في رحاب القرآن: تفسير الآية 2 من سورة الحجرات: في الأدب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم
يقول الله تبارك وتعالى: “يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وانتم لا تشعرون”. صدق الله العظيم-الآية 2 من سورة الحجرات هذه الآية الكريمة من سورة الحجرات تندرج ضمن آيات الأدب الذي ينبغي أن يتأدب به المسلم مع سيدنا محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم وقد توسع العلماء في بيان أبواب هذا الأدب الذي يجب على المسلم أن يلتزم به في كل احواله، لأن هذا الأدب الرفيع هو سبيل لتحقيق مرضاة رب العالمين الذي جعل أتباع سيدنا محمدا عليه الصلاة والسلام علامة حب الله (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله) بل إن حب رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يكون بدونه المؤمن مؤمنا (لا يكون احدكم مؤمنا حتى اكون أحب إليه من نفسه التي بين جنبيه) والمسلم لا يكون مسلما كامل الإسلام قوي الإيمان حتى يسلم لرسول الله صلى الله عليه وسلم (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما). ونجد في كتب عديدة منها (الشفا) للقاضي عياض ما يشفي الغليل فيما يتعلق بكيفية الأدب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. (يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي) روى البخاري والترمذي أن الأقرع بن حابس قدم على النبي صلى الله عليه وسلم فقال أبو بكر: يا رسول الله استعمله على قومه، فقال عمر: لا تستعمله يا رسول الله فتكلما عند النبي صلى الله عليه وسلم حتى ارتفعت أصواتهما فقال أبو بكر لعمر: ما أردت إلا خلافي، فقال عمر: ما أردت خلافك قال فنزلت هذه الآية (يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي) فكان عمر بعد ذلك إذا تكلم عند النبي صلى الله عليه وسلم لم يسمع كلامه حتى يستفهمه، وعن أبي مليكة: كاد الخيران أن يهلكا، أبو بكر وعمر. وفي الصحيحين عن انس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم افتقد قيس بن ثابت فقال رجل: يا رسول الله إنا اعلم لك علمه فأتاه فوجده جالسا في بيته منكسا رأسه فقال له: ما شأنك؟ فقال: شرّ، كان يرفع صوته فوق صوت النبي صلى الله عليه وسلم فقد حبط عمله وهو من أهل النار. فأتى الرجل النبي صلى الله عليه وسلم فاخبره انه قال كذا وكذا فقال موسى (وهو ابن انس، احد رجال سند الحديث) فرجع إليه المرة الآخرة ببشارة عظيمة فقال: اذهب إليه فقل له انك لست من أهل النار ولكنك من أهل الجنة. وقال عطاء الخرساني حدثتني ابنة ثابت بن قيس قالت: لما نزلت (يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي) الآية، دخل أبوها بيته وأغلق عليه بابه ففقده النبي صلى الله عليه وسلم فأرسل إليه يسأله ما خبره فقال: أنا رجل شديد الصوت أخاف أن يكون حبط عملي فقال عليه السلام: لست منهم بل تعيش بخير وتموت بخير قال ثم انزل الله (إن الله لا يحب كل مختال فخور) فأغلق بابه وطفق يبكي ففقده النبي صلى الله عليه وسلم فأرسل إليه فاخبره فقال: يا رسول الله إني أحب الجمال واحب أن اسود قومي فقال: لست منهم بل تعيش حميدا وتقتل شهيدا وتدخل الجنة قالت فلما كان يوم اليمامة خرج مع خالد بن الوليد إلى مسيلمة فلما التقوا انكشفوا فقال ثابت وسالم مولى أبي حنيفة: ما هكذا كنا نقاتل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم حفر كل واحد منهما