في رحاب القرآن: تفسير سورة “القارعة”: مصير من ثقلت وخفت موازين أعمالهم
بسم الله الرحمان الرحيم يقول الله تعالى (القارعة ما القارعة وما أدراك ما القارعة يوم يكون الناس كالفراش المبثوث وتكون الجبال كالعهن المنفوش فأما من ثقلت موازينه فهو في عيشة راضية وأما من خفت موازينه فأمه هاوية وما أدراك ما هي نار حامية) صدق الله العظيم سورة القارعة من السور المكية والقارعة هي الساعة والقيامة، وهي النهاية المرعبة والمفجعة لهذه الدار الفانية الدنيا التي جعل الله لها نهاية تنتهي إليها والتعبير بالقارعة المفرقة المفزعة في آيات كتاب الله العزيز جاءت في هذه السورة جاعلة من كلمة القارعة المنطلق الكلمة الأولى المكررة أكثر من مرة (القارعة ما القارعة وما أدراك ما القارعة) تنبيه وتحذير فيه من التهويل والتخويف ما لا يخفى بيانه عل أحد يشد إليه كل عاقل بصير. انه استفهام ما يريد الله تبارك وتعالى أن ينبه إليه عباده المؤمنين يريد ذلك جلاء وأهمية وهذا الأسلوب في القرآن معتاد (الحاقة ما الحاقة وما أدراك ما الحاقة)، أسلوب بليغ مؤثر في النفس محرك للسواكن دافع إلى التدبر والاعتبار وعدم الإخلاد إلى الدنيا والغفلة عن حقيقة أنها دار فانية وأنها إلى زوال مهما أقبلت وأبدت زينتها وبهارجها ومغرياتها. والتحذير من فناء الدنيا وزوالها وحتمية الرحيل عنها وان الساعة آتية لا ريب فيها ليس فيه ادني مناقضة لدعوة الإسلام للمسلم كي لا ينسى نصيبه من الدنيا (وابتغ فيما أتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا) (قل من حرم زينة الله التي اخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة والدنيا) فالمسلم يعمل لدنياه كأنه يعيش أبدا ويعمل لآخرته كأنه يموت غدا وعمل المسلم لدنياه يمكن أن لا يكون على حساب آخرته إذ المطلوب منه هو أن لا يغفل عما ينتظره من رحيل عن هذا العالم. فإذا كان مؤديا لما فرض الله عليه وإذا ما اجتنب ما يغضب الله مما حرمه على عباده فان دنياه عند ذلك لن تكون ضرة لآخرته، ستكون هذه الدنيا في يده ولن تكون متمكنة من قلبه حاجبة له عما ينتظره مما لا محالة منه. * (يوم يكون الناس كالفراش المبثوث وتكون الجبال كالعهن المنفوش) عندما تقوم الساعة في يوم أهواله لا يمكن وصفها وإن كان القرآن صور بعض أحوال الناس في ذلك اليوم انه يوم تشيب له الولدان وتضع فيه ذوات الأحمال أحمالها وتذهل المرضعات عمن ترضع، فالناس الذين يطغون ويتجبرون يصبحون عند قيام الساعة التي تأتي بغتة كالفراش المبثوث وهو الطير الذي يتساقط في النار، الفراش المبثوث المتفرق المنتشر، انه فراش الغوغاء الذي يركب بعضه البعض، تلك هي أحوال الناس عند قيام الساعة تذهب أهوالها بعقولهم حتى يصبحوا كالفراش الذي لا يعقل فيترامون على بعضهم البعض لا وزن للناس ولا ثقل لهم. وحتى الجبال الراسية العالية الثابتة التي لا تؤثر فيها الرياح الزوابع والمياه الجارفة ومع ذلك فان هذه الجبال تصبح كالعهن المنفوش أي الصوف وهل هنالك اخف من الصوف بعد أن يغسل ويصبغ؟ كذلك الجبال الراسية الشامخة تصبح لا وزن لها فلا تثبت ولا تصمد أمام أهوال القيامة عندما تقوم. * (فأما من ثقلت موازينه فهو عيشة راضية) الموازين جمع ميزان وهو ميزان الأعمال فمن ثقلت كفة الحسنات في ميزان أعماله فهو في عيشة راضية، إنها عيشة الهناء التي تأتي لصاحبها الذي أحسن العمل في الدنيا راضية مطيعة، إنها عيشة النعيم الذي استحقه صاحبه وما أكثر ما تحدث القرآن الكريم وآياته البينات عن هذه العيشة الراضية فكل شيء في هذه العيشة متاح وفي المتناول فبمجرد ما تشتهي أنفس أصحاب العيشة الراضية لأي شيء إلا ويجعله الله تبارك وتعالى قريبا منهم فقطوف الجنة دانية وعيونها يفجرها أصحاب من ثقلت موازينهم بالحسنات تفجيرا إنها الجنة ونعيمها التي فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على بال بشر. * (وأما من خفت موازينه فأمه هاوية وما إدراك ماهية نار حامية) من خفت موازينه من الحسنات ورجحت بها كفة السيئات فهؤلاء أمهم هاوية في جهنم فهم يهوون إلى قعرها يقبعون فيها على أم رؤوسهم يتساقطون اثر بعضهم البعض. * (وما أدراك ماهية) ما أدراك ما نار جهنم إنها الجحيم الذي لا يطاق ولا يحتمل نار لا تشبه نار الدنيا ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال “ناركم هذه التي يوقد ابن آدم جزء من سبعين جزءا من حر جهنم” قالوا: والله إن كانت لكافيه يا رسول الله قال: فإنها فضلت عليها بتسعة وستين جزءا كلها مثل حرها، نسال الله تبارك وتعالى أن يجعلنا ممن ثقلت موازينه فهم في عيشة راضية ولا يجعلنا ممن خفت موازينهم فهم في الهاوية تلك النار الحامية وقانا الله من عذابها انه سبحانه وتعالى رؤوف رحيم غفور عفو حليم.