من حكم الحج وأسراره وأسباب قبوله
الحديث عن الحج في بيان أحكامه وأسراره وعبره ومواعظه ودروسه لا يمكن الإتيان عليه في مقال أو مقالات ولا في كتاب أو كتب كما أن الخطب الجمعية والدروس والمحاضرات والندوات والمنابر لا يمكن أن يطمع القائمون بها في الإتيان على كلّ الأحكام والحكم غير أنّ ما لا يمكن الإتيان عليه بالتمام والكمال لا يجوز تركه كليا ولهذا سيظلّ القائمون بجهود التعليم والتوعية والتذكير والتبيين للأحكام والحكم يبذلون كل ما في مستطاعهم تبرئة للذمّة وقياما بالواجب وحسبهم وهم يجتهدون إن هم أصابوا المرمى والهدف أن ينالوا أجرين فإن لم يحالفهم الصواب فلن يعدموا الأجر الواحد كل ذلك طبعا مع خلوص النية والقصد لأنّ الله تبارك وتعالى (لا يقبل إلا ما كان طيبا) وخالصا لوجهه الكريم فالذين صحح الله لهم أبدانهم فتوفّرت فيهم الاستطاعة الجسمية التي هي يحجر الزاوية لتنفيذ الأمر الإلهي الوارد في قوله جل من قائل(ولله على الناس حجّ البيت من استطاع إليه سبيلا) آل عمران الآية ـ والذي يحدد هذه بالقدرة والاستطاعة الجسمية هم أهل الذّكر من الأطبّاء والمختصّين منهم بصفة أدقّ فهم أهل الذّكر الّذين أشار علينا المولى سبحانه وتعالى بسؤالهم فقال (فاسألوا أهل الذّكر إن كنتم لا تعلمون) الأنبياء آية فمن توفّرت فيهم الاستطاعة الجسمية البدنية لابد وأن يلتفتوا صوب الاستطاعة المالية المادية وهم أعرف من يسواهم بتوفّرها لديهم أو عدم توفّرها وعليهم أن ينظروا بمقاييس هذا العصر ومقتضياته في ما يتعلّق بالزّاد والراحلة زاد المسافر لأداء فريضة الحج بما يقتضيه من تكاليف سكن وتغذية وعلاج تحسبا لما يمكن أن يطر والرّاحلة من اقتطاع لتذكرة الطّائرة وتكاليف التنقل هناك بين مكة والمدينة يضاف إلى كل ذلك ما يتركه الحاج لأهله الذين تجب عليه نفقتهم وذلك مدّة غيابه عنهم في الحج كلّ هذه التقديرات ينبغي على الحاج أن يضعها في اعتباره وحسابه وهو يخطط للحج وهو أيضاً ينصت للخطاب الإلهي الوارد في الآية الكريمة (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا) آل عمران الآية وكذلك الحديث النبوي الشريف الذي يقول بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحجّ البيت من استطاع إلى سبيلا رواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وقد وردت أحاديث أخرى تلح في التعجيل بالحج من ذلك ما رواه ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلّى الله عليه وسلم قال من أراد الحج فليتعجّل وقد يروى هذا الحديث أبو داود وأحمد وزاد فإنه قد يمرض المريض وتضل الراحلة وتعرض الحاجة وفي التحذير من التباطؤ في آداء هذا الرّكن من أركان الإسلام بالنسبة للقادرين المستطيعين أحاديث أخرى تصل إلى درجة التبري من تارك الحج على أية ملة يموت. (الحج الفرض مرة واحدة في العمر). ومن رحمة الله تبارك وتعالى بأمة محمد صلّى الله عليه وسلم أن فرض الحج مرة واحدة في العمر وإلا لأصبح الامتثال للأمر الإلهي يكاد يكون مستحيلا إذا كان الأمر كل عام وذلك كما سأل أحد الصّحابة رسول الله صلّى الله عليه وسلم فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال (خطبنا رسول الله صلّى الله عليه وسلم فقال يا أيّها الناس قد فرض الله عليكم الحج فحجوا فقال رجل أكل عام يا رسول الله فسكت حتى قالها ثلاثا فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم ثم قال ذروني ما تركتكم فإنّما هلك من قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم فإذا أمرتكم بشيء فاتوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه) رواه مسلم والنسائي والترمذي. فالحج الواجب والفرض على المسلم القادر المستطيع هو مرة واحدة في العمر ولكي يكون هذا الحج مبرورا ولكي