زيارة سيد الأنام عليه الصلاة والسلام تجسيم للحب الشديد له والتعلق الصادق به
يشعر الزائر للمدينة المنورة انه في حضرة أحب الخلق إلى الله من اصطفاه الله واجتباه وأرسله للناس رحمة بالدين الحنيف، دين الإسلام المتوج لرسالات السماء. فبسيدنا محمد عليه الصلاة والسلام عرفنا ربنا، وهو من هدانا به الله إلى الصراط المستقيم وهو من أنقذنا الله به من الضلالة وأخرجنا به من الظلمات إلى النور ومن الجور إلى العدل صلى الله عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين ما ذكر الله الذاكرون فهو عليه الصلاة والسلام من قال الله في حقه في سياق التذكير بنعمه على عباده واجلها نعمة الإسلام (لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتّم حريصٌ عليكم بالمؤمنين رحيم) وهو عليه الصلاة والسلام من سيرضيه ربه في أمته حيث قال له جل من قائل (ولسوف يعطيك ربك فترضى)، ورضا رسول الله صلى الله عليه وسلم مقرون برضا الله وعفوه وغفرانه لأمة محمد عليه الصلاة والسلام، هذه الأمة التي استغرق رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في مقام القرب ليلة الإسراء والمعراج في الدعاء الخاشع لها بالرحمة والغفران هناك حيث لم يصل نبي مرسل ولا ملك مقرب وأرضاه ربه في أمته وأقر عينه بها. كيف لا تشتد الأشواق لزيارة المصطفى صلى الله عليه وسلم والسلام عليه وهو هناك في مسجده الشامخ المشع بالأنوار المملوء سكينة وطمأنينة، وهناك يرقد رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قبضه ربه، إذ هو وحده من بين الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام من يُعلم بالتأكيد مكان قبره، هذا القبر المؤنس لأمته من بعده كما آنس أصحابه في حياته بوجوده بينهم وكما طمأن هو بذلك أهل المدينة الكرام عندما فتح الله عليه مكة المكرمة وخاف الأنصار أن يقرر رسول الله صلى الله عليه وسلم المقام في أحب البلاد إليه، مكة المكرمة حيث ولد ونشا وترعرع وحيث أوحي إليه وأرسل للناس بشيرا ونذيرا، لما أحس منهم (من الأنصار) هذا الشعور طمأنهم بوحي من ربه لأنه (لا تدري نفسٌ بأي ارض تموت) بأنّ المحيا محياهم والممات مماتهم، هناك مع الأنصار في المدينة ومع المهاجرين ومع كل من يقيم في المدينة ويقبض فيها، فهناك رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسجده ثاني الحرمين الشريفين احد المساجد التي تشد إليها الرحال (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاث المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى)، مساجد ثلاثة يتضاعف فيها الثواب إذ الصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة والصلاة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم بألف صلاة (فيما سوى المسجد الحرام) وخمسمائة في المسجد الأقصى أولى القبلتين وثالث الحرمين ومسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم (سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله). * في مدينته، هناك في حرمه الآمن، التي نفى الله عنها الخبث (إن المدينة لتنفي خبثها كما ينفي الكير خبث الحديد) وإليها يأرز الإيمان في آخر الزمان (إن الإيمان ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها). * هناك في المدينة المنورة التي إليها هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم هجرة اختار الله فيها المكان والزمان لرسوله صلى الله عليه وسلم، منها يُبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم وبرفقته أصحابه الكرام فيشفعه الله في ما شاء الله من عباده يدخلون الجنة بغير حساب إكراما من الله لحبيبه ومجتباه سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم. كان ولا يزال الشوق والتوق شديدين من المؤمنين لشدّ الرحال إلى مدينة ومسجد ومرقد وروضة رسول الله صلى الله عليه وسلم يرغبون في الجوار (والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون) جزاءٌ من الله وافر لمن صبر وأقام في المدينة ولمن قبض في المدينة (من استطاع منكم أن يموت في المدينة فليمت في المدينة) إنها مدينة أكرمها الله برسوله عليه الصلاة والسلام فهو هناك في قبره تعرض عليه أعمال أمته فيحمد الله للمحسنين ويستغفر للمسيئين. * وهو هناك يرد على من يسلم عليه من زوار المسجد النبوي فقد ورد في مسند الإمام احمد عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (ما من احد يسلم عليّ عند قبري إلا ردّ الله عليّ روحي حتى أردّ عليه السلام) فهنيئا لمن يقف بين يديه عليه الصلاة والسلام. لذلك يفرض الأدب الرفيع مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا المقام الرفيع، على المؤمن أن يتحلى بالأدب الرفيع فهو في حضرة المصطفى صلى الله عليه وسلم، وهي حضرة حقيقية تزول معها كل الكثافات والمسافات فالعالم عالم تجل رباني لذلك وجب الأدب، روي أن أبا جعفر المنصور لما قدم المدينة المنورة دخل مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم زائرا فرفع صوته أمام الحجرة النبوية فقال له الإمام مالك بن أنس يا أمير المؤمنين: اخفض صوتك فانك عند رسولك صلى الله عليه وسلم، إن الله