في الردّ على من دعا إلى هدم الكعبة ومن دعا إلى بناء كعبة في سيناء!!
تطالعنا بين الفينة والأخرى وسائل الإعلام المكتوبة والمسموعة والمرئية بآراء غريبة يلاحظ فيها الإثارة التي تصل إلى درجة إحداث الصدمة القوية ويتعلق الأمر بالخصوص بماله صلة بالعقيدة والدين وهذا الأمر ملحوظ بصفة خاصة بالنسبة للمسلمين الذين يمثل الدين لديهم أحد الثوابت التي اعتادوا على مختلف أصعدتهم التثبت والتروي فيها وجعلها فوق ما يختلف فيه ويتنازع عليه، وقد رسخ هذه النظرة إلى الدين بمختلف مقوماته ورموزه أن المسألة الدينية في أدق دقائقها قد بت فيها بالنص الصريح الموثق والمحفوظ والذي هو القرآن الكريم، إذ لا يوجد نص ديني غير القرآن توفرت له كل أسباب الحفظ بعهد الهي سابق (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) وبتيسير لهذا الحفظ مرئي ومشهود وملموس يتمثل في هذا السند المتصل للحفاظ للقرآن منذ التنزل الأول في غار حراء والى أن يرث الله الأرض ومن عليها يقول جل من قائل (ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدّكر)؟ فما يبرز بين الفينة والأخرى من آراء شاذة مصادمة ومتعارضة مع ما ظل محل اتفاق وإجماع بين كل مكونات الأمة الإسلامية على مختلف مذاهبها وفرقها لا ينبغي أن يزعجنا أو يربكنا فهي موجات عابرة محكوم عليها مسبقا بأن لا تدوم (أما الزبد فيذهب جفاء) وليس من قبيل الصدفة أن يتحقق هذا الإجماع على ما هو من قبيل الثوابت في العقيدة والعبادة والرموز ذات الصلة الوثيقة بالدين. والكعبة التي استهدفت في الأيام الأخيرة مثلما يستهدف القرآن الكريم ويستهدف الرسول صلى الله عليه وسلم، الكعبة هي أول بيت وضع للناس وقد أمر بإقامة أركان الكعبة نبيان هما سيدنا إبراهيم وابنه سيدنا اسماعيل عليهما السلام كما أمرا بتطهيرها وأمر إبراهيم الخليل عليه السلام بان يؤذن في الناس بالحج (وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ظامر يأتين من كل فجّ عميق) فكان الآذان من إبراهيم وكانت الإقامة الفعلية لهذه الشعيرة كما يريدها الله على يدي سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام (ولله على الناس حج البيت لمن استطاع إليه سبيلا) هذا الحج الذي بينه رسول الله صلى الله عليه وسلم بفعله وقال (خذوا عني مناسككم فلعلكم لا تلقوني بعد عامكم هذا). والحج لا يكون إلا في مكة والطواف لا يكون إلا حول هذا البيت العتيق، بيت الله الحرام إذ لا تشدّ الرحال إلا إليه والى المسجد النبوي والمسجد الأقصى فالحج بما فيه من طواف حول الكعبة وسعي بين الصفا والمروة ووقوف بعرفة ونزول بمزدلفة ورمي للجمرات في منى في حالة إحرام يحظر فيها على المحرم الكثير من المباحات عادة (لبس المخيط والمحيط والتمتع بالطيبات وغير ذلك مما هو مفصل ومما هو منقول النقل العملي التطبيقي المتواتر) والذي الشأن فيه الإتباع لا الابتداع ولا مجال فيه للتشهي مهما كانت الدوافع حتى ولول كان ذلك الخشية من الوقوع في المحظور مثل ما ذهب إلى ذلك من نادى أخيرا بهدم الكعبة!! وأظنه يقصد هدم ما يحيط بالكعبة مما بني من فضاءات يتقى بها الحرّ والقرّ. وأنا لا أريد أن ابتغي لصاحب دعوة هدم الكعبة العذر إذ كان عليه أن يحرر عبارته وماذا يقصد بالضبط لا أن يترك الأمر هكذا على إبهامه وعمومه مما إذا كان يقصده ويعنيه لا قدر الله فانه لا يختلف بذلك عن أبرهة الذي سيّر جيشا من الفيلة وسار من جنوب الجزيرة في اليمن نحو الكعبة ليهدمها بدعوى أنه بنى للناس بيتا في اليمن ينبغي الحج إليه، وقد أعمى الجهل والطغيان بصيرته ولم يعتبر حتى بنصح عبد المطلب له عندما