في رحاب القرآن: تفسير الآية 41 من سورة الروم: هدي الإسلام في الحفاظ على البيئة والمحيط ونهيه عن الفساد في البر والبحر...
يقول الله تعالى: “ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون”. صدق الله العظيم. الآية 41 من سورة الروم اخترت هذه الآية من سورة الروم لتقريب معانيها والانطلاق منها للحديث عن موضوع هام هو موضوع الساعة هو الشغل الشاغل للحكومات والدول والهيآت والمنظمات الإقليمية والدولية وكذلك الجمعيات وحتى الأفراد ألا وهو موضوع البيئة التي هي كل ما يحيط بالإنسان في الكون من كائنات حية وغير حية من نبات وحيوان وتربة وماء وهواء وغير ذلك مما خلقه الله وبثه في الكون وسخره للإنسان لكي تهنأ حياته وتتحقق كل حاجاته. والإنسان مدعو في الإسلام وفي كل رسالات السماء وحتى في المذاهب والمواثيق الوضعية إلى حسن التعامل مع ما وهبه الله وما سخره له وأن يكون ذلك التصرف برشد ومسؤولية، كما انه على الإنسان أن لا يفسد في الأرض كما عبر عن ذلك القرآن في نفس هذا السياق أن لا يهلك الحرث والزرع. (ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس) ما أروعه وابلغه من تعبير قرآني في كلمات قليلة صورت واقعا آل إليه البر والبحر حيث ظهر فيهما الفساد وقد كان البر والبحر قبل أن يفعل بهما الإنسان ما فعل على أحسن الأحوال وأجملها بحيث يجد فيهما الإنسان كل ما يحتاج إليه وما فيه صلاحه وفلاحه يتجلى فيها التسخير الذي هو مظهر من مظاهر العناية والرحمة الإلهية. وكالعادة فإن القرطبي في تفسيره لهذه الآية أورد العديد من الأقوال في معنى الفساد والبر والبحر حيث قال قتادة والسدّي: الفساد الشرك وهو أعظم الفساد وقال ابن عباس وعكرمة ومجاهد فساد البر قتل ابن آدم أخاه (قابيل قتل هابيل) وفي البحر بالملك الذي كان يأخذ كل سفينة غصبا، وقيل الفساد القحط وقلة النبات وذهاب البركة ونحوه وقال ابن عباس: هو نقصان البركة بأعمال العباد كي يتوبوا وقيل: إن الفساد في البحر انقطاع صيده بذنوب بني آدم وقال عطية فإذا قل المطر قل الغوص عنده واخفق الصيادون وعميت دواب البحر وقال ابن عباس: إذا أمطرت السماء تفتحت الأصداف في البحر فما وقع فيها من السماء فهو لؤلؤ. وقيل: الفساد كساد الأسعار وقلة المعاش، وقيل الفساد المعاصي وقطع السبيل والظلم أي صار هذا العمل مانعا من الزرع والعمارات والتجارات والمعنى كله متقارب قال القرطبي: والبر والبحر هما المعروفان المشهوران في اللغة وعند الناس انظر الصفحة 40 من الجزء الرابع عشر من تفسير الجامع لأحكام القرآن. أوردت كالمعتاد الأقوال المأثورة وهي كما يرى القارئ لا تضيق بها الآية الكريمة من كلام الله العزيز القرآن الكريم الذي لا تنقضي عجائبه ولا يمل على كثرة الرد ويبعث يوم القيامة وهو بكر كأن المفسرين والعلماء لم يستخرجوا منه شيئا، انه القرآن الكريم وآياته البينات التي قال الله تعالى في حقها (سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم انه الحق) صدق الله العظيم. هذه الآية الكريمة من الإعجاز العلمي والغيبي للقرآن الكريم وفي عصرنا الحاضر تنطبق هذه الآية (ظهر الفساد في البر والبحر) على الكرة الأرضية بما تعانيه برّا وبحرا وجوّا من مخاطر تتهدد ليس فقط المحاصيل وما فوق الأرض وتحتها وما في البحار وأعماقها وفي الأجواء بطبقاتها بل تتهدد الإنسان نفسه لأجل ذلك تعالت صيحات الفزع ونداءات الاستغاثة من أجل إنقاذ ما يمكن