قراءة في مقدمة (قصة المولد)
تعود المسلمون على امتداد البلاد الإسلامية وحتى خارج ديار الإسلام أن يحتفلوا بذكرى مولد سيد الكائنات سيدنا محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام. وتبدأ هذه الاحتفالات منذ إن يهل شهر ربيع الأول ويبلغ الاحتفال أوجه ليلة الثاني عشر ويومها وتمتد هذه الاحتفالات في بعض الزوايا والمقامات إلى يوم السابع للمولد والى نهاية شهر ربيع الأول وليس ذلك بالكثير ولا من قبيل المبالغة في حق من أرسله الله سبحانه وتعالى رحمه للعالمين وجعله بالمؤمنين رؤوفا رحيما صلى الله عليه وسلم. وتتنوع مظاهر هذه الاحتفالات: فهي أختام للقرآن الكريم وسرد لكتاب الشفا للقاضي عياض وشمائل الترمذي وإنشاد الأمداح النبوية وفي طليعتها قصائد البوصيري المشهورة في مدح خير البرية (الهمزية والبردة والمضرية والمحمدية) وغيرها مما نظم على منوالها وفاء لحقوق المصطفى صلى الله عليه وسلم وتشتمل هذه الاحتفالات على قراءة قصة المولد المحمدي. وقد تنافس العلماء قديما وحديثا في صياغة قصة المولد النبوي واشتهر البعض منها وانتشر بين الناس وحفظت عن ظهر قلب من طرف الخاصة والعامة. فقد صاغها أصحابها بأسلوب رفيع ورائق وضمنوها ما يناسبها من آيات الكتاب العزيز وشمائل الرسول الكريم كما وردت في كتب السنة والسيرة وجملوها بأروع ما قاله الشعراء في مدح المصطفى صلى الله عليه وسلم ومن أشهر قصص المولد النبوي (مولد البرزنجي ومولد البرعي ومولد ابن الجوزي ومولد المناوي ومولد ابن حجر) وغيرهم من العلماء الذي عدوا تدوين قصة مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم مما يتقرب به إلى الله فهو نشر "لهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وتعريف للناس بصفات خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلقه الكريم القويم، عليه الصلاة والسلام عدوا فعل ذلك دينا يتقرب بسماعه وترسمه والاهتداء به إلى الله سبحانه وتعالى. ولا يزال النسج على منوال الأسلاف في كتابه قصة المولد مبتغى العلماء الأعلام يحرصون على أن يتركوه بعدهم أثرا تلحق لهم به الحسنات التي يجدونها في صحائف أعمالهم يوم الوقوف بين يدي الله. وممن كتب قصة المولد وصاغها صياغة العالم النحرير سماحة الإمام فضيلة الشيخ الطاهر ابن عاشور رحمه الله وقد أصدرت له هذا الكتاب الدار التونسية للنشر ضمن مجموع لطيف اشتمل على: قصة المولد وبحث مستفيض لفضيلة المنعم الشيخ محمد الفاضل ابن عاشور رحمه الله بعنوان كشف الذعرات بوصف الشعرات، وبحث آخر في التعريف بالصحابي أبي زمعة البلوي رضي الله عنه دفين القيروان ووصف الشعر الشريف، ودفن الشعرات النبوية مع سيدنا أبي زمعة رضي الله عنه وبركة مقام أبي زمعة وتضمن الكتاب صورا جميلة للآثار النبوية: سيف النبي صلى الله عليه وسلم والبردة النبوية وخاتم النبي وسن النبي واثر القدم النبي والحقت بهذا الكتاب القصائد البوصيرية في مدح خير البرية (الهمزية، البردة، المضرية، المحمدية) انه بحق مجموع لطيف ومفيد. وعودة إلى قصة المولد لسماحة الشيخ الإمام محمد الطاهر ابن عاشور