضا وهم يزورون مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقفون بين يديه عليه الصلاة والسلام يعتقدون جازمين بأنهم لن يعودوا خائبين وان المولى سبحانه وتعالى الذي يسر لهم سبيل الزيارة وذلل لهم الصعاب شرفهم بالوقوف بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم والسلام عليه سيتم نعمته عليهم ويكرم وفادتهم وسيشفع فيهم ساكن وصاحب الروضة والمنبر والمسجد عليه الصلاة والسلام. وجوب ملازمة الأدب لزائر المدينة المنورة إنها لحظات لا تنسى من عمر الإنسان تلك التي يقضيها في ضيافة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو لاشك ملتزم بكل ما ينبغي من الأدب والوقار والاحترام في كل ما يأتيه من أقوال وأفعال وتصرفات وهو لاشك معرض عن مظاهر اللغو والرفث والفسوق والعصيان شاغل وقته بالذكر والدعاء والتسبيح والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلام وسؤال الله ودعائه والضراعة له سبحانه وتعالى بتحقيق كل ما يرضي الله دنيا وآخرة فذلك موطن يستجاب فيه الدعاء ولا يرد فيه الطلب، والمسلم في هذا المكان المشرف مجتهد غير مقصر في سؤال الخير العاجل والآجل له ولأهله وذوي أرحامه وإخوانه وكل المسلمين والمسلمات في مشارق الأرض ومغاربها وهو لاشك سائل ربه في ذلك المقام بأن يحفظ ويرعى بعين عنايته المسلمين وأوطانهم ويوفقهم لما يحبه ويرضاه انه سبحانه وتعالى سميع مجيب.