في رحاب القرآن: تفسير الآية 90 من سورة النحل: آية الامتثال للخير والاجتناب للشر
يقول الله تعالى: “إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلم تذكرون”. صدق الله العظيم “الآية 90 من سورة النحل” هذه الآية الكريمة من جوامع كلام الله البليغ الموجز في عباراته، الغني في معانيه وما يشتمل عليه من هدي قويم. وقبل التعرض إلى بعض هذه المعاني نورد للقارئ بعض ما ورد في تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن) من مأثور الأقوال. فقد روي عن عثمان بن مظغون انه قال: لما نزلت هذه الآية قرأتها على علي بن أبي طالب رضي الله عنه فتعجب فقال: يا آل طالب اتبعوه تفلحوا فوالله إن الله أرسله ليأمركم بمكارم الأخلاق. وفي حديث أن أبا طالب لما قيل له: إن ابن أخيك زعم أن الله انزل عليه (إن الله يأمر بالعدل والإحسان) إلى آخرها فقال: يا ابن أخي أعد فأعاد عليه فقال (والله إن له لحلاوة وان عليه لطلاوة وان أصله لمورق وأعلاه لمثمر وما هو بقول بشر). وذكر الغزنوي أن عثمان بن مظعون هو القارئ قال عثمان ما أسلمت ابتداء الإحياء من رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزلت هذه الآية وأنا عنده فاستقر الإيمان في قلبي فقراتها على الوليد بن المغيرة فقال: يا ابن أخي اعد فأعدت فقال: والله إن له لحلاوة وذكر تمام الخبر. وقال ابن مسعود: هذه اجمع آية في القرآن لخير يمتثل وشر يجتنب. وحكى النقاش قال: "يقال زكاة العدل الإحسان وزكاة القدرة العفو، وزكاة الغنى المعروف، وزكاة الجاه كتب الرجل إلى إخوانه.وفي تأويل العدل والإحسان أورد القرطبي أقوالا عديدة نورد بعضها تعميما للفائدة. قال ابن عباس رضي الله عنهما العدل: لا إله إلا الله والإحسان في آداء الفرائض. وقيل العدل الفرض والإحسان النافلة. وقال سفيان بن عيينة: العدل هاهنا استواء السريرة، والإحسان أن تكون السريرة أفضل من العلانية. وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: العدل الإنصاف والإحسان التفضل.وقال ابن عطية العدل هو كل مفروض من عقائد وشرائع في أداء الأمانات وترك الظلم والإنصاف وإعطاء الحق. والإحسان هو فعل كل مندوب إليه. قال ابن العربي: العدل بين العبد وربه إيثار حقه تعالى على حظ نفسه وتقديم رضاه على هواه والاجتناب للزواجر والامتثال للأوامر، وأما العدل بينه وبين نفسه فمنعها مما فيه هلاكها قال الله تعالى ونهى النفس عن الهوى) وغروب الأطماع عن الأتباع ولزوم القناعة في كل حال ومعنى. وأما العدل بينه وبين الخلق فبذل النصيحة وترك الخيانة فيما قل وكثر والإنصاف من نفسك لهم بكل وجه ولا يكون منك إساءة إلى احد بقول ولا فعل لا في سر ولا في علن والصبر على ما يصيبك منهم من البلوى واقل ذلك الإنصاف وترك الأذى أتيت بهذه المقول المأثورة التي أوردها القرطبي عند تفسيره لهذه الآية الكريمة تعميما للفائدة وهي كما يرى القارئ معبرة عن معان لا تضيق بها الآية الكريمة (إن الله يأمركم بالعدل والإحسان). * والعدل والإحسان قيمتان عظيمتان من قيم الإسلام الأخلاقية السامية الخالدة والتي نادت بها كل الأديان السماوية والمواثيق الأخلاقية والحضارية الإنسانية. وللإسلام فضل السبق في تأكيدها والأمر بها وكذلك المبادرة إلى تجسيمها في حيز الواقع السلوكي الأخلاقي من طرف المسلمين وبالخصوص السلف الصالح رضي الله عنهم الذين كانوا حريصين على تجسيم قيم الإسلام السامية تحقيقا لمرضاة الله سبحانه وتعالى. والإحسان الوارد الأمر به في الآية الكريمة مع الأمر بالعدل، الإحسان كما عرفه رسول الله صلى الله عليه وسلم إجابة عن سؤال جبريل عليه السلام (اخبرني عن الإحسان) قال له: (الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فان لم تكن تراه فانه يراك). والإحسان هو مقام مراقبة الله في كل شيء والارتفاع بالعمل الصالح إلى درجة سامية عالية رفيعة هي درجة الإخلاص لله رب العالمين (وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين). لقد كتب الله على المسلم الإحسان في كل شيء (إذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة) قولا وفعلا حتى إذا ذبح ذبيحته فانه مأمور بأن يحسن ذبحها ولا يعذب ذبيحته. قال تعالى (وإيتاء ذي القربى) وذوي القربى من ذوي الأرحام من وصلهم وصله الله ومن قطعهم قطعه الله. قال تعالى (وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي) الفحشاء هو كل قبيح قال ابن عباس هو الزنى والمنكر ما أنكره الشرع والبغي: الكبر والظلم والحقد والتعدي فمن امتثل لأمر ربه الوارد في هذه الآية (إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون). من امتثل فقد تذكر وتدبر واعتبر ومن لم يمتثل فقد بغى وحاد عن الطريق القويم وحينئذ فلا يلومن إلا نفسه.