ما ينبغي على المسلم نحو أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم
أورد الشيخ يوسف النبهاني في كتابه “الأساليب البديعة في فضل الصحابة” نصوصا محققة وأدلة شرعية من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم تبين ما ينبغي على المسلم نحو أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وما يجدر التذكير به ونشره بين الناس ليتمسكوا به وليهتدوا به وليتجنبوا الانحراف عن الصراط المستقيم وعن العقيدة الصحيحة السليمة. ذلك انه إذا انحرفت العقيدة وإذا حاد صاحبها عن الطريق القويم فلن ينفعهم ما يأتونه من القربات والطاعات. أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في القرآن الكريم قال الله تعالى(كنتم خير امة أخرجت للناس) وقال تعالى (وكذلك جعلناكم أمة وسكا لتكونوا شهداء على الناس) وقال تعالى (يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم) وقال تعالى (لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة) وقال تعالى (والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه) وقال تعالى (يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين)وقال تعالى (للفقراء المهاجرين الذين خرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون والذين جاؤوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا انك رؤوف رحيم) وقال تعالى (محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوهم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع اخرج شطأه فأزره فاستغلظ فاستوى على عوده يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما). فهذه الآيات وغيرها كثير تنطبق على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ففيهم نزلت وإياهم تعني، إنها تزكيهم وتشهد بعدالتهم ورفعة منزلتهم وعلو قدرهم عند ربهم، فهو سبحانه وتعالى من اختارهم ليكونوا أصحابا لرسوله الكريم عليه الصلاة والسلام وهو الذي تولاهم بالتربية والتكوين والتوجيه والإرشاد وهو من صاغهم صياغة جديدة بعد أن كانوا في جاهلية جهلاء. إنهم كتب سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم التي تمشي على الأرجل وهم الإسلام المجسم في حيز الواقع فهذه الآيات على عمومها وخصوصها والبعض منها يصرح بتزكية صحابي بعينه لا تنطبق إلا عليه كما هو الحال بالنسبة لسيدنا أبي بكر رضي الله عنه في قول الله جل من قائل (ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا) والبعض الآخر فيمن صور الله تبارك وتعالى صنيعهم الحسن (ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة) فقد نزلت في الإمام علي كرم الله وجهه كما نزل من القرآن الكريم ما برأ من أتهم بالباطل كما هو الحال بالنسبة لأم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها (وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم) ونزل القرآن مبشرا بتوبة البعض الآخر وعلى الثلاثة الذين خلفوا) ونزل في ابن أم مكتوم عتاب من الله لنبيه ورسوله عليه الصلاة والسلام (عبس وتولى أن جاءه الأعمى) ونزل في زيد (وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه) ونزل فيمن جاءت إلى رسول الله تشتكي إليه زوجها (لقد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها) وغير ذلك كثير وكثير جدا من آيات الكتاب العزيز التي نزل الكثير منها مرتبطا بأسباب هي مناسبات تشمل من نزلت فيهم فشرفتهم وتشرفوا بها وتعم سواهم من المؤمنين إذ العبرة بعموم اللفظ. فالقرآن الكريم هو خير شهادة في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو أصدق سيرة لهم. خلد ذكرهم ورفع شانهم وجعلهم أسوة وقدوة لمن يأتي بعدهم في طاعة الله وطاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم وحبه والاستعداد لفدائه بالغالي والنفيس، انه حب وتعلق لا يوصفان ولا يمكن لأحد أن يطمع في مجاراته وبلوغ مرتبته. فدرجة الصحبة لا يمكن أن يصل إليها عالم بعلمه ولا متعبد بعبادته إنها اختصاص وتشريف وتفضيل من اجل رسول الله صلى الله عليه وسلم. أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في أحاديثه وسننه وفي سبيل أن تحفظ الأمة لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مقامهم فلا تنطق ألسنتهم بالنيل منهم واستنقاصهم ورد الهدي المحمدي مبينا للأمة حقوق أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على الأمة وواجبها نحوهم رضي الله عنهم من ذلك قوله عليه الصلاة والسلام (لا تسبوا أصحابي فلو أن أحدا انفق مثل أحد ما بلغ مد احدهم ولا نصفيه) ورد في الصحيحين. وروى الدارمي وابن عدي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم) وقال عليه الصلاة والسلام (خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم) وقال صلى الله عليه وسلم (من أحب الله أحب القرآن ومن أحب القرآن أحبني ومن أحبني أحب أصحابي وقرابتي) رواه الدليمي. وقال (يا أيها الناس احفظوني في أحبائي وأصهاري وأصحابي لا يطالبنكم الله بمظلمة أحد منهم فإنها ليست مما يوهب) رواه الخلعي. