مع الحاج في آداء المناسك واستخلاص العبر والدروس
الحج إلى بيت الله الحرام من أعظم أركان الإسلام وهو عبادة بدنية ومالية ما ينال من يقوم بها على أحسن الوجوه وأتمها عظيم الأجر وجزيل الثواب وتتويجا لذلك يتلقى الحاج من ربه عهدا تشهد عليه الملائكة بغفران الذنوب ومحو السيآت حيث ورد في الحديث الشريف أن المولى سبحانه وتعالى يتجلى على حجيج بيت الله الحرام الواقفين على عرفات ويقول لملائكته (هؤلاء عبادي جاؤوا من كل فج عميق شعثا غبرا ألا أشهدكم أني قد غفرت لهم فيخرج الحجيج في ذلك اليوم المشهود من ذنوبهم وخطاياهم كيوم ولدتهم أمهاتهم)، فما أعظمها من جائزة يتوق إليها كل مؤمن صادق. غير أن من يتوق إلى مثل هذه الجائزة العظيمة يطلب منه أن يرتفع بحجه وأدائه لهذه الشعيرة إلى مستوى هذا الوعد الإلهي الذي لا يتأخر. وأول ما ينبغي أن يتهيأ له الحاج لنيل هذا الغنم إنما هو صدق النية وإخلاصها لله رب العالمين الذي لا يقبل من الأعمال إلا ما كان متمحضا لوجهه الكريم فهو أغنى الشركاء ويوم القيامة يقول المولى سبحانه وتعالى لمن ابتغى بعمل قام به غير وجه الله من سمعة ورياء وتفاخر: اذهب إلى من أشركته بي فليجازيك اليوم.. * فإذا ما عزم الحاج على أداء هذه الفريضة التي لا يكلف بها إلا من توفرت فيه الإستطاعتان الجسمية والمالية وذلك باعتبار إن هذا الركن من أركان الإسلام هو كما قلنا عبادة بدنية (مثل الصلاة والصيام) وعبادة مالية مثل الزكاة. وهذه الاستطاعة نص عليها القرآن الكريم في صريح قول الله تبارك وتعالى: (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا) آل عمران الآية 97، وبينها الرسول عليه الصلاة والسلام حين قال (بني الإسلام على خمس، شهادة أن لا اله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلا) فإذا عزم الحاج المستطيع على الحج وجب عليه أن يتحرى المال الذي به سيؤدي هذه الفريضة فلا بد أن يكون مالا طيبا حلالا لأن (الله طيب ولا يقبل إلا طيبا). وتحرّي المال الحلال هو في الحج أوكد من سواه فقد ورد الحديث الشريف أن الحاج من مال حلال إذا قال: لبيك اللهم لبيك قال له المولى سبحانه وتعالى: لبيك وسعديك وحجك مقبول عليك، أما إذا كان المال الذي سيحج به الحاج من الحرام أو فيه شبهة حرام فانه عندما يقول لبيك اللهم لبيك يقول له المولى سبحانه وتعالى: لا لبيك ولا سعديك وحج مردود عليك. * كما أن الحاج وهو يعزم على أداء هذه الفريضة ينبغي عليه أن يؤديها وكأنه يودع فالأعمار بيد الله وهو مغادر لأهله ووطنه تاركا لماله ولا يدري هل يعود أو لا يعود إذ (لا تدري نفس بأي ارض تموت) وليس هذا من قبيل التخويف وإنما يدخل في إطار صدق العزم على القطع مع كل ما يمكن أن يكون قد وقع فيه الحاج قبل الحج من تجاوزات ومظالم ومن المعلوم أن ما يغفر من الخطايا والذنوب بالحج وغيره من القربات والطاعات إنما هو ما يتعلق بما بين الله والعبد أما ما هو بين العباد فسبيل التخلص من تبعاته إنما يكون برد المظالم وإعطاء الحقوق لأصحابها فقد ورد في الحديث القدسي قول الله تبارك وتعالى (يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم حراما فلا تظالموا) والظلم ظلمات يوم القيامة وفي ذلك اليوم يقتص المولى سبحانه وتعالى من كل ظالم لمن ظلمه. * لأجل ذلك فإن الحاج مدعو إلى المسارعة قبل توجهه إلى بيت الله الحرام إلى أن يحاسب نفسه قبل أن يحاسب. وسبيل ذلك إنما يكون بإعطاء كل ذي حق حقه وطلب العفو والصفح عما يمكن أن يكون قد صدر عنه من تجاوزات سواء على المستوى المعنوي أو على المستوى المادي الذي يدخل فيه قضاء ديونه التي عليه إذ أن هذه الديون مقدمة على كل أوجه البر، فالمماطلة في دفعها إلى أصحابها الذين يستحقونها لا يسقطها بل أن تلك المماطلة متسببة لصاحبها في إحباط عمله وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم (لا يصلي على جنازة إلا بعد أن يسأل هل أن على صاحبها دينا لأحد من الناس؟ فإن كان عليه دين تأخر ولم يصل عليها). * كما أن الحاج مطلوب منه أن لا يركب الصعب أو يكلف نفسه وغيره بما لم يكلفه به الله سبحانه وتعالى أو يتسبب بالإقدام على الحج في إهمال من تجب عليه نفقتهم من أبناء صغار أو زوجة أو والدين عاجزين هما في كفالته. * ولاشك أن بلوغ هذه المرتبة من التجرد الكامل والإحرام الشامل تقتضي من الحاج صبرا ومصابرة ومكابدة ومجاهدة للنفس هواها وللشيطان اللعين الذي هو بالمرصاد لبني آدم في هذه الحياة الدنيا لا ييأس من إغواء المؤمن وإحباط عمله حتى في تلك المقامات المقدسة. * ومما يسهل على الحاج حسن الأدب والسلوك في البقاع المقدسة وطيلة أدائه لهذه الشعيرة وانصرافه إلى القيام بكل أوجه الطاعة والقربة إلى الله تبارك وتعالى وما أكثرها هناك وما أعظم وأجزل الثواب عليها. * فهي طواف بالبيت العتيق زاده الله تشريفا وتعظيما. * وهي استلام للحجر الأسعد يمين الله في أرضه. * وهي صلاة في مقام إبراهيم الخليل وحجر ابنه إسماعيل عليهما السلام. * وهي كرع من ماء زمزم، هذا الماء المبارك الذي جعله الله تبارك وتعالى محققا لما يبتغيه المؤمن من حاجات فقد ورد في الحديث الشريف (ماء زمزم لما شرب له). * وهي سعي بين الصفا والمروة واعتبار بما قاسته السيدة هاجر وابنها إسماعيل الرضيع من ويلات العطش والجوع وهما في الوادي غير ذي زرع عند بيت الله الحرام وكيف أن المولى سبحانه وتعالى فجر هذه العين المباركة إكراما لهما ولمن حج بيت الله الحرام مستجيبا لنداء إبراهيم الخليل الذي أمر بالآذان بالحج (وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتني من كل فج عميق) الحج الآية 27. * وفي الحج نفير عام لشهود يوم عرفات يوم التاسع من ذي الحجة من طرف حجيج بيت الله الحرام من كل بلاد الدنيا على اختلاف الأجناس والألوان واللغات والمراتب الاجتماعية، الجميع في ثياب الإحرام يحرصون على أن تغرب عليهم شمس يوم التاسع من ذي الحجة وهم في عرفات يدعون ويذكرون ويسبحون ويستغفرون لا يشغلهم عن ذلك شاغل طمعا في أن يكونوا ممن سيخرجون من ذنوبهم كيوم ولدتهم أمهاتهم ثم نزول إلى مزدلفة لجمع الحصيات وأداء صلاتي المغرب والعشاء ليكون لهم في يوم العيد موعد مع رمي الجمرة هناك حيث تل إبراهيم ابنه إسماعيل للجبين امتثالا لأمر ربه بعد أن روى لابنه ما رأى في المنام (يا بني إني أرى في المنام إني أذبحك) الصافات الآية 102 ورؤيا الأنبياء حق ووحي وكيف أن الابن إسماعيل أذعن لأمر ربه بكل جلد وصبر وفدائية وبر وطاعة (يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين) الصافات الآية 102 هنالك رأى إبراهيم الخليل الشيطان الرجيم يريد أن يثنيه عما عزم على فعله امتثالا لأمر ربه وحاول الشيطان أن يثني الأب الحنون إبراهيم عن ذبح ابنه إسماعيل مستعملا كل وسائل الإغواء ولكن هيهات فقد صدق العزم من الأب ومن الابن ولما علم المولى سبحانه وتعالى صدق هذا العزم فداه بكبش أصبح سنة في دين الإسلام. هنالك في هذا المكان بالذات دار ذلك الصراع بين الحق والباطل والخير والشر وانتصر الحق وزهق الباطل (إن الباطل كان زهوقا) اعتبارا بهذا المشهد الخالد واستحضارا لهذه المعاني يندفع الحاج لرمي الجمرات يوم العيد وما يليه من أيام مقتديا بنبي الله إبراهيم سائرا على منهجه مؤثرا رضا الله مغضبا للشيطان ومخالفا لكل أوامره وما يغري به أو يدفع إليه المسلم في هذه الحياة عازما على أن يكون من ذلك اليوم مطيعا للرحمان مخالفا للشيطان.