في رحاب القرآن: تفسير سورة “والعصر”: الإيمان والعمل الصالح والتواصي بالحق والتواصي بالصبر

في رحاب القرآن: تفسير سورة “والعصر”: الإيمان والعمل الصالح والتواصي بالحق والتواصي بالصبر


بسم الله الرحمان الرحيم يقول الله تبار وتعالى “والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر” صدق الله العظيم. سورة “والعصر” من السور المكية وقيل إنها مدنية وهي من السور المختصرة في كلماتها المليئة الغزيرة في معانيها وذلك شأن القرآن الكريم فهو معجز جامع في سوره وآياته لكل ما فيه صلاح وفلاح ورشاد العباد وكيف لا وهو النور المبين والعروة الوثقى والصراط المستقيم وهو المعجزة الخالدة لنبينا وسيدنا محمد عليه الصلاة والسلام. “والعصر” قسم ولا يقسم الله إلا بما هو عظيم يلفت إليه انتباه عباده وفي العصر معان عديدة بعضها جلي واضح يتبادر مباشرة إلى الذهن ولا يغيب إلا عن من أعمى الله بصائرهم (إنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور). وفي العصر توالى الأيام والليالي والأشهر والسنين والقرون وتبدل الأحوال وعدم دوامها على حال ويا لها من موعظة ناطقة تدل على أن البقاء لله وحده فهو الأول والآخر (ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام) ففي النظر والاعتبار بالعصر بمعنى الدهر دلالة على القدرة الإلهية والعظمة الربانية وان المتصرف الأوحد في الكون وما في الكون من الكائنات (يعز من يشاء ويذل من يشاء) هو الله سبحانه وتعالى ويمكن أن يكون القسم بالعصر أي الصلاة الوسطى التي أمر الله عباده المؤمنين بالمحافظة عليها وأدائها في وقتها وعدم الانشغال عنها لأنه على إثرها ترفع صحائف عمل النهار إلى الله جل وعلا فحري بالمؤمن أن لا يغفل عن هذه الصلاة وأن لا يسهو عنها (حافظوا على الصلاة والصلاة الوسطى وقموا لله قانتين) فقد ورد في الخبر الصحيح (الصلاة الوسطى صلاة العصر) ووقت العصر وقت في وسط النهار لا في أوله ولا في آخره وقد تشغل عن آداء صلاة العصر شواغل من أمور الدنيا فتغرب الشمس على المشغول بالدنيا الساهي عن صلاته (صلاة العصر) فلا يؤديها فيحبط عمله والعياذ بالله. بعد هذا المقسم به (والعصر) يأتي المقسم عليه مما ينبغي التأكد منه واليقين به مما هو مفجع مخيف مفزع (إن الإنسان لفي خسر) والخسر هو إحباط العمل وجعله مردودا على صاحبه والحكم عليه بالإفلاس الحقيقي الفعلي والإنسان هنا على عمومه أي إنسان قد تعني شخصا بعينه كما ورد في كتب التفسير ولكن كما هي القاعدة في آيات الكتاب العزيز (العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب)، فهذا السبب كما يقول علماؤنا الأعلام هو مجرد مناسبات نزلت الآيات مقترنة بها لتزداد وضوحا في الأذهان ورسوخا في القلوب والعقول والإنسان ميال إلى التمثيل. والخسران هو الهلاك والبوار والتباب وتلك هي أحوال الإنسان في كل الأزمنة والدهور وذلك هو مآله ومصيره إلا من رحم ربك ممن هداهم الله (إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر) ما أجمله من استثناء يفتح أبواب الأمل الذي لا يعرف معه المؤمن يأسا (إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون) فشرط الصلاح والفلاح والنجاح والفوز في الدنيا والآخرة في المتناول ليسس مستحيلا فمن آمن بالله واحدا لا شريك له وآمن بما انزل على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم من هدي قويم، من آمن إيمانا راسخا ثابتا لا يتزعزع، من آمن إيمانا حقيقيا لا شكليا ظاهريا فان إيمانه ستكون ثمرته وعلامته العمل الصالح بداية بآداء حق الله على عباده (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) (وما تقرب إلي عبدي بأفضل مما افترضته عليه) يضاف إلى ذلك كل عمل صالح ولو كان إماطة أذى عن الطريق مهما كان بسيطا يبدو لنا غير ذي قيمة ولكنه ما دام فيه مصلحة حقيقية لصاحبه أو للناس في عاجل الحياة وآجلها فهو عمل صالح، العمل الصالح الخالص الخالي من الشوائب هو الذي يرفعه الله إليه ويتقبله (ولا يقبل الله من العمل إلا أصوبه وأخلصه) من كانت هذه حاله فهو لاشك من الناجين، والإيمان والعمل الصالح يقتضيان ويستلزمان صبرا هو بالله ومن عند الله (اصبر وما صبرك إلا بالله) فإذا ما صبر المؤمن على العمل الصالح ووطن نفسه عليه وإذا ما ثبت أمام المغريات والفتن فإنه لا يخسر ومما يرسخ ذلك التواصي بين المؤمنين فان من هذه حالهم لن يكونوا من الخاسرين بل سيكونون من الناجين الفائزين.



الكلمات الشائعة

 

الأستاذ محمد صلاح الدين المستاوي

خريج جامعة الزيتونة كلية الشريعة قسم الفقه وأصول الفقه : الليسانس وشهادة الدراسات المعمقة في موضوع : شروح الموطأ باحث بجامعة أكسان برفانس مرسيليا فرنسا من 2001-2002 إلى 2008-2009

الكلمات الشائعة

العنوان

28 نهج جمال عبد الناصر –تونس
+216 71 43 21 33
+216 71 32 71 30

أحدث المقالات

2026-01-25

الاسلام: حقائق وأعلام ومعالم

موقع الشيخ محمد صلاح الدين المستاوي عضو المجلس الإسلامي بتونس وخريج جامعة الزيتونة (كلية الشريعة وأصول الدين) يتضمن تعريفا بالشيخ والده الحبيب المستاوي رحمه الله وهو احد علماء الزيتونة ودعاة الإسلام حيث سيجد المتصفح لهذا الموقع فقرات من أعماله.