متى يزول الاختلاف الذي لازم ممارسة المسلمين لشعيرة الصيام؟!
الشعائر وهي قسم من العبادات في الإسلام يمكن للمسلم أن يمارسه كالصلاة (الصلوات الخمس والنوافل) أو الزكاة بمفرده لا يؤديها معه في نفس الوقت غيره. وهناك شعائر أخرى الجانب الجماعي فيها بارز وحاضر كما هو الأمر بالنسبة للحج الذي لا يؤدى إلا في أيام معلومات وفي مكان مخصوص هو مكة والمشاعر (عرفة، مزدلفة، ومنى) وكذلك الصيام. ففي شهر رمضان من كل عام يدخل المسلمون في ديار الإسلام وخارجها في أداء هذه الشعيرة التي كتبها الله على المسلمين، كما كتبها على الذين من قبلهم ليتزودوا منها بخير زاد ويتدربوا بها على الصبر والتحكم في النفس بمجاهدتها والانتقال بها من النفس الأمارة إلى النفس المطمئنة وتزكيتها وتطهيرها وفي سبيل أن يرتفع المسلم بهذه الشعيرة إلى المطلوب بحيث تكون المجازاة عليها من الله الذي هو وحده من يعلم قيمتها (كلّ عمل ابن له إلا الصوم فهو لي وأنا اجزي به) وجب حينئذ على المسلم أن يجتنب في هذا الشهر كل ما يمكن أن يفسد عبادته وحذرت من ذلك الأحاديث النبوية التي لا يتسع المجال لمجرد استعراضها فضلا عن شرحها وتبيينها. * ومن المظاهر التي لازمت استقبال المسلمين لشهر رمضان هذا الاختلاف في ثبوت الشهر وبداية دخوله وخروجه، وما يصاحب هذا الاختلاف من تنغيص يؤثر إن لم يكن بالكثير فبالقليل على صفو الصائم واجتهاده في التسامي الروحي الذي توفره أجواء هذا الشهر، التي يكون فيها الصائم أشبه ما يكون بالملائكة (في تركه الطعام والشراب). * إن الاختلاف في بداية شهر الصيام ونهايته رأيناه في سنوات مضت بل وعشناه في الأسرة الواحدة والحي الواحد والمدينة الواحدة والبلد الواحد، عندما كان يكتفي بالحساب فقط في ضبط أوائل الأشهر القمرية وكادت بذلك هذه العبادة التي فيها من مظاهر التوحيد والتوحد العديد من الجوانب (بداية الصيام (الإمساك) والانتهاء منه كل يوم بحلول وقت الإفطار (عند غروب الشمس) كادت هذه الشعيرة في بلادنا أن تفقد كليا هذا المعنى لتصبح موعدا للتنازع والاختلاف الذي يصل إلى حد اللمز والهمز مما يتعارض كليا مع معاني الصفاء والمحبة والتراحم والمؤاساة، وعادت والحمد لله هذه الشعيرة إلى سابق إشراقها وتأثيرها الايجابي في أنفس وسلوكيات القائمين بها عندما تمت العودة إلى العمل بالرؤية مع الاستئناس بالحساب. فلم يبق بعد ذلك أدنى مبرر لتقليد رؤية بلد آخر والعمل بمقتضاها طالما أن الطرق والوسائل المعتمدة تكاد لا تختلف. وإذا كان إشكال الاختلاف في ضبط بداية الصيام ونهايته محسوما على مستوى كل بلد فإن هذا الاختلاف لا يزال يعيشه المسلمون الذين يقيمون خارج البلدان الإسلامية هناك في أوروبا وآسيا وأمريكا، ففي فرنسا مثلا التي يعيش فوق ترابها ما يزيد على ستة ملايين مسلم بين فرنسي بالأصل أو بالجنسية ومقيم بالعمل أو الدراسة أو الاجتماع العائلي أو السائح، يعيش المسلمون في فرنسا من خلال مساجدهم ومن خلال جمعياتهم ومنظماتهم ومن خلال سفاراتهم مشكلة فيقلد البعض منهم بلدانهم وهي الأقرب بالنسبة لأغلبهم. وهذا هو الأقرب للصواب أي الذي يوافق ما يحكم به العقل والواقع ويقرّ عليه الشرع، في حين يقلد عدد كبير من هؤلاء المقيمين بفرنسا بلدانا بعيدة جدا تقع في الشرق الأوسط في ربط منهم غير مبرر بين أداء شعيرة الصيام وشعيرة أخرى هي الحج التي لا تؤدى إلا في بلد بعينه هناك بجوار بيت الله الحرام بمكة المكرمة. وإذا كان في سالف الأزمان هناك ما يبرر هذا الاختلاف في بداية شهر