من حكم الصيام وأحكامه بالإعتماد على رسالة ابن أبي زيد

من حكم الصيام وأحكامه بالإعتماد على رسالة ابن أبي زيد


أكرم الله أمة محمد عليه الصلاة والسلام بشهر رمضان فجعله موسما من مواسم الخير والبركة والتزود بخير زاد. يقول الله تبارك وتعالى في كتابه العزيز (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون أياما معدودات). والتقوى هي اجتناب النواهي وإتيان الأوامر، التقوى هي الطاعة لله تبارك وتعالى في الصغيرة والكبيرة والحركة والسكنة، التقوى هي إسلام الوجه الله رب العالمين، التقوى كما عرّفها بعضهم هي ان لا يفقدك ربك حيث أمرك ان تكون وان لا يجدك حيث نهاك ان تكون. * وصيام شهر رمضان هو احد أركان الإسلام فقد ورد في الحديث الشريف (بني الإسلام على خمس: شهادة ان لا إله إلا الله وأن محمد ا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلا) * صيام رمضان هو احد العبادات التي هي حق الله على عباده يقول جلّ من قائل (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ما أريد منهم من رزق ز ما أريد أن يطعمون). * فصيام رمضان هو أحد حقوق الله على عباده المسلمين المكلفين المعافين المقيمين ولأجل ذلك قال جل من قائل (فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين) ودين الإسلام مبني كله في الأوامر والنواهي مبني على التيسير عملا بقوله جل من قائل (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) وعملا بالأحاديث الشريفة والآثار الثابتة والقواعد الفقهية التي منها (لا ضرر ولا ضرار) و(الضرر يزال) و(المشقة تجلب التيسير) و(الضرورات تبيح المحظورات). * ومن المعلوم أن الله تبارك وتعالى صاحب هذه الحقوق لا تنفعه طاعات المطيعين كما لا تضره معصية العصاة ولأجل ذلك فلابد من البحث من خلال هذه الأوامر والنواهي عن الحكم والأسرار التي كثيرا ما نصّ عليها الكتاب العزيز أو الهدي النبوي واجتهد في إبرازها العلماء وأهل الذكر قديما وحديثا وقد انتهوا إلى فوائد جمة توصل إليها العلم في مختلف مجالاته وميادينه وبالخصوص العلوم الطبية وهدت إليها التجارب وما عاشه الإنسان منذ القدم في هذه الحياة. * فصيام شهر رمضان فرصة لتزكية النفس وتطهيرها وتدريبها على الصبر والتحمّل و الشعور بآلام الآخرين فالإمساك عن الطعام والشراب من طلوع الفجر إلى غروب الشمس طيلة شهر رمضان فرصة ثمينة للتعود على التحمل والاستعداد لكل ما عسى أن يطرأ على الإنسان في هذه الحياة. * فصيام شهر رمضان من ميسوري الحال الذين لم يعرفوا معنى الفاقة والحاجة والحرمان يشعرهم بالجوع والعطش امتثالا لأمر الله مما يجعل لكلمات الفقر والجوع والفاقة والحرمان مدلولاتها العملية الفعلية التي تترك آثارا ايجابية تدفعهم إلى الإشفاق والعطف والرحمة ونجدة الملهوف و المحتاج. * وصيام شهر رمضان من طرف الأغنياء والفقراء والرجال والنساء والبيض والسود وعامة الناس وخاصتهم في إمساك موحد وإفطار موحد يشعر الجميع بأنهم سواسية أمام الله لا فرق بينهم إلا بالتقوى التي من أسباب تحصيلها الصيام إيمانا واحتسابا. * ومن دروس الصيام وعبره وأسراره ما يتركه في نفس القائم به من إخلاص وتجرد باعتبار ان الصيام عبادة خفية لا يعلمها من العبد إلا الله الذي لا تخفي عليه خافية. فالصيام عبادة تربّي المسلم على الإخلاص ومراقبة الله تبارك وتعالى في الصغيرة والكبيرة ولعل هذه الخصوصية في الصيام هي التي نفهم منها ما ورد التبشير به في الحديث القدسي حيث يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه (كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فهو لي وأنا اجزي به) فالله تبارك وتعالى لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصا لوجهه الكريم، ومن عند الله ينادي مناد يوم القيامة (أنا أغنى الشركاء اذهب إلى من أشركته بي فليجازك اليوم) ولا يستطيع أحد ان يجازي أحدا. هذا هو المعنى الذي أكد عليه الأثر الذي يقول (الناس هلكى إلا العالمون والعالمون هلكى إلا العاملون والعاملون هلكى إلا المخلصون و المخلصون على وجل). كما ورد في الحديث الشريف ان الله تبارك وتعالى لا يقبل من العمل إلا أخلصه وأصوبه ولأجل ذلك وتعميما للفائدة وتفقيها للمسلمين بأحكام الصيام فان من خير من نأخذ عنه فقه الصيام عبد الله بن أبي زيد القيرواني الملقب بمالك الصغير. فقه الصيام من خلال رسالة ابن أبي زيد عقد ابن أبي زيد في كتابه “الرسالة” فصلا جاء محيطا بجل أحكام الصيام التي يكثر السؤال