حفرة فثبتا وقاتلا حتى قتلا وبقية قصة ثابت والكرامة التي جرت له بعد وفاته مفصلة في الصفحة 306 من الجزء السادس عشر من تفسير الجامع لأحكام القرآن. قوله تعالى (ولا تجهروا له بالقول) قال القرطبي لا تخاطبوه: يا محمد ويا احمد ولكن يا نبي الله ويا رسول الله توقيرا له. وقيل (لا تجهروا له) أي لا تجهروا عليه (كجهر بعضكم لبعض) قال أي لا تجهروا له جهرا مثل جهر بعضكم لبعض وفي هذا دليل على أنهم لم ينهوا عن الجهر مطلقا حتى لا يسوغ لهم إلا أن يكلموه بالهمس والمخافتة وإنما نهوا عن جهر مخصوص مقيد بصفة اعني الجهر بمماثلة ما قد اعتادوه منهم فيما بينهم وهو الخلو من مراعاة ابهة النبوة وجلالة مقدارها وانحطاط سائر الرتب وان جلت عن رتبتها (أن تحبط أعمالكم وانتم لا تشعرون) أي من اجل أن تحبط أي تبطل وقيل لئلا تحبط أعمالكم. * قال القرطبي: معنى الآية الأمر بتعظيم رسول الله صلى الله عليه وسلم وتوقيره وخفض الصوت بحضرته عند مخاطبته أي إذا نطق ونطقتم فعليكم ألا تبلغوا باصواتكم وراء الحد الذي يبلغه صوته، وان تغضوا منها بحيث يكون كلامه غالبا لكلامكم وجهره باهرا لجهركم حتى تكون مزيته عليكم لائحة وسابقته واضحة وامتيازه عن جمهوركم كشبه الأبلق لا أن تغمروا صوته بلغطكم وتبهروا منطقه بصخبكم... وقد كره العلماء رفع الصوت عند قبره عليه السلام وكره العلماء رفع الصوت في مجالس العلماء تشريفا لهم إذ هم ورثة الأنبياء. * قال القاضي أبو بكر بن العربي: حرمة النبي صلى الله عليه وسلم ميتا كحرمته حيا وكلامه الماثور بعد موته في الرفعة مثال كلامه المسموع من لفظه فإذا قرئ كلامه وجب على كل حاضر ألا يرفع صوته عليه ولا يعرض عنه كما كان يلزمه ذلك في مجلسه عند تلفظه به وقد نبه الله سبحانه على دوام الحرمة المذكورة على مرور الأزمنة بقوله تعالى (وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا) وكلامه صلى الله عليه وسلم من الوحي وله من الحكمة مثل القرآن إلا معاني مستثناة بيانها في كتب الفقه. * قال القرطبي وليس الغرض برفع الصوت ولا الجهر ما يقصد به الاستخفاف والاستهانة لان ذلكم كفر والمخاطبون مؤمنون وإنما الغرض صوت هو في نفسه والمسموع من جرسه غير مناسب لما يهاب به العظماء ويوقر الكبراء فيكلف الغض منه ورده إلى حد يميل به إلى ما يستبين فيه المأمور به من التعزيز والتوقير ولم يتناول النهي أيضا رفع الصوت الذي يتأذى به رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ما كان منهم في حرب أو مجادلة معاند أو إرهاب عدو أو ما أشبه ذلك. ففي الحديث انه قال عليه السلام للعباس بن عبد المطلب لما انهزم الناس يوم حنين (اصرخ بالناس) وكان العباس اجهر الناس صوتا يروى أن غارة أتتهم يوما فصاح العباس: يا صباحاه فأسقطت الحوامل لشدة صوته. قال القرطبي في قوله تعالى (إن تحبط أعمالكم وانتم لا تشعرون) بموجب أن يكفر الإنسان وهو لا يعمل فكما لا يكون الكافر مؤمنا إلا باختياره الإيمان على الكفر كذلك لا يكون المؤمن كافرا من حيث لا يقصد إلى الكفر ولا يختاره بإجماع كذلك لا يكون الكافر كافرا من حيث لا يعلم). انتهى ما أوردناه ملخصا من كلام القرطبي في الجامع لأحكام القرآن الجزء السادس عشر الصفحة 308 وما قبلها وفيما أورده من أحاديث وآثار وما قرره من أحكام تتعلق بكيفية التصرف في القول تماما مثل الفعل-مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ووجوب توخي الأدب الرفيع معه.