تعالى ذمّ أقواما رفعوا أصواتهم عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال متوعدا لهم (يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وانتم لا تشعرون) سورة الحجرات الآية 2. ومدح أقواما غضوا أصواتهم في مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عنهم (إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى لهم مغفرة واجر عظيم) الحجرات الآية 3. وحرمته صلى الله عليه وسلم ميتا كحرمته حيا. * إن زيارة رسول الله صلى الله عليه وسلم وزيارة مدينته ومسجده وروضته (وما بين بيته ومنبره روضة من رياض الجنة) تقتضي من المؤمن الزائر استعدادا كاملا شاملا بحيث يكون في أحسن مظهر مغتسلا مرتديا أجمل ملبس متطيبا متعطرا وبعد أن يصلي ركعتي التحية لمسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا لم يصادف دخوله وقت كراهة للنافلة يتقدم بعد ذلك للسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى صاحبيه وخليفتيه من بعده أبا بكر وعمر رضي الله عنهما مجاوريه في حجرته. * يستدير المسلّم على رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى القبلة ويبادر بالصلاة والسلام عليه امتثالا لأمر الله لكل عباده المؤمنين (إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما) صلاة حضور وخشوع، وصلاة حب وتعلق، صلاة تقضي بها الحوائج وتنال بها الرغائب وحسن الخواتم، صلاة وسلام ثوابهما من الله عظيم. يصلي الزائر ويسلم على رسول الله بكلّ الصيغ اللائقة بمقامه الرفيع ودرجته العالية مستعرضا بما يسمح به المقام ما أجرى الله على يديه لامته من خير عميم، والصيغ المأثورة في السلام على رسول الله وعلى صاحبيه عديدة كثيرة لا تحصى وما يمكن أن يجري على اللسان مما يعبر عن المشاعر الصادقة يجوز به السلام على رسول الله وعلى صاحبيه. * ويتوجه الزائر المسلّم على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالدعاء إلى الله فهو في مقام يستجاب فيه الدعاء، مقام تخشع فيه القلوب وتدمع فيه العيون وتقشعر عنده الأبدان ويستغرق المؤمن المحب لرسول الله صلى الله عليه وسلم في تأمل يخترق الزمان الطويل يستحضر الزائر نفسه وكأنه بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم (ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك...) والمجيء مطلق غير مقيد بحياته عليه الصلاة والسلام وذلك إكرام ليس بعده إكرام لأمة محمد صلى الله عليه وسلم يمتد إلى يوم القيامة. يقول عبد الواحد ابن عاشر رحمه الله: وسر لقبر المصطفى بـأدب * ونيـة تجـب لكل مطلـب سلـم عليه ثم زد للصدّيـق * ثم إلـى عمر نلت التوفيـق واعلم بأن ذا المقام يستجـب * فيه الدعا فلا تملّ من طلـب وسـل شفاعة وختما حسنـا * وعجل الأوبة إذ نلت المنـى * لحظات الوقوف بين يدي المصطفى عليه الصلاة والسلام قصيرة مهما طالت لا شك أن الزائر للمدينة سيكررها كل يوم طيلة إقامته في جوار رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة التي يسعد فيها ويرتاح ويطمئن قلبه ويشعر بأنس كبير مصدره هو هذا الجوار لصاحب المدينة وساكنها ومن معه من الأصحاب والآل الكرام ومن تبع هؤلاء بإحسان من أهل البقيع وأهل أحُد فحيثما انتقل الزائر المدينة في (قبا) أول المساجد وفي (مسجد القبلتين) وغيرهما من المصليات والمشاهد وفي كل ربوع المدينة وفي مسجدها وروضة الرسول الأكرم مشاعر تعتري المسلم وأحوال لا يحس المؤمن بها إلا هناك، إنها سكينة وطمأنينة وقربٌ، انه سمو روحيٌّ، إنها تجليات إلهية يا سعد من هيأت له الأقدار ذلك فكان هناك مع حجيج بيت الله الحرام ومع المعتمرين وزوار مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم، إنها محطة للتزود في هذه الحياة بخير زاد إلى الدار الآخرة، الدار الباقية. تلك هي بعض الأحاسيس والمشاعر التي يحس بها المؤمنون في مشارق ومغاربها وهم يودعون أقاربهم وأصدقاءهم، وهم يشاهدون على شاشات التلفزيون مئات الآلاف من ضيوف الرحمان من مختلف الفئات والأجناس والألوان لا تفتر ألسنتهم عن التلبية وعن الذكر وعن الدعاء والطلب والرجاء من الله بالعفو والغفران وسكنى الجنان، أحوال تتكرر كل عام ومن لم يتيسر له أن يكون من ضيوف الرحمان فلا يفوته أن يوصي من يشيع ويودع من الحجاج والمعتمرين أن لا ينسوه من خالص دعائهم فقد بشر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن الله (يغفر للحاج ولمن استغفر له الحاج) وكم جادت القرائح من روائع القصائد التي ضمنها أصحابها من فحول الشعراء أحر أشواقهم وخالص محبتهم وتعلقهم بسيد الأنام عليه الصلاة والسلام أرسلوا بها مع الحجيج والمعتمرين لتقرأ نيابة عنهم في المواجهة النبوية الشريفة فكانت عربون حب وإخلاص وكانت رسائل شوق من الأبعاد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لا أخال أصحابها إلا مجازين مكرمين معفوّا عنهم مغفورة ذنوبهم بإذن الله السميع القريب المجيب فاللهم صل وسلم وبارك وكرم على أفضل خلقك وخاتم أنبيائك ورسلك سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ما حج حاج وما اعتمر معتمر وما زار مسجد رسول الله زائر وسلم والحمد لله أولا وآخرا.