يخرج منه المؤمن من ذنوبه كيوم ولدته أمّه لابد أن يضاف إلى الاستطاعة البدنية والمالية تهيؤا واستعدادا نفسانيا روحانيا معنويا يقف فيه المسلم مع نفسه وقفة محاسبة وتأمل وتثبت أولا لتمحيص النية إذ هي أساس كل عمل كما ورد في الحديث الشريف إنّما الأعمال بالنيات وإنّما لكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه فالنية هي الأساس ولكي يكون الجزاء كاملا غير منقوص ولكي يتقبل الله من عبده عمله ويجازيه عنه الجزاء الأوفى والأوفر فلابدّ أن تكون النيّة خالصة لوجه الله فعند خلوص النيّة يتجاوز المولى سبحانه وتعالى عن كل ما يمكن أن يصاحب العمل الخالص من نقص أو سهو أو غفلة أو نسيان فقد ورد في الحديث الشريف أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال يبلغ المرء بنيته ما لا يبلغه بعمله والإنسان أدرى بنيته من غيره من الناس إذ أقصى ما يحكم به الناس على عمل الإنسان هو الصحة يأو عدم الصحّة بالاستناد إلى ما اكتسبوه وحصلوه بالتعلّم أما بواطن الأمور وخفاياها والمقصد منها فذلك ما لا يعلمه إلاّ الله سبحانه وتعالى كما أنّ القائم بالعمل يعلم من نفسه الصّدق والإخلاص أو عدمهما ولهذا ورد في الأثر استفت قلبك وإن أفتوك (إن الله طيب ولا يقبل طيبا) فما ينبغي أن يتوجّه إليه العازم على أداء خامس أركان الإسلام هو نيته من عمله الذي سيقوم به لابدّ أن يمحصها لوجه الله تبارك وتعالى وعليه أيضاً أن يعلم أنّ الله الذي يتوجّه إليه بأداء هذه الشعيرة لا يتعبد ولا يتقرب إليه إلا بما هو طيب يفقد ورد في الحديث الشريف أن الله طيب ولا يقبل إلا طيبا وقد حذر المولى سبحانه وتعالى عباده من الإنفاق في طاعته من الخبيث حيث قال جل من قائل ولا يتمموا الخبيث منه تنفقون والطيب هو الحلال والخبيث هو الحرام أو الذي فيه شبهة حرام لذلك ينبغي على قاصد بيت الله الحرام لأداء فريضة الحجّ أن تكون كلّ مصاريف حجه وتكاليفه من ماله الحلال يقينا أي لم يتأت من أيّ مصدر يمكن أن يتطرف إليه ريب أو شك والإسلام يعطي قيمة كبرى للحلال الطيب فيجعله خيرا وبركة وكفافا ويجعله سببا للصحّة والعافية ويجعله أيضاً سببا لكل خير عاجل وآجل ويجعله سببا لاستجابة الدعاء وفي هذا المعنى وردت عدّة أحاديث منها وصية رسول الله صلّى الله عليه وسلم لمن استوصاه وعبر له عن رغبته في أن يكون مستجاب الدعاء قال له رسول الله صلّى الله عليه وسلم أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة كما ذكر رسول الله صلّى الله عليه وسلم الرجل الأشعث الأغبر يطيل السفر ويرفع يديه إلى السماء قائلا يا رب يا رب قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم أنى يستجاب له ومأكله من حرام ومشربه من حرام وملبسه من حرام وقد غذي بالحرام. في الحج دعاء عريض ينبغي الحرص على تقبله وفي الحج سيدعو الحاج وسيتضرّع في كلّ المواضع والأماكن من لحظة إحرامه إلى لحظة تحلله من الإحرام: عندما يرى الكعبة ويعاينها وعندما يطوف بها وعندما يصلّي عند مقام إبراهيم وعندما يتعلق بأستار الكعبة وعندما يقبل الحجر الأسود وعندما يسعى بين الصفا والمروة وعندما يصعد إلى عرفات و(الحج عرفة) كما ورد في الحديث الشريف وعندما ينتظر التجلي الإلهي والمباهاة بأمة محمد في ذلك اليوم المشهود يوم التاسع من ذي الحجة يوم الحج الأكبر وعندما ينزل في مزدلفة وعندما يقصد منى لرمي الجمرات في أيام العيد وعندما يطوف طواف الإفاضة كل هذه مواطن ولحظات دعاء وضراعة وإلحاح في ذلك وهي كلّها تعرض للنفحات الربانية لأجل ذلك يجب على الحاج أن يضعها في اعتباره وهو يحصي أمواله ويجمعها وهو يفصلها عن بقية أمواله ليدفع بها مقابلا لما ينبغي عليه من مصاريف الحجّ المختلفة فإذا أراد أن يكون حجّه مبرورا وأن يكون ذنبه مغفورا وأن لا