من فضائل الصيام في أحاديث سيد الأنام عليه الصلاة والسلام
القرآن الكريم كتاب الله العزيز لا تنقضي عجائبه ولا يمل على كثرة الرد والتكرار انه المعين الذي لا ينضب وهو السراج المنير والصراط المستقيم وحبل الله المتين والعروة الوثقى والنور المبين الذي تعهد الله بحفظه إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين. إن القرآن الكريم هو الأصل الثابت والأول تكمله وتبنيه وتوضحه وتفصله سنة سيد الأولين والآخرين عليه الصلاة والسلام التي هي وحي من الله تبارك لرسوله سيدنا محمد عله الصلاة والسلام قال الله تعالى (وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى) وقال في حقه عليه الصلاة والسلام (لتبين للناس ما نزل إليهم) وقد أدى رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه المهمة على أتم الوجوه وأكملها إلى أن أكمل الله الدين على يديه وانزل عليه قوله جل من قائل (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا). بين عليه الصلاة والسلام بأقواله وأفعاله وبما أقر عليه أصحابه رضي الله عنهم. فكان كل ما ثبت صدوره عن رسول الله صلى الله عليه وسلم دينا تعبّد به المسلمون ربهم امتثالا وعملا بقوله جل من قائل (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله). وحفظت الأمة عن طريق صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن جاء بعدهم من التابعين وتابع التابعين سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وعضت عليها بالنواجد وقيض الله لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في كل العصور من خدمها بداية بالتلقي والتبليغ إلى الجمع والحفظ إلى التمحيص والغربلة ثم التدوين في صحاح وسنن ومسانيد هي اليوم ين أيدي الأمة يغترفون من معينها العذب ما يروي ضماهم وينير لهم السبل في كل ما يرضي ربهم ويجنبهم المزالق والمهالك. القرآن والسنة لا يفترقان فالصحاح والسنن والمسانيد ماثلة اليوم بين أيدي الأمة مبوبة منظمة مهيأة للاستفادة منها والاستنارة بها تمثل مع القرآن الكريم ما أوصى بالتمسك به عليه الصلاة والسلام (تركت فيكم ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا أبدا كتاب الله وسنتي). وبدون العودة إلى السنة النبوية الطاهرة الزكية التي خدمها أعلام من المحدثين نذكر منهم الأئمة مالك والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجة والنسائي وأحمد غيرهم رضي الله عنهم وأجزل مثوبتهم-بدون العودة إلى ما تركه هؤلاء الأئمة وغيرهم من علماء الحديث لا يمكن للمسلم أن يمتثل لأوامر الله ولا أن ينتهي عما نهى عنه عباده المؤمنين. فتفصيل الأوامر والنواهي وبيان كثير من الأحكام والحكم والأسرار الشرعية تكفلت به السنة المحمدية التي لا غنى عنها لأحد. لقد أردت التذكير بمكانة السنة النبوية في ديننا الحنيف كما أردت بها أن تكون مدخلا لإيراد بعض ما يسمح به المجال من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم المتعلقة بهذا الركن صيام شهر رمضان مكتفيا بمجرد العرض مع التعليق الموجز والقصير لأن الحديث الواحد يمكن أن يكون موضوعا لمقال وقد كان أسلافنا من علماء الزيتونة ينطلقون من حديث واحد يوردون سنده كاملا ثم متنه في تحليله وتجليته واستنباط ما فيه من علوم مختلفة لغوية وتاريخية وأصولية وفقهية وعقدية ومقاصديه واجتماعية وروحية إحسانية وأختام الحديث التي كانت تنتظم في جوامع تونس العاصمة خير شاهد على ما أقول. كما أن شراح الصحاح والسنن والمسانيد أتوا من كل حديث شرحوه بعلم غزير وفيض إن دل على شيء فإنما يدل على أن هذه السنة المحمدية التي هي كما قلنا وحي من الله معين لا ينضب وكنز لا ينتهي. وإذا كان القرآن الكريم من خلال حركة التفسير التي يتواصل مددها وعطاؤها منذ نزل القرآن والى اليوم والى أن يرث الله الأرض ومن عليها فهي كما قيل (إن التفاسير في الدنيا بلا عدد) وقد اتجهت صوب التفسير الموضوعي بحيث تستطيع أن تجد اليوم مادة مختصة في القرآن. ولا نزال السنة النبوية نفتقر إلى مثل ذلك حيث لا تزال الأحاديث النبوية يشرح كل حديث منها على حدة منفصلا عن بقية الأحاديث المتعلق بنفس الموضوع ولا شك انه كما إن آيات القرآن تفسر بعضها البعض فان أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم تشرح بعضها البعض وتكمل بعضها البعض ويمكن بجمعها إلى بعضها البعض أن نستخرج معالم نظرة الإسلام إلى هذا أو ذاك من المواضيع والتي يكون منطلقها وحجر الزاوية فيها القرآن الكريم. ولا بد من الاستدراك هنا لنقول أن بعض المنتخبات من السنة مثل كتب رياض الصالحين والترغيب والترهيب والتاج قد خطت في هذا الاتجاه خطوات تذكر فتشكر تصلح لكي تكون منطلقا لعمل يكون أكثر استقصاء وشمولية ودقة يهدف إلى الوصول لابراز معالم نظرة السنة ومعالجتها لهذا الموضوع أو ذاك... على كل يمكن بلورة هذا الرأي وتعميقه وهو متفتح على الآخر للتصويب والإضافة والتعميق والبلورة من اجل خدمة سنة نبينا الكريم عليه الصلاة والسلام. لقد تعرضت السنة النبوية بإطناب وتوسع إلى ركن رمضان والصيام بصفة عامة ولم تترك أي جانب من جوانب الصيام في أحكامه وحكمه وأسراره وما يكمله ويرتفع به ويجعله مقبولا عنه الله وما يجعل الأجر عليه عظيما إلا وارشد الأمة إليه كما انه عليه الصلاة والسلام نهى عن كل ما يفسده ويجعله مجرد امتناع عن الطعام والشراب ليس لصاحبه منه إلا الجوع والعطش إن هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم في ما يتعلق بصيام شهر رمضان والصيام بصفة عامة (ولاشك أن الأمر كذلك بالنسبة لكل أركان الإسلام الأخرى) تجعل من الصيام يبلغ به صاحبه إلى ما أكثر من الامتناع عن شهوتي البطن والفرج إلى الامتناع عن كل شر وضرر مما يغضب الله ومما حرمه على عباده مراعاة لمصالحهم. وما أصعب الانتقاء وما أشقه لأنه إزاء درر وغرر وحكم بليغة لا يمكن أن يأتي بها إلا من أوحى الله إليه وآتاه الله جوامع الكلم ابلغ من نطق بالضاد سيدنا محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام أن الانتقاء مستحيل وغير ممكن ولا يجوز لان فيه مفاضلة ولا تجوز المفاضلة بين كل ما قاله ونطق به رسول الله صلى الله عليه وسلم لان لكل ما قاله غاية وهدفا يمكن أن ندركها ويمكن جدا أن لا ندرك ما فيها من أسرار. منتخب من أحاديث الصيام * عن أبي هريرة عبد الرحمان بن صخر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال الله عز وجل كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فانه لي وأنا اجزي به والصيام جنة (وقاية وستر) فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب فان سابه احد فليقل: إني صائم. والذي نفس محمد بيده لخلوف فم الصائم (تغير رائحة فم الصائم بسبب الصيام) أطيب عند الله من ريح المسك. للصائم فرحتان يفرحهما إذا افطر فرح وإذا لقي ربه فرح بصومه). رواه البخاري ومسلم * وعن سهل بن سعد الأنصاري الساعدي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( إن في الجنة بابا يقال له الريان يدخل منه الصائمون يوم القيامة لا يدخل منه احد غيرهم يقال: أين الصائمون؟ فيقومون لا يدخل منه احد غيرهم فإذا دخلوا أغلق فلم يدخل منه احد). رواه الشيخان * وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: ألا أدلك على أبواب الخير؟ قلت بلى يا رسول الله قال (الصوم جنة والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار). رواه الترمذي * وعن أبي إمامة عدي بن عجلان رضي الله عنه قال قلت: يا رسول الله مرني بعمل قال: عليك بالصوم فانه لا عدل له قلت يا رسول الله مرني بعمل قال عليك بالصوم فانه لا عدل له قلت يا رسول الله مرني بعمل قال عليك بالصوم فانه لا مثل له. رواه النسائي وابن خزيمة في صحيحه وفي رواية للنسائي قال: (أتيت رسول الله صلى اله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله مرني بأمر ينفعني الله به قال عليك بالصيام فانه لا مثل له) ورواه ابن حبان في صحيحه في حديث (قال: قلت يا رسول الله دلني على عمل ادخل به الجنة قال: عليك بالصوم فانه لا مثل له) قال: فكان أبو أمامة لا يرى في بيته الدخان نهارا إلا إذا نزل بهم ضيف. * وعن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (من أدرك شهر رمضان بمكة فصامه وقام منه ما تيسر كتب الله له مائة ألف شهر رمضان فيما سواه وكتب له بكل يوم عتق رقبة وبكل ليلة عتق رقبة وكل يوم حملان فرس في سبيل الله وفي كل يوم حسنة وفي كل ليلة حسنة). رواه ابن ماجة * وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب فان سابه احد فليقل إني صائم). متفق عليه * وعنه أيضا قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم (من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه). رواه البخاري وأصحاب السنن * وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل وكان يلقاه جبريل في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن فكان رسول الله صلى الله عليه سلم حين يلقاه جبريل أجود بالخير من الريح المرسلة. متفق عليه * وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ثلاث لا ترد دعوتهم الصائم حين يفطر والإمام العادل ودعوة المظلوم يرفعها الله فوق الغمام وتفتح لها أبواب السماء ويقول الرب: وعزتي وجلالي لا أنصرنك ولو بعد حين). رواه احمد في حديث الترمذي وابن ماجة وابن خزيمة وابن حبان إلا إنهم قال (حتى يفطر) * وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من لم بدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه). رواه البخاري واحمد والترمذي وأبو داود * وعن عبد الله بن مسعود قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فانه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فانه له وجاء). رواه البخاري ومسلم * وعن زيد بن خالد رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من فطر صائما كان له مثل أجره غير انه لا ينقص من اجر الصائم شيء). رواه الترمذي والنسائي وابن ماجة * وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات ما بينهن إذا اجتنبت الكبائر). وهن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة وأغلقت أبواب النار وصفدت الشياطين). هذه طائفة من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في باب الصيام وصيام شهر رمضان المعظم هي بعض وقليل من كثير جمع فأوعى وأحاط بكل جوانب هذا الركن من أركان الإسلام (الأحكام والحكم والأسرار وما يجعل الثواب كبيرا والأجر عظيما وكذلك التحذير من كل ما يفسد الصيام ويجعله مجرد إمتناع عن الأكل والشرب. ولا شك أن مجرد سرد هذه الأحاديث وتكرار قراءتها وتدبرها يثاب عليه القائم به ولأجل درج سلفنا الصالح أن يجمعوا في هذا الشهر المبارك إلى الصيام بالنهار والقيام في الليل بالقرآن عقد مجالس لدراسة الحديث النبوي الشريف فيجمعون بين الحسنين.