في رحاب القرآن: تفسير سورة “الهمزة”:التحذير من الإساءة إلى الناس بالهمز واللمز

في رحاب القرآن: تفسير سورة “الهمزة”:التحذير من الإساءة إلى الناس بالهمز واللمز


بسم الله الرحمان الرحيم يقول الله تعالى “ويل لكل همزة لمزة، الذي جمع مالا وعدده يحسب أن ماله أخلده كلا لينبذن في الحطمة وما أدراك ما الحطمة نار الله الموقدة التي تطلع على الأفئدة إنها عليهم موصدة في عمد ممددة” صدق الله العظيم سورة الهمزة من السور المكية وخاصية السور المكية تركيزها على العقيدة وتحذيرها من الإخلاد إلى هذه الحياة الدنيا وطغيان حبها على قلوب الناس وعقولهم بحيث يدفعهم ذلك الحال إلى إتيان كل محظور وارتكاب كل منكر من الأقوال والأفعال. فأحوال من لا يؤمنون بالله ومن يكذبون بيوم الدين وحتمية الوقوف بين يدي الله يعمي بصائرهم فيجعلهم في ضلال وظلام يخبطون خبط عشواء لا يمنعهم مانع من إتيان كل ما تأمرهم به أنفسهم من شرور وآثام ناسب إذن أن يقوم القرآن المكي (مختلف سوره وآياته) بالتخلية من كل الشرور والآثام ابتداء بالعقائد الضالة من شرك وعبادة أوثان وما يتبع ذلك من مختلف ما كان ما يبدو لأول وهلة أنه غير ذي خطر مما تأتيه الجوارح من مخالفات كاللسان والعينين والسمع فكل ذلك حذر الله منه عباده المؤمنين ونهاهم عن إتيانه. (ويل) هو الخزي والعذاب والهلاك وقيل الويل واد في جهنم. وتقديم العذاب (الويل) لا يخفي ما فيه من التأثير النفسي الشديد، الويل لمن؟ إنه للهمزة اللمزة قال ابن عباس رضي الله عنهما: هم المشاؤون بالنميمة والمفسدون بين الأحبة الباغون للبرآء العيب كما أورد ذلك القرطبي في تفسيره لهذه السورة. وهؤلاء الذين يبغون العيب للبرآء المنصرفين غافلين إلى شؤونهم معتدون إنهم آثمون لا يخافون الله في أعراض الناس ولا همّ لهم إلا إلحاق الضرر بهم ولكن الله سبحانه وتعالى الذي لا تخفى عليه خافية هو لهم بالمرصاد وسيعذبهم العذاب الشديد، فالويل لهم يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم (شرار عباد الله تعالى المشاؤون بالنميمة المفسدون بين الأحبة الباغون للبرآء العيب) وفي التفريق بين الهماز واللماز وردت أقوال عديدة منها أن الهمزة هو القتات واللمزة العياب وقيل الهمزة الذي يغتاب ويطعن في وجه الرجل واللمزة الذي يغتابه من خلفه إذا غاب. * والهمز والغمز من أعمال الجوارح: العينين واللسان والله تبارك وتعالى أمر المسلم بان يخاف الله ويراقبه بقلبه وبلسانه وبعينيه وبأذنيه فيصون كل ما وهبه الله عن الوقوع في الحرام مما يغضب الله وما يغضب الله هو كل ما فيه عدوان وتجاوز فلقد حرم الله تبارك وتعالى الظلم على نفسه وجعله بين عباده حراما ولا شك انه ظلم عظيم وعدوان كبير أن يطلق الواحد لسانه يعيب الناس ويغتابهم وكذلك أن يغمزهم أو يلمزهم فكل ذلك مما فيه أذى للناس، والمسلم لا يكون مسلما إلا إذا سلم الناس من آذاه على إطلاق الأذى وفي عمومه فلا ينبغي الاستهانة بمثل هذه الأعمال، فالشيطان يهون من شأنها ويندفع إليها وهي حالقة آتية على الأخضر واليابس بل هي أصل الشرور والآثام وهي أصل القطيعة والتدابر وهي سبب الخصومات والخلافات والتنازع لذلك جاء التحذير الشديد من مغبة الوقوع فيها واقترافها (ويل لكل همزة لمزة) وهل هنالك ابلغ في الوعيد من قوله جل من قائل “ويل”؟ وهو واد في جهنم سيلقى فيه الهمزة واللمزة من لا يسلم الناس من شره. * والصفة الثانية لهؤلاء الذين اعد الله لهم عذابا شديدا هو هذا الإخلاد إلى الدنيا والظن أنها لا نهاية لها فتراهم يجمعون المال ويحرصون عليه لا يراقبون في هذا الجمع الله إنهم، يجمعون المال من الحلال والحرام لقد أصبحت الدنيا اكبر همهم هي مبتغاهم ومرادهم (الذي جمع مالا وعدده) بعد الجمع يأتي تعداده والتفاخر به والتعالي به على عباد الله الضعفاء وظلمهم بهذا المال، إنهم أهل الجمع والمنع، الشيطان يأمرهم بالبخل وبخوفهم من الفقر فتراهم في كل أوقاتهم والى أن يدركهم الموت وهم في لهف وجري وراء المال الذي لن يأخذوا منه إلى قبورهم إلا أكفانهم بل قد يكفنون من أموال غيرهم إذ قد يدركهم الموت بعيدا عن أموالهم (يحسب أن ماله أخلده) كلا فان هذه الأموال لن تنقذهم من الموت إذ كل من عليها، فان الله وحده هو الباقي كلا إن هذه الأموال التي يجمعونها ويحرصون عليها لن تخلدهم كلا ليطرحن وليلقين (في الحطمة) وهي نار الله (وما أدراك ما الحطمة) زيادة تأكيد لا يخفى ما فيها من وعيد شديد يضيف المولى فيقول (نار الله الموقدة) نار الله ليس كنار عباده إنها نار لا تبقي ولا تذر (التي تطّلع على الأفئدة) تأكل كل شيء، تأكل جميع أجسادهم إلى أن تصل إلى القلوب فتأكلها إن هذه النار مغلقة (إنها عليهم موصدة في عمد ممدة) وفي حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم (ثم إن الله يبعث إليهم ملائكة بأطباق من نار ومسامير من نار وعمد من نار فتطلق عليهم بتلك الأطباق وتشد عليهم بتلك المسامير وتمد بتلك العمد فلا يبقى فيها خلل يدخل فيه روح ولا يخرج منه غم) كل ذلك عقابا لهم على همزهم ولمزهم وجمعهم للمال وتعداده والتفاخر به على عباد الله الضعفاء وقد حذر هؤلاء في الحياة الدنيا بما جاءهم به من عند الله أنبياء الله ورسله عليهم السلام فلم تزدهم آيات الله إلا عنادا وإصرارا على مواصلة المعصية كفرا بالله وتكذيبا لرسله وعدوانا وظلما لعباد الله بألسنتهم وأعينهم وأيديهم وكل ما عندهم من حول وطول لم يعتبروا بالموت إلى أن باغتهم فتركوا كل ما جمعوه وراء ظهورهم فويل لهم ثم ويل لهم مما أعده الله لهم من شديد العذاب وأليم العقاب نسال الله تبارك وتعالى أن يهدينا إلى الصراط المستقيم وأن يجنبنا الوقوع فيما يغضبه من قول أو فعل انه سبحانه وتعالى سميع مجيب.



الكلمات الشائعة

 

الأستاذ محمد صلاح الدين المستاوي

خريج جامعة الزيتونة كلية الشريعة قسم الفقه وأصول الفقه : الليسانس وشهادة الدراسات المعمقة في موضوع : شروح الموطأ باحث بجامعة أكسان برفانس مرسيليا فرنسا من 2001-2002 إلى 2008-2009

الكلمات الشائعة

العنوان

28 نهج جمال عبد الناصر –تونس
+216 71 43 21 33
+216 71 32 71 30

أحدث المقالات

2026-01-25

الاسلام: حقائق وأعلام ومعالم

موقع الشيخ محمد صلاح الدين المستاوي عضو المجلس الإسلامي بتونس وخريج جامعة الزيتونة (كلية الشريعة وأصول الدين) يتضمن تعريفا بالشيخ والده الحبيب المستاوي رحمه الله وهو احد علماء الزيتونة ودعاة الإسلام حيث سيجد المتصفح لهذا الموقع فقرات من أعماله.