رمضان ونهايته عندما كانت وسائل الاتصال والنقل بدائية بحيث لا يصل الخبر ولا يصل المسافر الراجل أو الراكب إلا بعد مضي الأيام من بلد إلى آخر فإننا في هذا العصر أصبحنا نعيش في كل الكرة الأرضية في أشبه ما يكون بالقرية الواحدة والحي الواحد وصدى أي حديث يحدث يبلغ في حينه من أدنى المعمورة إلى أقصاها. فإذا ما أضيف إلى ذلك عامل آخر وهو عامل جغرافي وهو أن الغالبية العظمى من المسلمين يتركز وجودهم في بلدان تشترك في اليوم والليلة: فليلهم واحد ونهارهم واحد، وثبوت دخول الشهر في بلاد واحدة يمكن تعميم العلم به في أسرع وقت إلى بقية البلدان الإسلامية والبلدان الأخرى القريبة منها والتي يوجد فيها مسلمون (أوروبا كلها) فعند ذلك لا يبقى أدنى مبرر لعدم التنسيق بين كل البلدان الإسلامية في الإعلان عن بداية شهر رمضان ونهايته. ولدى الدول الإسلامية أكثر من هيئة تشترك في عضويتها والتي أبرزها منظمة المؤتمر الإسلامي ومجمع الفقه الإسلامي وغيرهما فإذا لم تقم هذه الهيئات بهذه المهمة ذات الأثر الكبير في جمع الكلمة وتوحيد الجهود فمن سيقوم بها غيرها؟ * فاختلاف المطالع لا عبرة لدى جمهور الفقهاء (المالكية والحنابلة والأحناف...) والأمر في الحديث المعتمد عليه والمستدل به في الأخذ بالرؤية موجه إلى الأمة في عمومها (صوموا لرؤيته وافطروا لرؤيته) أخرجه البخاري ومسلم، نعم هنالك من قال من الفقهاء (الشافعية) باختلاف المطالع بحيث انه لأهل كل بلد رؤيتهم، ولا تلزمهم رؤية غيرهم ولهم دليلهم ولكن حجة الجمهور أقوى وهي التي تنسجم مع قصد الشارع من جمع لكلمة المسلمين وجعلهم متحدين كلما أمكن ذلك لما في ذلك من تحقيق لمعنى الأمة الواحدة (وأن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون) الأمة التي شبهها رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجسد الواحد وبالبنيان المرصوص، وإذا كان رأي القائلين باعتبار اختلاف المطالع كان له ما يبرره في ما مضى من العهود والأزمان، فإننا اليوم وكل ما حولنا ومن حولنا وما استجد في ميادين العلوم والمعرفة يدفع إلى التوحد لذلك فنحن اليوم أحوج ما نكون وألزم ما نكون للأخذ في هذه المسألة وفي كل ما يشبهها برأي الجمهور المؤيد لتوحيد الرؤية (صوموا لرؤيته وافطروا لرؤيته)، خصوصا وقد زالت الأمية عن الأمة (نحن أمة أميّة لا نقرا، ولا نحسب صوموا لرؤيته وافطروا لرؤيته فان غمّ عليكم فأتموا الثلاثين) وتطور المراصد وإطلاق الأقمار الصناعية التي لا يحجب ما ترصده غيوم ولا سحاب أصبح في المتناول وواقعا يستفاد منه في كل المجالات والميادين (مناخا وبيئة ورصدا للتقلبات والزلازل والأعاصير...) ثم إن ارتفاع نسب التلوث بما صحبها من غيوم وغبار وسحب سوداء يجعل الرؤية المجردة التي تمسك بها البعض في يوم ما ورفضوا كل استعانة بالمكبرات والمراصد أصبحت هذه الرؤية المجردة أمرا صعبا جدا أو يكاد يكون مستحيلا فضلا عن أن رصد الهلال يستدعي دقة وخبرة وأمانة قلّ أن تتوفر إلا في القليل القليل جدا من الناس. ومن هنا فإن فكرة إطلاق قمر صناعي لرصد هلال رمضان وبقية المواسم الدينية (عيد الأضحى وعرفة وعيد الفطر) أصبحت اليوم تجد الترحيب الشديد وقد صدرت بشأنها توصيات لمؤتمرات وندوات عقدت في الغرض وتقرر بناء مرصد كبير في مكة المكرمة باعتبارها قلب العالم الإسلامي وقبلة المسلمين وضعت له التصاميم ورصدت له الأموال ولكن حالت دون انجازه نظرات ضيقة تمسكت بأقوال لبعض المذاهب تعتبر الرؤية للهلال بصرية مجردة أو لا تكون!!