في رحاب القرآن: تفسير سورة “قريش”: عهد الله لمن يعبده بأن لا يجوع ولا يخاف
بسم الله الرحمان الرحيم يقول الله تعالى “لإيلاف قريش إيلافهم رحلة الشتاء والصيف فليعبدوا ربّ هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف”. صدق الله العظيم سورة قريش تأتي في ترتيبها بعد سورة الفيل وما تضمنته من دروس وما أكثر دروس القرآن الكريم ومواعظه، ففي قصصه عبرة لمن يعتبر، في القرآن الكريم أخبار الأمم السابقة وما جرى من صراع مرير بين الخير والشر والحق والباطل والإيمان والكفر. وكان الأنبياء والمرسلون عليهم السلام المحاور والركائز الأساسية هم ومن كان معهم ممن آمن بهم واتبعهم وكان في مقابل هؤلاء طغاة عتاه جبارون وكفار معاندون أوردهم طغيانهم وجبروتهم وكفرهم إلى المهالك كان هؤلاء أفرادا (فرعون وقارون) وأقواما (قوم عاد وثمود وبني إسرائيل) وكان منهم أبرهة الذي سار بجنده وكله خيلاء وغطرسة ليهدم الكعبة بيت الله الحرام، أول بيت وضع للناس ذلك الذي بمكة كان مصير أبرهة الهلاك والبوار فأصبح أثرا بعد عين وكذلك كان مصير غيره أفرادا أو جماعات، فالله سبحانه وتعالى هو القاهر وهو الجبار، من شاركه في العظمة والكبرياء قصمه جاء في الحديث القدسي (العظمة ردائي والكبرياء إزاري من شاركني فيهما قصمته) حرم سبحانه وتعالى على نفسه الظلم وجعله بين عباده حراما وقال لهم (يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم حراما فلا تظالموا) انه سبحانه وتعالى لا يسأل عما يفعل ولكنه لا يفعل إلا الخير. ناسب إذن أن تأتي سورة قريش بعد سورة الفيل لتأخذ معاني الكتاب العزيز بأعناق بعضها البعض في تناسق وتكامل وتدرج فهو كلام الله العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، حفظه الله بعهد منه سابق هيأ له كل الأسباب فقال جل من قائل (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) يسره لمن أراد به خيرا (ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر). فقد اهلك الله أصحاب الفيل (أبرهة وجنوده) أرسل عليهم طيرا أبابيل رمتهم بحجارة صغيرة أهلكت الفيلة ومن كان يركبها ويسوقها، ذلك الذي جاء ليلفت العرب عن مكة المكرمة ويتوجهون عوضا عنها إلى اليمن حيث بنى له بيتا ولكن هيهات هيهات، فقريش المجاورة لبيت الله الحرام الكعبة المشرفة هي في حمى هذا البيت الذي توعد الله من يرد فيه بالحاد بظلم أن يذيقه من عذاب أليم، رأت قريش وعقلاؤها بالخصوص ورأى غيرها من القبائل العربية كيف أن هذا البيت هو حرم آمن وسيزداد هذا الأمن عندما يبعث الله بدين الإسلام خاتم الأنبياء والمرسلين سيدنا محمدا بن عبد الله صلى الله عليه وسلم بالدين الخاتم الذي رضيه الله لعباده (إن الدين عند الله الإسلام) دين الناس كافة بمختلف أجناسهم وألوانهم ولغاتهم وفئاتهم (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) عندما يبزغ فجر هذا الدين فستصبح مكة المكرمة والكعبة المشرفة قبلة المسلمين في صلاتهم وستصبح البلاد التي إليها يحجون ويشدون الرحال (وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتي من كل فج عميق) فكان الحج خامس أركان الإسلام، وكانت مكة ولا تزال تهوي إليها أفئدة المؤمنين، فهي حرم آمن تجبى إلى مكة خيرات الدنيا، رزق الله أهلها من الطيبات كل ذلك ببركة هذا البيت الحرام وهذا البلد الحرام الذي (من دخله كان آمنا) انه أمن وسكينة وطمأنينة، إنها هيبة وجلال إنها عظمة يحس بها كل من يرد على البلد الحرام وكل من يطل على الكعبة الغراء المشرفة، هناك تخشع القلوب وهناك تحس الأفئدة بالطمأنينة والسكينة، انه قرب ليس دونه قرب يا له من مشهد ويا لها من أحوال ويا لها من تجليات هناك موطن الدعوات والضراعات والاستغاثات، هناك الاستجابة. * لتستأنف قريش بعد إهلاك أصحاب الفيل رحلتيها: رحلة الشتاء والصيف، رحلتها في الشتاء إلى بلاد الشام ورحلتها في الصيف إلى بلاد اليمن، لتواصل