في رحاب القرآن: تفسير آيتين من سورة الحشر: صور من إيثار الأنصار رضي الله عنهم

في رحاب القرآن: تفسير آيتين من سورة الحشر: صور من إيثار الأنصار رضي الله عنهم


يقول الله تعالى: “والذين تبؤوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شحّ نفسه فأولئك هم المفلحون والذين جاؤوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم”. صدق الله العظيم .الآيتان 9 و10 من سورة الحشر هذان الآيتان من سورة الحشر وهي سورة مدنية روى ابن عباس رضي الله عنه قال: من قرأ سورة الحشر لم يبق شيء من الجنة والنار والعرش والكرسي والسماوات والأرض والهوام والريح والسحاب والطير والدواب والشجر والجبال والشمس والقمر والملائكة إلا صلوا عليه واستغفروا له فإن مات من يومه أو ليلته مات شهيدا خرجه الثعلبي. * وخرج الثعلبي عن يزيد الرقاشي عن انس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (من قرأ آخر سورة الحشر "لو أنزلنا هذا القرآن على جبل إلى آخرها فمات من ليلته مات شهيدا). * وروى الترمذي عن معقل بن يسار قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من قال حين يصبح ثلاث مرات أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم وقرا ثلاث آيات من آخر سورة الحشر وكل الله به سبعين ألف ملك يصلون عليه حتى يمسي وان مات في يومه مات شهيدا ومن قراها حين يمسي فكذلك) قال حديث حسن غريب أورد هذه النصوص القرطبي في تفسيره لسورة الحشر انظر الصفحة 1 من الجزء الثامن عشر. وهذان الآيتان من سورة الحشر (والذين تبؤوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم...) تصوران وتبينان بما لا لبس فيه ما لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من أنصار ومهاجرين من منزلة رفيعة ومكانة عالية. فالأنصار والمهاجرين هم من رضي الله عنهم وزكاهم ونزل على نبيه صلى الله عليه وسلم ما يحفظ على مر الزمان لهم هذه الخصوصية. (والذين تبؤوا الدار والإيمان) وهم الأنصار لا سواهم، أهل المدينة من الأوس والخزرج أولئك الذين استقبلوا أروع استقبال إخوانهم المهاجرين الذين تركوا الأهل والمال والديار. فقد أكرم الأنصار المهاجرين اكبر إكرام فالأنصار هم أهل الدار التي هي المدينة التي اختارها الله لرسوله الكريم عليه الصلاة والسلام مهاجرا ومستقرا وهم أهل الإيمان الذين صدقوا فيه وأعلنوه بتلقائية وصدق يقول القرطبي (والذين تبؤوا الدار والإيمان) ابتداء كلام في مدح الأنصار والثناء عليهم فإنهم سلموا ذلك الفيء للمهاجرين وكأنه قال: الفيء للفقراء المهاجرين والأنصار يحبون لهم لم يحسدوهم على ما صفا لهم من الفيء) الصفحة 21 من تفسير القرطبي. قال ابن وهب سمعت مالكا يذكر فضل المدينة على غيرها من الآفاق فقال: المدينة تبوأت بالإيمان والهجرة وان غيرها من القرى افتتحت بالسيف ثم قرأ (والذين تبؤوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم) الآية. قوله تعالى (ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا) عندما غنم رسول الله صلى الله عليه وسلم أموال بني النضير دعا الأنصار وشكرهم فيما صنعوا مع المهاجرين في إنزالهم إياهم في منازلهم وإشراكهم في أموالهم ثم قال (إن أحببتم قسمت ما أفاء الله علي" من بني النضير بينكم وبينهم وكان المهاجرون على ما هم عليه من السكنى في مساكنكم وأموالكم وان أحببتم أعطيتهم وخرجوا من دوركم فقال سعد بن عبادة وسعد بن معاذ: بل نقسمه بين المهاجرين ويكونون في دورنا كما كانوا ونادت الأنصار: رضينا وسلمنا يا رسول الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار) وأعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يعط إلا الثلاثة وهم ثلاثة نفر محتاجين (ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة) وفي سبب نزول هذه الآية أورد الترمذي عن أبي هريرة (أن رجلا بات به ضيف لم يكن عنده إلا قوته وقوت صبيانه فقال لامرأته: نومي الصبية وأطفئي السراج وقربي للضيف ما عندك فنزلت هذه الآية (ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة) قال حديث حسن صحيح. وخرج مسلم عن أبي هريرة قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إني مجهود فأرسل إلى بعض نسائه فقالت: والذي بعثك بالحق ما عندي إلا ماء ثم أرسل إلى الأخرى فقالت مثل ذلك حتى قلن كلهن مثل ذلك: لا والذي بعثك بالحق ما عندي إلا ماء. فقال: من يضيف هذه الليلة رحمه الله؟ فقال رجل من الأنصار فقال: أنا يا رسول الله فانطلق به إلى رحله فقال لامرأته: هل عندك شيء؟ قالت: لا إلا قوت صبياني قال فعلليهم بشيء فإذا دخل ضيفنا فأطفئي السراج واريه أنا نأكل فإذا أهوى ليأكل فقومي إلى السراج حتى تطفئيه فقال: فقعدوا وأكل الضيف فلما أصبح غدا على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: قد عجب الله عز وجل-من صنيعكما بضيفكما الليلة. والإيثار كما يعرفه القرطبي هو تقديم الغير على النفس وحظوظها الدنيوية ورغبة في الحظوظ الدينية وذلك ينشأ من قوة اليقين وتوكيد المحبة والصبر على المشقة يقال آثرته بكذا أي خصصته به وفضلته. وقد أورد القرطبي عديد النصوص في المدح والتنويه بالإيثار باعتباره خلقا رضيا ينال به صاحبه رضوان الله وحسن جزائه من ذلك ما ورد في الموطأ: انه بلغه (مالك) عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أن مسكينا سألها وهي صائمة وليس في بيتها إلا رغيف فقالت لمولاة لها: أعطيه إياه، فقالت ليس لك ما تفطرين عليه؟ فقالت أعطيه إياه قالت: ففعلت. قالت: فلما أمسينا أهدى لنا أهل بيت أو إنسان ما كان يهدى لنا: شاة وكفنها (أي إنها كانت ملفوفة بالرغف) فدعتني عائشة فقالت: كلي من هذا. فهذا خير من قرصك. قال علماؤنا: هذا من المال الرابح والفعل الزاكي عند الله تعالى يعجل منه ما يشاء ولا ينقص ذلك مما يدخر عنه. ومن ترك شيئا لله لم يجد فقده. وعائشة رضي الله عنها في فعلها هذا من الذين أثنى الله عليهم بأنهم يؤثرون على أنفسهم مع ما هم فيه من الخصاصة وان من فعل ذلك فقد وقي شح نفسه وافلح فلاحا لا خسارة بعده وروى النسائي عن نافع أن ابن عمر اشتكى واشتهى عنبا فاشتري له عنقود بدرهم فجاء مسكين فسأل فقال: أعطوه إياه. فخالف إنسان فاشتراه بدرهم ثم جاء به إلى ابن عمر فجاء المسكين فسأل فقال: أعطوه إياه ثم خالف إنسان فاشتراه بدرهم ثم جاء به إليه فأراد السائل أن يرجع فمنع ولو علم ابن عمر أنه ذلك العنقود ما ذاقه لأن ما خرج لله لا يعود فيه. وأورد القرطبي ذكر ابن المبارك قال اخبرنا محمد بن مطرف قال: قال حدثنا أبو حازم عن عبد الرحمان بن سعيد بن يربوع عن مالك الدار أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه اخذ أربعمائة دينار فجعلها في صره ثم قال للغلام: اذهب إلى أبي عبيدة بن الجراح ثم تلكأ ساعة في البيت حتى تنظر ماذا يصنع بها فذهب بها الغلام إليه فقال يقول لك أمير المؤمنين: اجعل هذه في بعض حاجتك، فقال وصله الله ورحمه ثم قال: يا جارية: اذهبي بهذه السبعة إلى فلان، وبهذه الخمسة إلى فلان حتى أنفذها فرجع الغلام إلى عمر فاخبره فوجده قد اعد مثلها لمعاذ بن جبل وقال: اذهب بهذا إلى معاذ بن جبل وتلكأ في البيت ساعة حتى تنظر ماذا يصنع فذهب إليه فقال: يقول لك أمير المؤمنين اجعل هذه في بعض حاجتك فقال: رحمه الله ووصله وقال: يا جارية اذهبي إلى بيت فلان بكذا وبيت فلان بكذا فاطلعت امرأة معاذ فقال: ونحن مساكين فاعطنا. ولم يبق في الخرقة إلا ديناران قد جاء بهما إليها فرجع الغلام إلى عمر فاخبره فسر بذلك عمر وقال: إنهم إخوة بعضهم من بعض.



الكلمات الشائعة

 

الأستاذ محمد صلاح الدين المستاوي

خريج جامعة الزيتونة كلية الشريعة قسم الفقه وأصول الفقه : الليسانس وشهادة الدراسات المعمقة في موضوع : شروح الموطأ باحث بجامعة أكسان برفانس مرسيليا فرنسا من 2001-2002 إلى 2008-2009

الكلمات الشائعة

العنوان

28 نهج جمال عبد الناصر –تونس
+216 71 43 21 33
+216 71 32 71 30

أحدث المقالات

2026-01-25

الاسلام: حقائق وأعلام ومعالم

موقع الشيخ محمد صلاح الدين المستاوي عضو المجلس الإسلامي بتونس وخريج جامعة الزيتونة (كلية الشريعة وأصول الدين) يتضمن تعريفا بالشيخ والده الحبيب المستاوي رحمه الله وهو احد علماء الزيتونة ودعاة الإسلام حيث سيجد المتصفح لهذا الموقع فقرات من أعماله.