في رحاب القرآن: (ليس البر...) الآية الجامعة لكل خير
يقول الله تعالى: (ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون).صدق الله العظيم-الآية 177 من سورة البقرة كنا أيها القارئ بينا بعض المعاني الواردة آية البر من سورة البقرة سبق أن وتوقفنا عند جانب الإنفاق والبذل بكرم وسخاء وأريحية وما فيه من تجسيم عملي فعلي لمعاني التآزر والتضامن التي دعانا إليها ديننا الحنيف وحضنا عليها نبينا الكريم عليه الصلاة والسلام الذي شبه المؤمنين في توادهم وتحاببهم بالجسد الواحد الذي إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى وشبههم بالبنيان المرصوص الذي يشد بعضه بعضا. وقد توسعنا في هذه المعاني وأوردنا عليها شواهد من كتاب الله العزيز آيات كثيرة تدعو المسلمين إلى الإنفاق والصدقة وأحاديث تبشر بالأجر والثواب الذي وعد الله به عباده المؤمنين الذين ينفقون أموالهم سرا وعلانية يبتغون من وراء ذلك الأجر والثواب من عند الذي لا يضيع اجر المحسنين. ونعود أيها القارئ لنبين بقية المعاني الواردة في آية البر، فالبر اشمل وأوسع من أن يكون بمجرد التوجه صوب المشرق أو المغرب فالعبرة باللب والأصل الذي هو مختلف الممارسات والتصرفات التي منها ما هو من قبيل المعتقدات من إيمان بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين ومنها ما هو من قبيل البذل والعطاء من المال الذي آتاه الله لعباده وجعلهم مستخلفين فيه الإنفاق على ذوي القربى وعلى الأيتام والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي تحرير المستعبدين الأرقاء. * ومن أوجه البر ومن مجالاته وميادينه إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وهما ركنان عظيمان من أركان الإسلام كل منهما تطهير وتزكية، فالصلاة تزكية وتطهير للأنفس (إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر) والزكاة تزكية وتطهير للمال (قد افلح من تزكى) (قد افلح من زكاها) إنهما ركنان متلازمان (أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة) لا يمكن الاكتفاء بأحدهما وترك الآخر وهو ما استدل به الصديق رضي الله عنه في محاربة مانعي الزكاة وقال (والله لا افرق بين أمرين جمعهما الله (أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة) (والله لو منعوني عقالا أو عقالا كانوا يعطونه لرسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم عليه) فحفظ بذلك أركان الإسلام من أن تتلاشى وتذهب الواحدة تلو الأخرى. * فالصلاة عماد الدين وهي أول ما يحاسب عليه المرء فإذا صلحت صلح سائر عمله وإذا فسدت فسد سائر عمله. * والزكاة هذه العبادة المالية هي حق للفقراء في أموال الأغنياء (الذين في أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم). ومن مظاهر البر ومن علاماته الدالة عليه الوفاء بالعهد وهو خلق إسلامي، والإسلام دين الأخلاق من اجل إتمامها أرسل رسول لله صلى الله عليه وسلم بدين الإسلام (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق) والأخلاق في الإسلام نظرية متكاملة فيها ما هو من قبيل المشاعر وما يدخل في السر والطوية التي يعلمها الله ولا تخفى عليه (يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور) وفيها ما هو من قبيل الأقوال وما تنطق به الألسنة يحاسب عليه الإنسان (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت) (وهل يكب الناس في نار جهنم على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم)؟. ومن الأخلاق ما هو من قبيل المعاملات للناس والمسلم هو (من سلم الناس من لسانه ويده). ولأجل ذلك فان من علامات البر ومن مظاهره أن المؤمن إذا عاهد يوفي بما تعهد به ولا يكون ممن لا يوفي بالعهد إذ تلك من علامات النفاق (آية المنافق ثلاث إذا حدث كذب وإذا اؤتمن خان وإذا وعد اخلف). فالمؤمنون حقا والأبرار يوفون بعهودهم إذا عاهدوا فيما بينهم وفيما بينهم وبين الله تعالى وفيما بينهم وبين الناس أجمعين. * ومن علامات البر الصبر في السراء والضراء وقد أمر الله تبارك وتعالى عباده المؤمنين بالصبر والمصابرة ووعدهم على الصبر بالجزاء الأوفى والأوفر (اصبر وما صبرك إلا بالله) ويقول (والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر) وقد دعا الله رسوله الكريم عليه الصلاة والسلام بان يقتدي بمن سبقه من الرسل من أولي العزم (فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل) وجعل الله تبارك وتعالى من الصوم مدرسة للصبر يخرج القائم به بعزيمة وإرادة وقدرة على التحمل كبيرة فالصبر نصف الإيمان. فالأبرار هم من يصبرون (في البأساء والضراء) البأساء: الشدة والفقر والضراء: المرض قال ابن مسعود قال عليه السلام (يقول الله تعالى أيما عبد من عبادي ابتليته ببلاء في فراشه فلم يشتك إلى عواده أبدلته لحما خيرا من لحمه ودما خيرا من دمه فان قبضته فإلى رحمتي وان عافيته عافيته وليس له ذنب قيل يا رسول الله: ما لحم خير لحمه؟ قال لحم لم يذنب قيل فما دم خير من دمه قال" دم لم يذنب) (حين البأس) أي وقت الحرب. يختم الله تبارك وتعالى آية البر بقوله جل من قائل (أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون) من كانت هذه هي أوصافهم وتلك هي أخلاقهم أولئك هم الصادقون حقا في إيمانهم وأولئك هم الأبرار حقا وأولئك المتقون حقا لان التقوى ليست بالادعاء ولا هي بالمظاهر ولا هي في مواسم معينة أو في أماكن خاصة والله تبارك وتعالى لا تغره المظاهر (إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى وجوهكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم) الأعمال على عمومها ما هي من قبيل الاعتقادات وما هي من قبيل العبادات والشعائر وما هي من قبيل المعاملات والسلوك والأخلاق كل ذلك مع بعضه البعض هو البر وليس بعض دون بعض. إن آية البر هي بحق آية جامعة لكل خير وهي عنوان على شمولية الإسلام وعمق تعاليمه وفي إتباع ما أمرت به هذه الآية وفي الالتزام بما تضمنته تحقيق لمرضاة الله إنها علامة التقوى وعنوانها.