تجارتها التي تعودت عليها ولتبق مكة سوق العرب أجمعين يأتونها فيحجون ويشهدون المنافع العديدة كل ذلك في أمان وطمأنينة إنها منة إلهية وسبق حسنى وما ينتظر قريش وأهل مكة اكبر في هذه الحياة الدنيا وفي الآخرة وذلك عندما يأذن الله ببعثة سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام بدين الإسلام وعندما يفتح الله عليه مكة ويدخل الناس في دين الله أفواجا هذا الفتح الذي وان كان جاء متأخرا لحكمة إلهية ولكنه جاء رغم ذلك بشّر الله به نبيه عليه الصلاة والسلام قبل وقوعه (إنا فتحنا لك فتحا مبينا) حتى إذا جاء اليوم الموعود دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة أحب البلاد إليه وقد أخرجه منها أهلها رغم انه دعاهم لما يحييهم ومع ذلك أبوا واستكبروا فهجرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبدلهم بقوم آخرين أحبهم وأحبوه وفتح الله عليهم مكة وجاء نصر الله (إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا فسبح بحمد ربك واستغفره انه كان توابا) دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه أصحابه من المهاجرين والأنصار مسبحين مكبرين مهللين مستغفرين حامدين شاكرين قائلين (جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا) فلا أوثان ولا شرك بعد الفتح ولكن حرم مطهر يطوف به المؤمنون ويدعون ربهم بخشوع تغشاهم الملائكة في طهارة حسية ومعنوية (لا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج) وفي تجرد كامل شامل من المخيط والمحيط وعزوف كامل عن الدنيا وملذاتها وبهارجها حتى الحلال منها. أما أولئك الذين نالوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وأذاقوهم من الاضطهاد والعذاب أشده فقد جاءتهم الفرصة الذهبية إلى أيديهم فرصة العفو فقد قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم (لا تثريب عليكم اليوم اذهبوا فأنتم الطلقاء) يا لها من سماحة ويا له من عفو ويا لها من رحمة من نبي الرحمة الذي بعثه الرحمان الرحيم بعباده الضعفاء. إن منن الله على عباده المؤمنين لا تحصى ولا تعد وهي بعد منة الإيمان، المنة العظمى (الهداية من الضلالة) منة الإطعام من جوع التي تبدو أجلى ما تكون هناك في مكة في ذلك الوادي غير ذي الزرع ومع ذلك فان الخيرات كلها تجبى إلى أهل مكة تأتيهم من كل مكان، ما أعظمها من منة إلهية أن يطعم الله عباده فلا يجوعون فالجائع لا يستقيم له أمر ولا يهدا له بال بل لا يبقى على حياة ولكن الله الذي خلق خلقه وتعهد لهم بذلك (وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها) رزق يسوقه الله لمن يكفر به ولمن يؤمن به ويعطيه لمن يطيعه ولمن يعصيه ويعطيه للإنسان العاقل ولغير العقلاء من الدواب بل إن الرزق يكتبه الملك للإنسان وهو في رحم أمة جنينا كما يكتب له اجله وكما ينفخ فيه الروح. إن الله تبارك وتعالى ضمن الرزق لعباده ولم يضمن لهم الجنة فالجنة بالعمل كما أن الرزق بالسعي يجد الساعي رزقه تجاهه. وذكر الله تبارك وتعالى عباده بالمنة الأخرى منة الأمن على النفس والأمن على المال والأمن على الأهل والأمن على العرض، الأمن الشامل الكامل (أو لم نمكن لهم حرما آمنا). فإذا توفر للإنسان بعد الإيمان الإطعام من جوع والأمن من الخوف فقد حيز له الخير كله. إن دين الإسلام دين الواقعية ربط بين الإيمان الذي هو أساس الخير كله وسبب الخير كله العاجل والآجل جعل الإسلام من إطعام الجائعين وضمان قوتهم وضروريات عيشهم والإبقاء على حياتهم أفرادا وجماعات وتأمينهم على حياتهم فلا يظلم يعضهم البعض ولا ينقلب بعضهم كفارا يضرب بعضهم أعناق بعض وقد ذكر بهذه الأولوية وهذه الحقيقة المركزية رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع حيث قال (ألا وان بلدكم هذا بلد حرام وشهركم هذا شهر حرام ألا وان دماءكم وأعراضكم وأموالكم بينكم حرام كحرمة الشهر الحرام ألا هل بلغت الله فاشهد).