عنها في هذه وتعميما للفائدة. * وصوم شهر رمضان فريضة يصام لرؤية الهلال ويفطر لرؤيته كان ثلاثين يوما أو تسعة وعشرين يوما، فإن غمّ الهلال فيعد ثلاثين يوما من غرة الشهر الذي قبله ثم يصام وكذلك في الفطر. * ويبيت الصيام في أوله وليس عليه البيات في بقيته ويتم الصيام إلى الليل. * ومن السنّة تعجيل الفطر وتأخير السحور. وان شك في الفجر فلا يأكل ولا يصام يوم الشك ليحتاط به من رمضان من صامه كذلك لم يجزه وان وافقه من رمضان. ولمن شاء صومه تطوعا ان يفعل ومن أصبح فلم يأكل ولم يشرب ثم تبيّن له ان ذلك اليوم من رمضان لم يجزه و ليمسك عن الأكل في بقيته ويقضيه. وإذا قدم المسافر مفطرا أو طهرت الحائض نهارا فلهما الأكل في بقية يومهما. ومن أفطر في تطوعه عامدا أو سافر فيه فافطر لسفره فعليه القضاء وان أفطر ساهيا فلا قضاء عليه بخلاف الفريضة ولا بأس بالسواك للصائم في جميع نهاره ولا تكره له الحجامة إلا خيفة التغرير. ومن ذرعه القيء في رمضان فلا قضاء عليه وان استقاء فقاء فعليه القضاء وإذا خافت الحامل على ما في بطنها أفطرت ولم تطعم وقد قيل تطعم وللمرضع ان خافت على ولدها ولم تجد ما تستأجر له أو لم يقبل غيرها ان تفطر وتطعم. ويستحب للشيخ الكبير إذا أفطر ان يطعم والإطعام في هذا كله مدّ عن كل يوم يقضيه وكذلك يطعم من فرّط في قضاء رمضان حتى دخل عليه رمضان آخر. ولا صيام على الصبيان حتى يحتلم الغلام وتحيض الجارية وبالبلوغ لزمتهم أعمال الأبدان فريضة قال الله سبحانه وتعالى و(إذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا) ومن أصبح جنبا ولم يتطهر أو امرأة حائض طهرت قبل الفجر فلم يغتسلا إلا بعد الفجر أجزأهما صوم ذلك اليوم ولا يجوز صيام يوم الفطر ولا يوم النحر ولا يصوم اليومين الذين بعد يوم النحر إلا المتمتع الذي لا يجد هديا. واليوم الرابع لا يصومه متطوع ويصومه من نذره أو من كان في صيام متتابع قبل ذلك. ومن افطر في نهار رمضان ناسيا فعليه القضاء فقط وكذلك من افطر فيه لضرورة من مرض ومن سافر سفرا تقتصر فيه الصلاة فله ان يفطر وان لم تنله ضرورة وعليه القضاء والصوم أحب إلينا ومن سافر اقل من أربعة برد فظن ان الفطر مباح له فافطر فلا كفّارة عليه وعليه القضاء، وكل من افطر متأولا فلا كفارة عليه وإنما الكفّارة على من افطر متعمدا بأكل أو شرب أو جماع مع القضاء والكفّارة في ذلك إطعام ستين مسكينا لكل مسكين مدّ بمدّ النبي صلى الله عليه وسلم فذلك أحب إلينا وله ان يكفّر بعتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين وليس على من افطر في قضاء رمضان متعمدا كفّارة. ومن أغمي عليه ليلا فأفاق بعد طلوع الفجر فعليه قضاء الصوم ولا يقضي من الصلوات إلا ما أفاق في وقته وينبغي للصائم ان يحفظ لسانه وجوارحه ويعظم من شهر رمضان ما عظّم الله سبحانه ولا يقرب الصائم النساء بوطء ولا مباشرة ولا قبلة للذة في نهار رمضان ولا يحرم ذلك عليه في ليله ولا بأس ان يصبح جنبا من الوطء. ومن إلتذّ في نهار رمضان بمباشرة أو قبلة فأمذى لذلك فعليه القضاء. وان تعمد ذلك حتى أمنى فعليه الكفّارة. ومن قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه ان قمت فيه بما تيسر فذلك مرجوّ فضله تكفير الذنوب به القيام فيه في مساجد الجماعات بإمام من شاء قام في بيته وهو أحسن لمن قويت نيّته وحده وكان السلف الصالح يقومون فيه في المساجد بعشرين ركعة ثم يوترون بثلاث ويفصلون بين الشفع والوتر بسلام ثم صلّوا بعد ذلك ستّا وثلاثين ركعة غير الشفع والوتر وكل ذلك واسع و يسلّم من كل ركعتين و قالت عائشة رضي الله عنها: ما زاد رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان ولا في غيره على اثنتي عشرة ركعة بعدها الوتر.



الكلمات الشائعة

 

الأستاذ محمد صلاح الدين المستاوي

خريج جامعة الزيتونة كلية الشريعة قسم الفقه وأصول الفقه : الليسانس وشهادة الدراسات المعمقة في موضوع : شروح الموطأ باحث بجامعة أكسان برفانس مرسيليا فرنسا من 2001-2002 إلى 2008-2009

الكلمات الشائعة

العنوان

28 نهج جمال عبد الناصر –تونس
+216 71 43 21 33
+216 71 32 71 30

أحدث المقالات

2026-01-25

الاسلام: حقائق وأعلام ومعالم

موقع الشيخ محمد صلاح الدين المستاوي عضو المجلس الإسلامي بتونس وخريج جامعة الزيتونة (كلية الشريعة وأصول الدين) يتضمن تعريفا بالشيخ والده الحبيب المستاوي رحمه الله وهو احد علماء الزيتونة ودعاة الإسلام حيث سيجد المتصفح لهذا الموقع فقرات من أعماله.