في رياض السنة:الدنيا بحذافيرها تتحقق بالأمن في السرب والمعافاة في الجسد وحيازة قوت اليوم

في رياض السنة:الدنيا بحذافيرها تتحقق بالأمن في السرب والمعافاة في الجسد وحيازة قوت اليوم


عن عبيد الله بن محصن الأنصاري الخطمي رضي الله عنه قال “قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من أصبح منكم آمنا في سربه معافى في جسده عنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها”رواه الترمذي هذا الحديث الشريف من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم يبين هدي الإسلام للمسلم في كيفية النظر إلى ما انعم به الله عليه من النعم التي لا تحصى ولا تعد، (وان تعدوا نعمة الله لا تحصوها) إنها في أنفسنا التي بين جنبينا وفي ما يحيط بنا في هذا الكون الفسيح المليء بالآيات الدالات على عظمة قدرة الله والدالة أيضا على سعة رحمة الله بعباده هذه الرحمة التي تغمر حتى من يكفر بالله وتغمر أيضا من يعصيه ولا يطيعه، ولأجل ذلك دعا الله في عديد الآيات من كتابه العزيز وأحاديث الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام إلى النظر بتدبر واعتبار وتفكر فيما خلق الله وفيما وهب لعباده فقال جل من قائل (وفي أنفسكم أفلا تبصرون) وقال (قل سيروا في الأرض) وهذا التفكر والتدبر يحصل منه الاعتبار واخذ المواعظ والدروس ويحصل منه بالنسبة لمن ينير لهم الله أبصارهم وبصائرهم اندفاع إلى تقييد نعم الله بالشكر وذلك أولا بالإيمان بالله وحده لا شريك له ثم القيام بواجب عبوديته الوارد في قوله تعالى (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون) والعبادة هي مظهر من مظاهر الشكر للمنعم الأوحد الأول المولى سبحانه وتعالى وهذا الشكر مهما كبر وعظم ومهما امتد وتوسعت مجالاته وميادينه فانه لا يمكن أن يكافئ نعمة واحدة من نعم الله على الإنسان، فالإنسان عاجز عن مكافأة ربه على نعمه ولذلك قيل (العجز عن شكر الله)-والاعتراف بذلك- يمكن أن يعتبر شكرا لله تبارك وتعالى، وفعلا فان (الأعمال بالنيات) و(نية المرء خير من عمله) و(يبلغ المرء بنيته ما لا يبلغه بعمله)، وذلك من الله سبحانه وتعالى كرم وإحسان وفضل. وتربية من سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم للمسلمين على الخلق الكريم الذي هو فيه عليه الصلاة والسلام الأسوة والقدوة فقد أدبه ربه فأحسن تأديبه وجعله على خلق عظيم وبعثه الله تبارك وتعالى للناس معلما وكان عليه الصلاة والسلام معلما بالفعل قبل القول وبالسلوك قبل الشعار. يلفت سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث البليغ المليء بالدروس والمواعظ أنظار أمته: كل أفرادها بدون استثناء إلى ما يغمرهم به ربهم من نعم لا تحصى ولا تعد ظاهرة وخفية، لا يخص بها فئة دون فئة بل يتمتع بها اغلب عباد الله ولكن هذه النعم التي تغمرهم ويتمرغون فيها صباح مساء قد يغفلون عنها وقد يتناساها البعض الآخر ويطلب المزيد الذي ليس دائما فيه الخير العاجل والآجل لمن يطلبه ويحرص عليه مصداقا لقول الله تبارك وتعالى (وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وانتم لا تعلمون) فالخير دائما فيما اختار الله وفيما قسم الله لعباده، وأمر المؤمن دائما فيه الخير يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم (عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله خير إذا أعطي شكر فله اجر وإذا أصيب صبر فله اجر) نعم من حق المسلم أن يطمح ويتمنى الأحسن والأفضل ومن الواجب عليه أن يسعى ليغير ما بنفسه وذلك هو المفهوم الصحيح للتوكل (لو توكلتم على الله حق توكله لرزقتم كالطير تغدو خماصا وتعود بطانا) ولكن على المسلم بعد قيامه بما عليه من اخذ للأسباب وسعي مشروع، عليه أن لا يأس على ما فاته (وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم) إن الإسلام يربي المسلم على القناعة والرضا بما قسم له الله، وما أعظم وما اكبر وما أوسع ما تكرم به الله علينا مما نغفل عنه ومما لا ندرك قيمته وأهميته إلا عندما نفقده وذلك وارد في كل لحظة وحين وما أكثرهم أولئك الذين من حولنا ممن يفقدون ما نتنعم به ولا نقيده بالشكر. وفي هذا الحديث القليل في كلماته يوجه سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم كل واحد منا إلى نعم تبدو لنا بسيطة وما هي بالبسيطة وهي عظيمة وما هي بالحقيرة فيقول لكل واحد منا (من أصبح منكم آمنا في سربه) أي في طمأنينة لا يخاف على نفسه من عدو هاجم ولا من ظلم يتسلط عليه من أي كان، من أصبح على هذه الهيئة وهذه الحال وما أعظمها من حال امتن بها الله على عباده وذكرهم بها في عديد الآيات القرآنية منها قوله تعالى (فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف) أنهما نعمتان عظيمتان لا يدرك قيمتهما إلا من يفقدهما، وما أكثرها المجتمعات التي تفتقر إلى هذين النعمتين فالأمن والأمان من شروط الاستقرار ومن أسباب الازدهار وإذا انتشر بين الناس وفي مجتمع من المجتمعات الخوف والظلم والقتل والعدوان فقد انعدمت كل أسباب الاستقرار ولا أمل بعد ذلك في التقدم والرقي والازدهار، من أصبح آمنا في سربه، في طريقة أو في جماعته أو في قريته أو في حيه أو في بلاده ثم يضيف الله له نعمة أخرى وهي نعمة الصحة والعافية فلا يكون عليلا مريضا يعاني الآلام المبرحة من كانت هذه حاله فهو في خير عميم ولذلك قيل (العافية تاج على رؤوس الأصحاء لا يبصره إلا المرضى) ولأجل الحفاظ على العافية عند فقدانها أمر الإسلام المسلم بأن يتداوى ويعالج أمراضه (إن الله خلق الداء وخلق الدواء ألا فتداووا يا عباد الله) وذلك لتعود للجسد عافيته وسلامته حتى يقوى على القيام بشؤونه وعبادة ربه ثم يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم (عنده قوت يومه) وتلك أيضا نعمة أخرى عظيمة الشأن يتنعم بها اغلب عباد الله ولكنهم يتناسون قيمتها ويتجاهلون أن هنالك من عباد الله في كون الله الفسيح من لا يجد قوت يومه وهم عباد أمثالنا والحمد لله فقد وعد الله عباده في محكم آيات كتابه بضمان رزق جميع مخلوقاته فقال: (وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها) هذه النعم الثلاثة: الأمن والسلامة والصحة والعافية وقوت اليوم الذي يتحقق به الكفاف، من كانت هذه حاله وهي حال اغلب الناس والحمد لله يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم (فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها) أي الدنيا كلها، فالدنيا التي لا تطغى هي هذه: الأمن والصحة والقوت وما سوى ذلك فزائد يمكن أن يطغى يمكن أن يردى في نار جهنم (إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى). وأيما جماعة وأيما شعب من الشعوب هيأت الأقدار لأفرادها أن يكونوا في امن واطمئنان وفي صحة وعافية وعندهم قوتهم وما يكفيهم فهم في خير عميم وفي نعمة كبرى.



الكلمات الشائعة

 

الأستاذ محمد صلاح الدين المستاوي

خريج جامعة الزيتونة كلية الشريعة قسم الفقه وأصول الفقه : الليسانس وشهادة الدراسات المعمقة في موضوع : شروح الموطأ باحث بجامعة أكسان برفانس مرسيليا فرنسا من 2001-2002 إلى 2008-2009

الكلمات الشائعة

العنوان

28 نهج جمال عبد الناصر –تونس
+216 71 43 21 33
+216 71 32 71 30

أحدث المقالات

2026-01-25

الاسلام: حقائق وأعلام ومعالم

موقع الشيخ محمد صلاح الدين المستاوي عضو المجلس الإسلامي بتونس وخريج جامعة الزيتونة (كلية الشريعة وأصول الدين) يتضمن تعريفا بالشيخ والده الحبيب المستاوي رحمه الله وهو احد علماء الزيتونة ودعاة الإسلام حيث سيجد المتصفح لهذا الموقع فقرات من أعماله.