قال له (أنا ربّ الإبل وللبيت ربّ يحميه) ونعلم جميعا مصير أبرهة كيف أصبح أثرا بعد عين إذ أرسل الله عليه طيرا أبابيل جعلته وجيشه كعصف مأكول. والكعبة المشرفة بيت الله الحرام لا يريدها احد بظلم إلا كان مصيره الهلاك قال جل من قائل (من يرد فيه بالحاد بظلم نذقه من عذاب اليم) من دخل هذا البيت كان آمنا فالدعوة إلى هدم الكعبة كبرت كلمة تخرج من فم قائلها هذا الداعي الدعيّ!! لا يمكن أن يصيخ إليها سمع أي مؤمن مهما كانت درجة إيمانه. فلقد كان الاختلاط في الطواف حول الكعبة والصلاة عندها منذ أن كان الحج وكانت الصلاة والطائفون والناظرون والمعتكفون في بيت الله الحرام نساء ورجالا من كل الأجناس في حالة عبادة لا يتصور أن ترقى إلى درجتها أية عبادة وكفى دليلا على ذلك الأجر والثواب الكبير الذي أعده الله لضيوفه (الأجر يتضاعف مائة ألف مرة) فالجميع مشغولون بتحصيل هذا الأجر والثواب، إنهم في حالة إحرام وحضور كبير مع رب البيت العتيق، فالقول بإمكانية الوقوع في المعصية جراء هذا الاختلاط الذي لا مفر منه ولا بدّ منه وقد كان كذلك على مر العصور وبإقرار كل السلف الصالح الذين لا يتصور سكوتهم على محرّم ومنكر، هذا القول منكر ولا موجب له وهو تنطعٌ وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (هلك المتنطعون) ولا يتصور أن يجاري أحد من المسلمين هذه الدعوة الغريبة وما أكثر الغريب العجيب في هذا الزمان خصوصا في مجال الدين الشديد الحساسية. وأمثال هؤلاء الأدعياء سيزداد عددهم وهم يدعون الغيرة على الدين والحرص على مصلحته كما لو أنهم أعلم واعرف ممن بعث بهذا الدين ليبينه للناس سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام وهو الذي لم يترك شرا وضررا إلا وسدّ منافذه ولا خيرا إلا وفتح أبوابه بما أوحى به الله إليه (وما ينطق عن الهوى). سيظل هؤلاء الدعاة الأدعياء يفاجؤونا ويصدموننا بالآراء الغريبة التي تستهدف عقيدتنا في ثوابتها ما لم تنهض الهيآت العلمية الدينية والتي هي مرجع النظر في هذا المجال الحساس والدقيق اعني بها المجامع الفقهية والمجالس الإسلامية ودور الإفتاء بمهمتها على أتم وجوهها فتسد الفراغ وتقدم الإجابات الشافية الضافية المقنعة بالنقل وبالعقل وأن يكون لها وحدها في رأي جماعي بعيدا عن الاجتهادات الفردية التي كثيرا ما يكون فيها الهوى هو الغالب يكون لها القول الفصل، وينبغي لهذه الهيآت العلمية الدينية أن تجد من كل الأطراف التعاون الكامل سواء كانوا ولاة الأمور أو وسائل الإبلاغ والاتصال التي لا ينبغي عليها أن تحتضن هذه الآراء الشاذة والغريبة ولا يجوز لها أن تفسح لها المجال لأنها بذلك تساهم في زعزعة الثوابت من حيث لا تدري مهما كانت المبررات المادية ومهما كانت الشعارات المرفوعة كحرية الرأي والقول، فاحترام الاختصاص والمواثيق والضوابط من أسس التمدن والتحضر والتعايش وما هو ضدّ ذلك ففوضى وانحراف وعدوان ينبغي عدم السماح به. أما من ينادون بتحويل الكعبة إلى مكان آخر وهم أيضا ليسوا من أهل الاختصاص ولا من ذوي الغيرة الدينية ممن يدعون التنوير والعقلانية ومواجهة الظلامية والرجعية والتعصب والتطرف وقد راجت بضاعة هؤلاء والذين منهم هذا الذي دعا إلى بناء كعبة في سينا!! تحل محل الكعبة التي في مكة المكرمة متصورا أن المسألة بالهوى والتخمين والحسابات البشرية متجاهلا أو متناسيا أن الأمر بيد الله وحده فالكعبة ستظل هناك في مكة قبلة المسلمين في صلواتهم ومطافهم في حجهم وآداء مناسكهم. إن هذه الدعوات من هنا وهناك لن تغير من الأمر شيئا وأنها مردودة على أصحابها ولله الأمر من قبل ومن بعد.