رحمه الله نورد للقراء بعض ما جاء فيها تعميما للفائدة ولفتا للانتباه إليها يقول سماحة الشيخ الإمام (أما بعد فهذه سحابة أظلت بذكر الفضائل المحمدية فبث رشاشها، وزجاجة ملئت من عطر الأخلاق النبوية فيها لنفوس السامعين انتعاشها لو وزنت بأغلى الدرر واليواقيت لما غلت سوما على السامع فلقال هات أو هيت وكيف لا وان ملاها لمن زلال شرف الرسول وانبثاق لوامع برقها يشام منها خير غيث هطول أثرت فيها جمع لمع كافية للذين تعلقت قلوبهم بمحبته وأخبار غير واهية الأساس من مختار عيون سيرته إذ كان الله قد أغنى هذه الأمة عن التشبث بما ليس بمحجة الثبوت ولقنها إن تربأ عنها بإشارة قوله: (وان اوهن البيوت) فكذلك ينبغي أن يكون المسلمون فيما يبيتون من شؤونهم وأوضاعهم وعلى ذلك الخلق حق تخلق علمائهم وأشياعهم فان هذا الدين ثري بما أمده الله من صحيح كثير عن أن يلفق له شاعب كل منثلم أو كسير فلا يحق لحملته أن يشوبوه بما يكدر منه صفو صفاته وان لا ينسوا ما خصت به هذه الأمة من صحة بلوغ الدين ورواياته. فعلى ذلك النير قد سديت محكم هذا النسيج وكذلك تفرعت أفنان هذه الشجرة الطيبة على ما اتفق عنه ذلك الوشيج دعاني إليه الائتساء بأفاضل الأمة الذين ألهمهم الله صرف الهمة إلى العناية بتعظيم اليوم الذي يوافق من كل عام يوم ميلاد محمد رسوله عليه الصلاة والسلام إذ كانوا قد عدوه عيدا ورموا برشيق نبل عقولهم بذلك مرمى بعيدا علمناه من قوله تعالى في التنويه بشهر رمضان (شهر رمضان الذي انزل فيه القرآن) فأي يوم اسعد من يوم اظهر الله فيه للعالم مولودا كان المنقذ من الضلالة اخرج به الناس من ظلمات الشرك ومناقص الجهالة وإذا كانت الأعياد الثابتة في الدين قد جاءت على مناسبة الفراغ من عبادات مشروعة فذكرى الواسطة العظمي في تبليغ ذلك يحق أن تكون مشيدة مرفوعة...) الصفحة9 أول من سن الاحتفال بالمولد في تونس ويمضي سماحة الشيخ الإمام في تحقيق القول في أول من سن الاحتفال بذكرى المولد النبوي فيقول (وأول من علمته صرف همته إلى الاحتفال باليوم الموافق يوم مولد الرسول صلى الله عليه وسلم فيما حكاه ابن مرزوق هو القاضي احمد محمد العزفي السبتي المالكي في أواسط القرن السادس وأوائل السابع واستحسنه جمهور مشيخة المغرب ووصفوه بالمسلك الحسن) ويأتي رحمه الله بالتحقيق الدقيق والموثق من أقوال العلماء المحققين وفتاواهم المبيحة لإحياء ذكرى المولد قال أبو القاسم البرزلي : ميلاد النبي صلى الله عليه وسلم موسم يعتنى به في الحواضر تعظيما له صلى الله عليه وسلم. وكان شأن أهل الخير إحياء ليلة المولد بالصلاة على النبيء صلى الله عليه وسلم، ومعونة آله ومساهمتهم والإكثار من الصدقات وأعمال البر، وإغاثة الملهوف، مع ما تستجلبه المسرة من مباح اللهو المرخص في مثله بنص السنة. وشاع ذلك في بلاد المغرب والأندلس ولما رحل العلامة أبو الخطاب عمر المعروف بابن دحية البلنسي المالكي رحلته الشهيرة إلى الشرق أول القرن السابع، واتصل بالملك الجليل مظفر الدين أبي سعيد كوكبوري ابن زين الدين كوجك على صاحب إربل حسن الشيخ للملك التسنن بهذا السنن فرغبت همته في الاتسام بميسم أفاضل الزمن، لذلك أقام في سنة ست وستمائة حفلا عظيما، وأنشأ له ابن دحية كتابا سماه التنوير بمولد السراج المنير، ليقرأ في ذلك اليوم، وجعل يعيد قراءته كل عام، تارة في اليوم الثامن، وتارة في اليوم الثاني عشر من ربيع الأول. فهو أول الملوك نظم هذا الاحتفال في سلك رسوم دولته. ويعرف بمن اعتنى بهذه الذكرى من الملوك والحكام في المغرب الأقصى والأوسط والأدنى فيقول (وأول من سلك هذا المسلك من ملوك المغرب السلطان أبو عنان المريني ونحا ذلك النحو السلطان الجليل أبو فارس عبد العزيز بن احمد الحفصي سلطان تونس وعين لذلك ليلة اثنتي عشرة من ربيع الأول فكم أغدق في تلك الليالي من خيرات وأجرى من عوائد وصلات ثم لحقت بهذه الايالة شدائد ومحن وانطوى من بهجة الدولة الحفصية ذلك البساط الحسن فلم يبق من تلك الرسوم إلا ما ينبعث عن أريحية أهل الطريق أو أصحاب العلوم حتى قيض الله لتجديد ما رث منها وتلقيم ما ذوى من شجرتها وتفرع عنها الأمير السامي الهمة الرامي إلى معالي الأمور عن قوس أراش سهمه الفائز بتعظيم قدر المصطفى المشير الأول احمد باشا ابن مصطفى نور الله مقر روحه بنور ماله انطفاء فأمر بإقامة حفلات ليلة المولد ويومه بحاضرة تونس ومدينة القيروان وأجرى لذلك من النفقات ما فيه وفاء بالإحسان وأمر بإطلاق المدافع الحربية من القلاع بنية التسليم على أفضل الرسل على صفة أعظم تحية للملوك في اصطلاح الدول وكتب له العلامة شيخ الإسلام أبو إسحاق إبراهيم الرياحي في ذكر المولد مختصرا من مولد المقدس الشيخ مصطفى الكبري المصري وجاء من بعده الأمير الجليل الخائض غمرات العلا يعزم صارم صقيل والذي كان لأعمال ابن عمه خير ناسق المشير الثالث محمد الصادق فأمر بتعميم الاحتفال بالمولد في جميع مدن الايالة وأجرى لها من مال الدولة عطايا فيها كفاية وفضالة فهي إلى اليوم صدقة جارية من منبع عين الحكومة مخلدة بها مآثر في المحاسن له معلومة وتركها سنة باقية فيمن بعده فتلاحقوا في الوفاء بحقها وشدوا عقده. وكم من لطف خفي حف بهذه البلاد لعله من بركات هذا الاعتناء قال ابن الجوزي: مما جرب من بركة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الاحتفال يوم مولده أمان في ذلك العام وبشرى لمن فعله بنيل المرام) انظر الصفحة 12 من قصة المولد. ثم استرسل الشيخ في استعراض نسب رسول الله صلى الله عليه وسلم وطهارة النسب الشريف ومولده صلى الله عليه وسلم ونشأته صلى الله عليه وسلم وبعثته صلى الله عليه وسلم ثم الهجرة وظهور الإسلام في المدينة والغزوات وشأن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبناؤه وشمائله صلى الله عليه وسلم وأخلاقه وأسمائه الشريفة صلى الله عليه وسلم تحت كل تلك العناوين تأتي سماحة الشيخ بما هو معروف به من تحقيق وتدقيق يشفي الغليل ويغني القارئ والسامع عن الرجوع إلى غيره جازاه الله خيرا ويختم سماحته قصة المولد بالدعاء قائلا (نسأل الله أن يعيد على المسلمين من بركات هذا اليوم كما منحه في أصله وان يكتبنا في اجتماعنا له وتفرقنا إثره مع الذين يظلهم الله بظله).