إنقاذه مما هو ضروري ولا بد منه للإنسان في حاضره وللأجيال القادمة في المستقبل. إن ما خلقه الله وما بثه في الكون كاف لحاجات الإنسان وحتى كمالياته ولكن عدم تصرف الإنسان برشد ومسؤولية وإتباعه لأهوائه ونفسه الأمارة بالسوء جعل الإفساد يعم ولا تسلم منه البيئة بكل مكوناتها بل إن هذا الفساد يتهدد الإنسان في وجوده وفي صحته وسلامته لذلك تأسست الهيآت الدولية والمنظمات العالمية المختصة بالبيئة على مستوى كل الدول فضلا عن إحداث الجمعيات المتمحظة للدفاع عن البيئة وحمايتها من كل مظاهر الإفساد المعبر عنه بالتلوث وسنت القوانين والتشريعات في كل البلدان وأحدثت الجوائز والمكارم لتشجيع التنافس في هذا المجال ومع ذلك فإن الفساد في البر والبحر لا يزال باديا ظاهرا للعيان وكثيرا ما يكون الأقوياء من الدول وغيرها هم من يفسدون أكثر ويلوثون أكثر، كل ذلك بسبب الجشع والجري وراء الربح العاجل ولو على حساب الآخرين الذين هم الأكثر والأغلب وما أكثر المؤتمرات والندوات على مختلف الأصعدة التي تشهدها كل العواصم وحتى المدن وموضوع لقاءاتها هو الحفاظ على البيئة والمحيط أي البر والبحر الذين لم يبقيا على ما خلقهما الله للإنسان يطيب ويهنا فيهما العيش. (ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس) ما أوضحه وأجلاه من بيان تحميل الله تبارك للناس مسؤوليات أعمالهم، فالناس هم من أحدثوا هذا الفساد، إنهم هم من سعوا بأيديهم إلى إهلاك الحرث والزرع لم يظلمهم ربهم الذي يقول في الحديث القدسي (يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم حراما فلا تظالموا) انه سبحانه وتعلى يقول: (وما ظلمناكم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون) الإنسان هو الذي يعيث في الأرض فسادا، كل ذلك لأنه حاد عن الطريق المستقيم هذا الطريق الذي من خصوصياته أن سالكه يمشي على الأرض هونا، وأنه يميط الأذى عن طريق وتلك شعبة من شعب الإيمان. الإنسان السالك للطريق المستقيم هو من يسلم الناس من لسانه ويده، والإنسان السالك للطريق المستقيم هو من يسترشد بما يوجهه به قادته حتى وهو خارج للفتح أي للقتال حيث يقولون: (لا تقطعوا الأشجار لا تقتلوا الحيوان لا تقتلوا النساء والشيوخ والأطفال ستجدون أناسا نذروا أنفسهم في صوامع لعبادة الله فاتركوهم وما نذروا أنفسهم إليه) إن هدي الإسلام في الحفاظ على البيئة بكل مكوناتها ينهى عن التبول في الماء الراكد وفي الظل ويدعو إلى ترشيد استهلاك أحد أهم مكونات البيئة الذي هو الماء الذي جعله الله أصل الحياة ومصدرها (وجعلنا من الماء كل شيء حي) فقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تبذير الماء حتى في الوضوء حيث تعجّب من ذلك أحد الصحابة وقال (أفي الوضوء إسراف؟) فأجابه رسول الله (ولو كنت على نهر جار). يقول الله تعالى (ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون). إن الإنسان هو من يجني ما قدمت يداه فيذوق وبال أمره في عاجل حياته التي تصبح صعبة ضنكة مكلفة فيتعرض للأمراض والأوبئة وتتهدده الندرة كل ذلك بما قدمت يداه ولكنه وهذا بمفهوم المخالفة إذا هو استقام وكان حبيبا للبيئة والمحيط وكانت معاملاته وتصرفاته مسؤولة فإن الفائدة هو من يجنيها ويستفيد منها في عاجل حياته فإذا رأى المخاطر ولمس ما قدمت يداه من فساد وإفساد فاعتبر ورجع إلى الجادة والطريق المستقيم فإن ذلك من شانه بعد ذلك أن يحفظ نعم الله عليه ويديمها له.