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (الله الله في أصحابي لا تتخذوهم غرضا بعدي ومن أحبهم فقد أحبني ومن أبغضهم فقد أبغضني ومن آذاهم فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله ومن آذى الله يوشك أن يأخذه) وقال (إذا ذكر أصحابي فامسكوا). هذه بعض الأحاديث في فضيلة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وتحذيره من النيل منهم والأذى لهم وهي أحاديث عامة. وكثيرة هي الأحاديث الأخرى التي وردت في بيان فضيلة بعض الصحابة من أمثال أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وأمهات المؤمنين خديجة وعائشة وفي فاطمة وفي الحسن والحسين. وفي أبي ذر وفي سلمان وفي انس بن مالك وفي ابن عباس وفي حذيفة وفي أسامة وفي عمار وياسر وفي أم عمار وفي أسماء وفي وفي مما هو كثير جدا ورد في أشخاص أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم من الله الرضوان، لا نطمع بأن نحيط بذكر محامدهم وأفضالهم واحدا واحدا، فذلك صعب جدا لقد حلف الزمان أن لا يأتي بمثيلهم وهو بار غير حانث في يمينه فإن كل واحد منهم رضوان الله عليهم يمثل قمة من قمم الفضل والمجد والسمو والرفعة ومكارم الأخلاق، لقد باهى الله بهم ملائكته واعتز بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم شديد الاعتزاز وبشرهم بما أعده الله لهم من نعيم مقيم جزاء تصديقهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم وصدقهم معه في إيمانهم. بشر عليه الصلاة والسلام الكثير منهم بالجنة فقال (لكأن الله اطلع على أهل بدر فقال افعلوا ما شئتم قد غفرت لكم) وتلا عليهم قول ربهم بعد أن بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة (لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة). موقف المسلم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إن المسلم وهو يقرا سيرتهم العطرة وشمائلهم النورانية الربانية التي هي انعكاس لسيرة وشمائل حبيبهم وقرة أعينهم سيدنا وحبيبنا محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام. من يقرأ سيرته وسيرتهم لا يملك إلا أن يسجل آيات الإعجاب والتقدير ولا يملك إلا أن يرفعهم إلى المنزلة التي رفعهم الله إليها وارتفعوا هم إليها فهم في أعلى عليين في الدنيا والآخرة إن المؤمن الصادق المحب لله ولرسوله الكريم عليه الصلاة والسلام لا يملك إلا أن يجعل قلبه يطفح بحبهم الشديد الحب الذي هو لله وفي الله، ويستحيل على المؤمن الصادق المخلص أن يضمر قلبه أو ينطق لسانه بما يغضب الله ورسول الله صلى الله عليه وسلم مما فيه نيل أو استنقاص أو حتى انحياز فيه تجريح لأحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فما وقع بينهم نفوض فيه الأمر لله وننزه ألسنتنا ونصونها عن أن تنال من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أو تستنقصهم أو تنسب إليهم منكرا من القول أو الفعل، تلك هي العقيدة السليمة الصحيحة التي على المؤمن أن يحرص على أن يلاقي الله عليها. نذكر بذلك ونلح عليه حتى -لا قدر الله- لا نهلك من حيث لا نحتسب عندما لا نقدر لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حق الصحبة وما أدراك ما حق الصحبة! ذلك هو ما مضت عليه الأمة والسلف الصالح وذلك هو ما قرره العلماء الأعلام الذين اجمعوا على إجلال وتعظيم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وبدون استثناء فلا يوجد من لا نرضى عليه من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، رضي الله عنهم جميعا وأرضاهم ونتبع في تفضيلهم ما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم نحفظه لهم وننشره بين الناس حتى يعرفوا أقدار أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ففي ذلك أدب رفيع مع الله ومع رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي ذلك