يرد له دعاء وأن يخرج من ذنوبه كيوم ولدته أمّه ينبغي عليه أن يجتهد في تحرّي المال الحلال الطيب الذي لا حرمة فيه ولا شبهة فيه ولا حق فيه لأحد من الناس سواء من باع لهم أو من اشترى منهم أو استخدمهم أو غيرهم من الأقارب والأباعد هذه العملية قليلا ما يقوم بها الحجيج وهي عملية ضرورية أساسية وتتأكد في حجة العمر التي لا يدري الإنسان أيستطيع بعدها أن يحج مرة أخرى أم لا، لابدّ إذن أن يتكرّر الإلحاح والتذكير للحجيج ولا بد لهم أن يسمعوا ذلك الحديث الشريف الذي أخبر فيه الرسول صلّى الله عليه وسلم أنّ الحاج بمجرّد أن يضع رجله في الغرز درج الطائرة اليوم أو أي مركوب آخر ويقول (لبيك اللهم لبيك) بمجرد أن يقول الحاج ذلك حتى ينادي مناد إن كان مال حجّه حلالا (لبيك وسعديك وحجك مقبول عليك) أمّا إذا كان مال الحج حراما أو فيه شبهة حرام فإنّ مناد ينادي مجيبا للحاج (لا لبيك ولا سعديك وحجك مردود عليك) وهل يريد واحد وهو يقدم على آداء هذا الفرض والقيام برحلة العمر بما فيها من بذل وتضحية ومغادرة للأهل والوطن أن يجاب (لا لبيك ولا سعديك وحجك مردود عليك) لا أظنّ أنّ أحدا يريد ذلك ولا أظنّ أنّ أحدا يريد أن يكون حجه مجرّد سفر ورحلة وسياحة وتسويق وبيع وشراء. (الحج المبرور ليس له ثواب إلا الجنة) فللسفر والرحلة والسياحة والتسوق والبيع والشّراء متّسع من عمر الإنسان ولا ينبغي أن يكون على حساب هذا الركن العظيم الشّأن من أركان الإسلام الذي وردت في بيان الأجر الذي أعده الله تبارك وتعالى للقائم به على أحسن الوجوه أحاديث عديدة منها قوله عليه الصلاة والسلام (الحج المبرور ليس له جزاء إلاّ الجنة) وقوله عليه الصلاة والسلام يوم عرفة فيما يرويه عن ربه (أنّ الله يقول يا ملائكتي هؤلاء عبادي أتوني من كل فج عميق شعثا غبرا ألا أشهدكم أني قد غفرت لهم) كما يقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم (حجوا فإنّ الحج يغسل الذنوب كما يغسل الماء الدرن) رواه الطبراني في الأوسط وروى أنس ابن مالك أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال (الحجاج والعمار وفد الله عز وجلّ يعطيهم ما سألوا ويستجيب لهم ما دعوا ويخلف عليهم ما أنفقوا الدرهم ألف درهم) رواه البيهقي. وروى جابر رضي الله عنه أن النبيّ صلّى الله عليه وسلم قال (إنّ هذا البيت دعامة من دعائم الإسلام فمن حج البيت أو اعتمر فهو ضامن على الله فإن مات أدخله الجنة وإن ردّه إلى أهله رده بأجر وغنيمة) رواه الطبراني في الأوسط فكلّ هذه الأحاديث وغيرها كثير مبشرة للمؤمن العازم على الحج بعظيم الأجر وجزيل الثواب منها غفران الذنوب ومحوها ودخول الجنة والتنعم برضوان الله تبارك وتعالى فكيف لا يجعله المسلم حجّه رحلة العمر التي لا تنسى؟ وكيف لا يتّخذها فيصلا بين ما مضى من عمره وما بقي؟ فيعزم في ما بقي له من عمر أن يلتزم طاعة الله تبارك وتعالى وتجنب كل ما يغضبه سبحانه وتعالى ذلك هو الحج المبرور الذي يعود به المؤمن بعزم شديد وإرادة قوية لا تقهر بأن يكون في كلّ ما يأتيه ويتركه مرضيا لربه سبحانه وتعالى والتصميم والعزم والإرادة كل ذلك يبدأ من وقت دخول الحاج في الحج عمليا بالإحرام والذي هو نية مصحوبة بالتجرّد من المحيط والمخيط ولا يخفى ما في ذلك من دروس وعبر منها التبري من الحول والطول وترك كل المظاهر والشكليات جانبا والإقبال على الله بالكلية وبإخلاص النية يساعد على تحقيق ذلك من الحاج كل أحواله وكل ما يحيط به من الناس فالجميع يرددون لبيك اللهم لبيك ويزيد هذه التلبية المقام وهو حرم الله الآمن بجوار البيت العتيق في الوادي غير ذي الزرع وتزيد الأيام المعلومات المعدودات أيام الحج يزيد كلّ ذلك الحاج قوة على نفسه الأمارة وقوة على الشيطان لكي يعصيهما بعد ذلك ولا يطيع لهما أمرا.