في رحاب المولد النبوي الشريف:سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم صاحب الشفاعة العظمى
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بلحم فرفع إليه الذراع وكانت تعجبه فنهش منها نهشة وقال: (أنا سيد الناس يوم القيامة هن تدرون لم ذلك؟ يجمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد فينظرهم الناظر ويسمعهم الداعي وتدنو منهم الشمس فيبلغ بالناس من الغم والكرب ما لا يطيقون وما لا يحتملون فيقول الناس: ألا ترون إلى ما انتم فيه إلى ما بلغكم؟ ألا تنظرون من يشفع لكم إلى ربكم؟ فيقول بعض الناس لبعض: أبوكم آدم فيأتونه فيقولون: يا آدم أنت أبو البشر خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه وأمر الملائكة فسجدوا لك وأسكنك الجنة، ألا تشفع لنا إلى ربك؟ ألا ترى إلى ما نحن فيه وما بلغنا؟ فقال: إن ربي غضب غضبا لم يغضبه قبله مثله ولن يغضب بعده مثله، وانه نهاني عن الشجرة فعصيت، نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى نوح! فيأتون نوحا فيقولون: يا نوح أنت أول الرسل إلى الأرض وقد سماك الله عبدا شكورا، أما ترى إلى ما نحن فيه؟ ألا ترى إلى ما بلغنا؟ ألا تشفع لنا إلى ربك؟ فيقول: إن ربي غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله، وانه قد كان لي دعوة دعوت بها على قومي، نفسي نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى إبراهيم! فيأتون إبراهيم فيقولون: يا إبراهيم أنت نبي الله وخليله من أهل الأرض، اشفع لنا إلى ربك أما ترى إلى ما نحن فيه؟ فيقول: إن ربي غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله واني كنت كذبت ثلاث كذبات، نفسي نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى موسى فيأتون موسى فيقولن: يا موسى أنت رسول الله، فضلك الله برسالته وبكلامه على الناس اشفع لنا إلى ربك أما ترى إلى ما نحن فيه؟ فيقول: إن ربي غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله، واني قتلت نفسا لم أمر بقتلها، نفسي نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى عيسى! فيأتون عيسى فيقولون: يا عيسى أنت رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم، وروح منه وكلمت الناس في المهد اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ فيقول عيسى: إن ربي غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله، ولم يذكر ذنبا، نفسي نفسي نفسي، اذهبوا إلى محمد صلى الله عليه وسلم فيقولون: يا محمد أنت رسول الله وخاتم الأنبياء وقد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ فانطلق فآتي تحت العرش فاقع ساجدا لربي ثم يفتح الله عليّ من محامده وحسن الثناء عليه شيئا لم يفتحه على احد قبلي، ثم يقال لي: يا محمد ارفع رأسك واسأل تعطه واشفع تشفع، فارفع راسي فأقول: أمتي يا رب أمتي يا رب فيقال لي: يا محمد ادخل من أمتك من لا حساب عليهم من الباب الأيمن من أبواب الجنة، وهم شركاء الناس فيما سوى ذلك من الأبواب ثم قال: والذي نفسي بيده إن ما بين المصراعين من مصاريع الجنة كما بين مكة وهجر، أو كما بين مكة وبصرى. رواه مسلم اخترت هذا الحديث الطويل الذي رواه الصحابي الجليل أبو هريرة رضي الله عنه وأورده الأمام مسلم في صحيحه وذلك بمناسبة حلول شهر ربيع الأول، هذا الشهر المبارك الذي شهد ميلاد سيد الكائنات سيدنا محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام الذي أرسله الله بشيرا ونذيرا، وبعثه رحمة للعالمين، ففي الثاني عشر من شهر ربيع الأول سنة خمسمائة وسبعين للميلاد والمعروف بعام الفيل (العام الذي هجم فيه أبرهة بجحافل جيشه على مكة ليهدم الكعبة-ظانا أن ذلك في مستطاعه وإمكانه معتقدا أن ما أعده من عدد وعدة بما فيه فيلة سيحقق به مبتغاه غافلا عن اخذ الله الذي هو اخذ العزيز المقتدر، حيث أرسل الله على هذا الجيش طيرا أبابيل رمتهم بحجر من سجيل فأصبح الجيش بقدرة الله كعصف مأكول) في هذا العام المبارك على البشرية جمعاء إلا على أبرهة وجيشه وكل من سلك نهج الضلالة والغواية في شهر ربيع الأنور نزل إلى هذا العالم وعلى هذا الكوكب اشرف موجود وأكرم مولود من لولاه لم تخرج الدنيا من العدم، انه النبي الخاتم والرسول المنقذ والحبيب الشافع لامته يوم القيامة صلى الله عليه وعلى آله في كل آن وحين عدد ما خلق الله والى أن يرث الأرض ومن عليها. وإذ كان الحديث عن هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يمل ولا ينتهي، فانه بهذه المناسبة -ذكرى المولد النبوي الشريف- هو خير ما تقدم به للأمة وللناس أجمعين شخصية هذا الرسول الكريم وهذا النبي العظيم عليه الصلاة والسلام، الذي لم يترك أمرا فيه الخير والنفع لامته إلا ودعاها إليه ولم يترك أمرا فيه الشر والضرر إلا ونهاها عنه، كل ذلك حواه الدين الذي جاء به من عند الله وأكمله الله على يديه. ولم يقتصر انتفاع الأمة بما جاءها به سيدنا محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام على خير الدنيا وليس ذلك في حد ذاته بالقليل بل هو خير عظيم يجعل متبع هدي سيد الأنام عليه الصلاة والسلام في راحة كاملة وطمأنينة وسكينة هي راحة الإيمان الذي يعمر القلب فيسعد به المؤمن سعادة لا تساويها أية سعادة أخرى. إن نفع سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام للمؤمنين يتجاوز هذه الحياة الدنيا إلى الدار الآخرة وما أدراك ما الدار الآخرة التي وعد بالسعادة فيها لعباده المتقين (تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين) والتي زادها التقوى (وتزودوا فان خير الزاد التقوى). وحديث الشفاعة هذا الذي اتخذته فاتحة للتذكير بمنة الله على عباده ببعثه سيدنا محمدا عليه الصلاة والسلام حديث طويل لا يتسع المجال لاستعراض كل ما جاء فيه من بدايته والى نهايته ففي الحديث تدرج مشوق صور فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم حال الناي عند البعث والنشور وما يكونون عليه من شدة وكرب عظيم وقد صور هذه الأهوال القرآن الكريم أدق تصوير انه يوم تشيب من هوله الولدان الصغار وتضع فيه ذوات الأحمال أحمالها ويرى الناس فيه سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد، انه يوم تذهل فيه ذات الحمل عن حملها، كل امرئ شأن يغنيه، والقرآن الكريم والسنة النبوية الطاهرة يزخران بعشرات النصوص القرآنية والحديثية التي تصور أهوال هذا اليوم، وليس فيما نقول أية مبالغة أو تهويل أو ترهيب، وليس من طريقتنا –التي هي طريقة محمدية- التشديد والتعسير فقد نهانا صاحب الرسالة عليه الصلاة والسلام عن ذلك وقال: (يسرا ولا تعسرا وبشرا ولا تنفرا) ولكن أيضا ليس من حقنا –ولا يجوز لنا- أن نهون من شأن أهوال يوم القيامة وما يسبقها من سكرات الموت وقبض الروح وظلمة القبر وسؤال الملكين فكل ذلك واقع لا محالة ونسال الله اللطف والسلامة. وهذا الحديث يصور لنا –فضلا عما ذكرنا- ما ورد في فاتحة الحديث حيث قال عليه الصلاة والسلام: (يجمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد فينظرهم الناظر ويسمعهم الداعي وتدنو منهم الشمس فيبلغ بالناس من الغم والكرب ما لا يطيقون وما لا يتحملون فيقول الناس ألا ترون إلى ما انتم فيه إلى ما بلغكم؟ ألا تنظرون من يشفع لكم إلى ربكم؟) إن سيد الناس يوم القيامة هو سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام وما ذلك إلا لأنه ملاذ الناس أجمعين في ذلك اليوم الشديد. والحديث في تسلسل مفض من نبي إلى نبي عليهم السلام يصور لنا كيف أن كل نبي عندما يأتيه الناس طالبين الشفاعة يرى نفسه دون ذلك المقام ويحيلهم إلى النبي الذي يليه إلى أن يصلوا إلى سيدنا محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام وهو الوحيد الذي يهبّ للنجدة وتفريج كروب المكروبين، انه ملاذ العباد في ذلك اليوم الشديد الأهوال، في ذلك اليوم الذي لكل واحد شأن يغنيه يجعله يفر من صاحبته وبنيه حتى الأنبياء المرسلون فان كل واحد منهم يتذكر انه اغضب الله في أمر من الأمور وهو ما يجعله لا يستطيع أن يشفع في الناس إلى الله إلا سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام فانه كما قال: (فآتي تحت العرش فاقع ساجدا لربي ثم يفتح الله عليّ من محامده وحسن الثناء عليه شيئا لم يفتحه على احد قبلي) ثم يقال لسيدنا محمد عليه الصلاة والسلام: (يا محمد ارفع راسك واسأل تعطه واشفع تشفع فارفع راسي فأقول: أمتي أمتي يا رب فيقول لي: يا محمد ادخل من أمتك من لا حساب عليهم من الباب الأيمن من أبواب الجنة) وتشترك بقية الأمة (من عليهم حساب) في الباب الثاني مع الأمم الأخرى كل ذلك كرامة من الله لسيدنا محمد عليه الصلاة والسلام انه صاحب الشفاعة العظمى والرحمة الكبرى من الله بعباده (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) صدق الله العظيم.