سلوك للمنهج القويم وتخلق بالخلق الرضي، وفي ذلك تسليم بأهمية ما قام به رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو علامة على نجاحه وهو نجاح لم يصل إلى درجته ومستواه احد قبله ولا بعده. أقوال العلماء في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الإمام الطحاوي (ونحب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا نفرط في حب احد منهم ولا نتبرأ من أحد منهم ونبغض من يبغضهم وبغير الحق يذكرهم ولا نذكرهم إلا بالجميل وحبهم دين وإيمان وإحسان وبغضهم كفر ونفاق وطغيان). وقال الإمام الغزالي (عقيدة أهل السنة: اعلم أن للناس في الصحابة والخلفاء إسرافا في أطراف ضمن مبالغ في الثناء حتى يدعي للأئمة ومتهم متهجم على الطعن طلق اللسان بذم الصحابة فلا تكونن من الفريقين واسلك طريق الاقتصاد في الاعتقاد واعلم أن كتاب الله مشتمل على الثناء على المهاجرين والأنصار وتواترت الأخبار بتزكية النبي صلى الله عليه وسلم إياهم بألفاظ مختلفة كقوله (أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم) وكقوله (خير الناس قرنى ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم) وما من واحد إلا ورد عليه ثناء خاص في حقه يطول نقله فينبغي أن نستصحب هذا الاعتقاد في حقهم لا نسيء الظن بهم وما يحكى عن أحوال تخالف مقتضى حسن الظن فأكثر ما ينقل مخترع وما ثبت نقله فالتأويل متطرق إليه ولم يجر ما لا يتسع العقل لتجويز الخطأ والسهو فيه وحمل أفعالهم على قصد الخير وان لم يصيبوه. وقال الشيخ عبد القادر الجيلاني (ويعتقد أهل السنة أن امة محمد عليه الصلاة والسلام خير الأمم أجمعين وأفضلهم أهل القرن الذين شاهدوه وآمنوا به وصدقوه وبايعوه وتابعوه وقاتلوا بين يديه وفدوه بأنفسهم وأموالهم وعززوه ونصروه...) وقال الإمام النووي (أصحابنا مجمعون على أن أفضلهم الخلفاء الأربعة على الترتيب المذكور ثم تمام العشرة ثم أهل بدر ثم أحد ثم بيعة الرضوان وممن له مزية أهل العقبتين من الأنصار وكذلك السابقون الأولون...) وقال ابن تيمية (من أصول أهل السنة والجماعة سلامة قلوبهم وألسنتهم لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم كما وصفهم الله في قوله (والذين جاؤوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا انك رؤوف رحيم) وطاعة النبي صلى الله عليه وسلم في قوله لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم انفق مثل أحد ذهبا ما بلغ مد احدهم ولا نصيفه ويقبلون ما جاء به الكتاب والسنة أو الإجماع من فضائلهم ومراتبهم فيفضلون من انفق قبل الفتح وقاتل وهو صلح الحديبية على من انفق بعده وقاتل ويقدمون المهاجرين على الأنصار ويؤمنون بأن الله قال لأهل بدر وكانوا ثلاثمائة وبضعة عشر "اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم وانه لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة كما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم بل قد رضي الله عنهم ورضوا عنه وكانوا أكثر من ألف وأربعمائة ويشهدون بالجنة لمن شهد له النبي صلى الله عليه وسلم كالعشرة..). تلك أيها القارئ نقول من آيات الكتاب العزيز وأحاديث الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام وأقوال العلماء الأعلام فيما ينبغي علينا نحو أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من إجلال وتعظيم وتقدير ورفع للشأن كيف لا والله وهو الذي اصطفاهم واجتباهم وهداهم ووفقهم وسدد خطاهم واختارهم ليكونوا أصحابا لرسوله عليه الصلاة والسلام فكانوا المجسم لهديه عليه الصلاة والسلام وكانوا الآية والبرهان على نجاحه وتحقيقه عليه الصلاة والسلام لكل ما كلفه به ربه كي يبلغه لعباده فكان هؤلاء الأصحاب الكرام النماذج العملية للإسلام مجسما في حيز الواقع ليس في ما نقول أدنى مبالغة فذلك هو عين الحقيقة والواقع نتعبد بها الله ونتواصى بها ونعض عليها بالنواجذ فهي من صميم الدين ومن صميم العقيدة نذكر بها عملا بقوله جل من قائل “وذكر فان الذكرى تنفع المؤمنين” ونقوم بواجب النصح النصيحة لله ولكتابه ولرسوله ولائمة المسلمين وعامته" وندعو إلى هذا السبيل بالحكمة والموعظة الحسنة ونحذر من يمكن أن يقع في منزلق النيل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم رضوان الله ونعلمهم مما علمنا لتبرا ذمتنا ونكون قد بلغنا والله وحده نعلمهم مما علمنا لتبرأ ذمتنا وكنون قد بلغنا والله وحده الهادي إلى سواء السبيل فنعم المولى ونعم النصير.