سيرة رسول الله معين لا ينضب وهدي قويم لصلاح العاجل والآجل
إن أفضل ما يتقرب به إلى الله بعد أداء ما فرض على عباده هو نشر هدي رسول الله وخلقه بين الناس حتى يقتدوا به وينهلوا من معينه العذب ويتحقق لهم صلاح الأحوال في العاجل والفوز في الأجل. فهو صلى الله عليه وسلم الأسوة، وهو القدوة، وهو المثل الأعلى لكل مسلم ومسلمة، وإتباعه هو علامة الحب لله “قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله” الآية 31 سورة آل عمران. وكيف لا يقتدي به عليه الصلاة والسلام وقد خلقه الله مبرأ من كل عيب كأنه خلق كما يشاء. أدبه ربه فأحسن تأديبه ومدحه لعباده فقال في حقه (وانك لعلى خلق عظيم) والأخلاق في دين محمد صلى الله عليه وسلم عبادة وقربة من اجل القربات إلى الله، إنها ثالثة الثلاثة تأتي مباشرة بعد الإيمان بالله وعدم الإشراك به وعبادته لتأخذ المرتبة الثالثة مشتملة على أوجه متعددة للتعامل ودوائر تتسع شيئا فشيئا بداية بالوالدين وذوي الأرحام ثم الأجوار والشركاء وسائر المسلمين والبشر أجمعين وما خلق الله في كونه من حيوانات ونباتات وجمادات. وتفصيل هدي الإسلام في تعامل المسلم وتصرفه في كل هذه الدوائر لا يمكن أن نحيط به، ولقد ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم في كل هذه الدوائر أروع الأمثلة وأجملها وأقربها إلى الكمال، لقد كانت كل معاملاته عليه الصلاة والسلام تجسيما لهديه ولما دعا إليه الناس وقد حرص عليه الصلاة والسلام على أن يكون داعيا إلى الإسلام بفعله قبل قوله وما كان عليه الصلاة والسلام يأمر أصحابه بشيء إلا وقد أتاه قبلهم، وما كان عليه الصلاة والسلام ينهاهم عن أمر إلا وقد سبقهم إلى الانتهاء عنه. وكم كانت السيدة عائشة رضي الله عنها على حكمة وصواب وروية عندما أجابت من سألها عن خلقه عليه الصلاة والسلام فقالت: “كان خلقه القرآن” بعبارة أخرى كان عليه الصلاة والسلام قرآنا يمشي على الأرض ولحكمة أرادها الله تبارك وتعالى، وإقامة للحجة على الناس حتى لا يتعللوا بالعجز والضعف بعث الله سيدنا محمدا صلى الله عليه وسلم بشرا سويا “لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم” إنسان عادي سوي يمشي في الأسواق بين الناس ويأكل الطعام يجوع كما يجوعون يتألم كما يتألمون. يفرح كما يفرحون ويحزن كما يحزنون ومع ذلك فانه عليه الصلاة والسلام يحكم نفسه ويلزمها سلوك الطريق المستقيم طريق الوسطية والاعتدال وهو المطلوب من العباد. ولقد بشر رسول الله صلى الله عليه وسلم من يقتدون به في حسن الخلق والمعاملة بالقرب منه يوم القيامة حيث قال عليه الصلاة والسلام “هل أدلكم على أقربكم مني مجالسا يوم القيامة قالوا: بلى، قال: أحاسنكم أخلاقا الموطؤون أكنافا الذين يألفون ويؤلفون وحسن الخلق هو صميم الرسالة الإسلامية بل هو الغرض من البعثة المحمدية. ألم يقل عليه الصلاة والسلام ”إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق“ وفي الحديث إشارة إلى أن إتمام المنهج الخلقي القويم والكامل أوكله الله تبارك وتعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم، فهو حجة الله على عباده وهو مصطفاه من بينهم وبالطبع فهو أفضلهم وأقربهم من ربه سبحانه وتعالى. ولقد هيأت الأقدار الإلهية سيدنا محمدا لهذه المرتبة قبل البعثة ولتكتمل الصورة وتقوم الحجة والبلاغ عن البعثة ”ويكون الرسول عليكم شهيدا“ ففضلا عن كونه عليه الصلاة والسلام لا يزال ينقل من الأصلاب الزكية إلى الأرحام الطاهرة إلى أن أذن الله لزواج آمنة بنت وهب من عبد الله بن عبد المطلب ”خيار من خيار" فإن في حمله ومولده ونشأته وفي طفولته وشبابه وكهولته في مكة قبل البعثة من الآيات الدالة على انه يعد لأمر عظيم لا يغيب عن أذهان الكمل من الرجال والنساء. فها هي زوجته السيدة خديجة رضي الله عنها توجز في وصف دقيق عندما عاد إليها من الغار بعد أن هوله مشهد الوحي الأول فتصف مكارم أخلاقه وفضائل أعماله وسيرته وسلوكه قالت “والله لن يخزيك الله انك لتصل الرحم وتصدق الحديث وتحمل الكل وتقري الضيف”. إنها شهادة قريب لا يمكن أن تخفى عليه الصغيرة أو الكبيرة وما أكثر من شهدوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم بمثل هذه الشهادات بعد أن عاشروه من قرب، في الشدة والرخاء، والضيق والسعة، والغضب والرضا، ومن هؤلاء الصحابي الجليل انس بن مالك الذي خدم رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنوات خرج بعدها يقول “خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنوات فما قال لي في يوم من الأيام أفّ وما قال لشيء فعلته لم فعلته؟ ولشيء لم افعله لم لم تفعله؟ بل كان يقول: ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن”. وبالعودة إلى الوراء قليلا قبل بعثته عليه الصلاة والسلام نجد أهل مكة يجمعون على أن يلقبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصادق الأمين. وصدقه وأمانته كانا حجة له عليهم عندما دعاهم بعد ذلك إلى الدخول في دين الإسلام، لقد قال لهم: أرأيتم لو قلت لكم إن عيرا وراء هذا الجبل أمصدقي انتم؟ قالوا: نعم لم نعهد عليك كذبا. فقال لهم: إني منذركم من عذاب يوم عظيم. ولكن تلك -بالنسبة لمن أعمى الضلال أبصارهم وبصائرهم- لم تكن حجة مقنعة. وهم الذين لم يتهموه في يوم من الأيام بالخيانة ومع ذلك فانه عليه الصلاة والسلام وهو يخرج من مكة التي أساء له أهلها فلم يمنعه ذلك من أن يترك من بعده في مكة عليا بن أبي طالب رضي الله عنه ليؤدي لأصحاب الأمانات أماناتهم. وعظمة رسول الله صلى الله عليه وسلم وعظمة الدين الذي جاء به هو انه لا يخلط بين الأمور فالهداية بيد الله وأصحاب الحقوق لا بد أن تصلهم حقوقهم مهما اختلفنا كان الاختلاف معهم. فقد تدفعهم سماحة المعاملة إلى الاهتداء إلى دين الله وكثيرا ما وقع ذلك في تاريخ الإسلام الطويل. لقد كانت نفس محمد صلى الله عليه وسلم كبيرة ومتسامية لا تحمل الأحقاد، إنها نفس حليمة محسنة لأجل ذلك نجده في يوم الطائف لم يدع بهلاك أهل الذين أدموه وأخرجوه في الرمضاء بل قال: (اللهم إهد قومي فإنهم لا يعلمون) وقال (لعل الله يخرج من أصلابهم من يعبده ويوحده). لقد كانت الرغبة في هداية كل الناس هي الشغل الشاغل لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولهذا لما فتح الله عليه مكة المكرمة وجاءه أهلها صاغرين لم يغتنمها فرصة كما يفعل المنتصرون عادة لتصفية الحسابات والتذكير بالماضي ومآسيه، سألهم: ماذا تروني فاعلا بكم اليوم؟ قالوا: أخ كريم وابن أخ كريم قال لهم: اذهبوا فانتم الطلقاء. فهذه الصورة المشرقة من خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم هي الجديرة بأن تنشر بين الناس وتدبج بها العهود والمواثيق وتضمن في البرامج التربوية سواء كان ذلك في ديار الإسلام المحتاجة أكثر من سواها إلى الاقتداء في التعامل بين أفرادها وشعوبها برسول الله صلى الله عليه وسلم وكذلك خارج ديار الإسلام في كون الله الفسيح هذا الذي أصبح اليوم قرية وحيا أو عمارة كبيرة وتعولم فيه كل شيء رسول الله محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام لهو أجدر أنجبتهم البشرية بنشر سيرته وأخلاقه وتعميم الاستفادة منها على أوسع نطاق في هذا العصر الذي طغت فيه المادية وبدت مخاطرها تهدّد الحياة والأحياء. ولكن في انتظار أن تلهم البشرية السداد والصواب يبقى على المسلم، ذكرا وأنثى، صغيرا وكبيرا، عاملا وصاحب عمل، عالما أو متعلما، شريكا أو أجيرا، أو جارا أو متساكنا، على هؤلاء جميعا واجب الالتفات إلى سيرة وهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنهم لواجدون ما يبتغون وما به يهتدون وكيف لا؟ وكتب السيرة تقول عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إن كل واحد ممن تجلس إليه ينصرف من مجلسه إلا وهو يحمل الانطباع والاعتقاد بان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد خصه بالنظر والعناية كما تروي كتب السيرة انه عليه الصلاة والسلام إذا صافح أحدا تكون يد رسول الله عليه الصلاة والسلام آخر ما يستل ويجذب، كما انه عليه الصلاة والسلام يقف مع من يستوقفه ويجيب دعوة كل من يدعوه: صغيرا كان أم كبيرا، وكان عليه الصلاة والسلام لا يسمح بأن ينكسر لديه خاطر احد من عباد الله ولهذا كان يلاطف الجميع ويدخل المسرة على الجميع وعندما يتسابق أصحابه في تقديم الخدمة إليه وقد كان كفاه أولهم إلا انه لا يرد البقية ويشكر لهم صنيعهم. وإذا خرج عليه الصلاة والسلام في سفر أو غزوة تقاسم مع أصحابه العمل فيعمل مثلما يعملون وأكثر منهم قائلا لهم: لست في غنى عن الأجر والثواب وهو بذلك يعلمهم التواضع وشرف الخدمة والاعتماد على النفس ملقنا لهم عمليا: صاحب الحاجة أولى بحاجته. ويضع نفسه عليه الصلاة والسلام في موضع أي واحد منهم ولهذا يقول إني لأسمع صراخ طفل فاخفف الصلاة من اجل أمه (التي تصلي وراء الرسول) وقد قال لمعاذ الذي أطال الصلاة بالناس: (أفتان أنت يا معاذ؟ من أم منكم فيخفف فإن وراءه المريض وصاحب الحاجة والمسافر). وعندما يدخل بيته يكون فيها عليه الصلاة والسلام كأحدهم ولهذا تروي كتب السيرة انه كان يخيط ثوبه ويصلح نعله ويقول لأصحابه: (خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي) وللرسول صلى الله عليه وسلم مع الضعاف مواقف إشفاق ورأفة ورحمة ورقة: فالمرأة هي عند رسول الله صلى الله عليه وسلم شقيقة الرجل (النساء شقائق الرجال)، ومجال للتقوى (اتقوا الله في النساء)، وآخر من أوصى به في حجة الوداع (استوصوا بالنساء خيرا). ولذلك كانت معاملته لها: أما يدعو لها، ومرضعة يحفظ منتها، وذات رحم يصلها وصديقة لزوجة عزيزة على نفسه (خديجة) يكرمها، وبنتا يحدب عليها ويحبها حبا جما، وزوجة يكرمها ويحسن معاشرتها ويلاطفها ويلاعبها، ومسلمة يقضي حوائجها ويفقهها في دينها ويعمل على أن تنال حقوقها كاملة غير منقوصة كل ذلك في زمن قريب عهد بالوأد وبتلك النظرة للأنثى حيث تعتبرها عارا وشنارا في جبين أبيها. وكذلك شانه عليه الصلاة والسلام مع الأيتام فاقدي السند -وقد ذاق عليه الصلاة والسلام مرارة اليتم- لذلك قرب رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الصنف من الأطفال وأحسن معاشرته فمسح على رؤوس الأيتام وربت على أكتافهم وضمهم إلى صدره وقال: “أنا وكافل اليتيم كهذين في الجنة” وأشار إلى إصبعيه. وبشر كافل اليتيم فقال “خير بيت في المسلمين بيت فيه يتيم يحسن إليه” واخبر أن امرأة عسفاء الخدين يسابق كتفها كتف رسول الله دخول الجنة وهي المرأة التي يتوفى عنها زوجها ويترك لها أطفالا أيتاما فتقوم عليهم أحسن قيام. وأعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم أروع الأمثلة في الرفق بالأطفال وملاطفتهم وملاعبتهم فكان الحسن والحسين نموذجين لطفلين تربيا في حضن رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث وجدا كل صنوف الحدب والعطف والممازحة والملاعبة على مرأى ومسمع من صحابة حديثي العهد بعنجهية جاهلية فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجسم التربية العملية والموعظة الفعلية التي أرادها الله سبحانه وتعالى من رسوله الكريم عليه الصلاة والسلام. كل ذلك في رفق وسماحة ولين ورأفة ورحمة وعطف ووقوف عند حدود الله وإعطاء كل ذي حق حقه وحرص على الانسجام مع كل ما خلق الله في الكون من كائنات من حيوان ونبات وجماد. فهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم في كل هذه المجالات هو الذي ينبغي أن ننشره بين الناس لتعم به الفائدة وصلى الله على سيدنا محمد وسلم تسليما كثيرا.