في رحاب القرآن الكريم :لقد جاءكم رسول من أنفسكم...
بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على أفضل المرسلين يقول الله تبارك وتعالى بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: (لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم فان تولوا فقل حسبي الله لا اله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم) صدق الله العظيم هاتان الآيتان ختمت بهما سورة براءة وهما من الآيات التي نرددها كثيرا ونتبرك بتلاوتها وقد قيل أن من قرأها لم يمت في يومه ذلك أو ليلته تلك، ولعل لذلك صلة بما رواه أبو داود عن أبي الدرداء مرفوعا من قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (من قال حين يصبح وحين يمسي حسبي الله لا اله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم، سبع مرات كفاه الله ما أهمه من أمر الدنيا والآخرة) وإذا ما ثبت هذا الحديث فانه ينصرف إلى ما تحدثه تلاوة هذه الآية تبدلت في نفس التالي من تجاوب مع ما فيها وما تحدثه من اطمئنان وتفويض وتوكل سببهما إيمان عميق وتوحيد حق ولاشك أن كل ذلك بدايات لتحقيق الغايات، والاستراحة من الهموم والأحزان، ولكن أين هذه التلاوة وأين هذا التدبر والإيمان حتى تتحقق الاستراحة ويحصل الاطمئنان وكل مشروط لابد أن يكون متوقفا على حصول شرطه فإذا ما تحقق الشرط تحقق المشروط وإذا انتفى الأول انتفى الثاني تبعا له، وتبدأ الآية الأولى هكذا: (لقد جاءكم رسول من أنفسكم) إخبار محقق ومؤكد ببعث هذا الرسول الذي هو من جنس ونوع من أرسل إليهم أصالة لأنهم نقطة الانطلاق وبداية التجربة وتلك هي سنة كل إصلاح سماوي أو أرضي يبدأ الصالح بتحقيق الإصلاح في نفسه ثم يتوجه إلى عشيرته الأقربين: (وانذر عشيرتك الأقربين) ليمارس إصلاحه في من يعرفون أصله ومنشأه ويفهمون لهجته ويدركون نقط القوة والضعف من شخصيته حتى إذا ما تفاعلوا مع تعاليمه وانصهروا في حقائقها وانصهرت في تصرفاتهم، وجرت منهم مجرى العادة والخلق. وأصبحت جزءا من تلك المقدسات التي تصان وتحمي كالأوطان والأموال والأهل والكرامة الشخصية مثلا، اندفع غيرهم إلى اقتباسها منهم وأخذها عنهم واندفعوا هم إلى التبشير بها والدفاع عنها، لأنها في نظرهم حق الله وسعادة البشرية ورسالة الأمن والسلام والمحبة، وبهذا التحليل يمكن أن يتحقق الاتصال بين النظرتين اللتين اخذ بكل واحدة منهما جماعة من المفسرين، لان منهم من حمل كلمة من أنفسكم في قوله جل من قائل: (لقد جاءكم رسول من أنفسكم) على العرب خاصة فجعل الدعوة تتوجه لهم أصالة، وتتوجه منهم مباشرة وبالتبعية إلى غيرهم من بقية الأجناس الأخرى، ضرورة أن القرآن نزل بلغتهم ومارس عوائدهم وأخلاقهم أكثر من ممارسته لعوائد الأمم الأخرى وأخلاقها، أما النظرية الثانية فإنها تجعل كلمة من أنفسكم شاملة لعموم البشر، فتكون لنفي إرسال الرسول إلى الملائكة. ويكون من إقامة الحجة عليهم في أن ما يأتي به الرسول وما يفعله وما يقوم به ليس من الأمور الغريبة المعجزة التي تناقض الطبع البشري أو تعطل النواميس البشرية والكونية، ولكل من النظريتين نظائر من كتاب الله. فالأولى على حد قوله: (هو الذي بعث في الأمين رسولا منهم) والثانية على حد قوله: (أكان للناس عجبا إن أوحينا إلى رجل منهم) أما النظرية التي اخذ بها الإمام جعفر الصادق والإمام محمد الباقر والتي هي متفرعة عن قراءة من قرأ من أنفسكم من النفاسة فهي بعيدة من جهتين أولا تبعيض هذه النفاسة وثانيا أن النفاسة إنما توصف بها غالبا الأشياء لا الأشخاص والقرآن يلتزم أفصح اللغات وابلغ الأساليب حتى لا ينزل عن حد الإعجاز الذي بلغه والتزمه من أول آية إلى آخر آية ثم إن في كلمة من أنفسكم من اللطف والعذوبة ما لا يحس به إلا من تذوق أسرار العربية وتشوف إلى لطائفها أي توحي بداهة بمعنى التودد والقرب والحنان والمحبة حتى أن هذا الرسول يؤلمه كل ما يؤلمكم ويسعده جميع ما يسعدكم لأنه واحد من الأسرة أب وأخ وابن بل انه اقرب إليكم من جميع هؤلاء لأنه جزء من أنفسكم ولذا فانه حري بان يوصف بالأوصاف الآتية وهي: (عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم).