توسعة مساري السعي بين الصفا والمروة استجابة لضرورة حقيقية وتجسيم لمصلحة شرعية

توسعة مساري السعي بين الصفا والمروة استجابة لضرورة حقيقية وتجسيم لمصلحة شرعية


تناقلت وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية وجهات نظر أهل الذكر من العلماء والفقهاء حول ما تم انجازه من توسعة لمساري المسعى بين الصفا والمروة وذلك في إطار خطة التطوير الجارية في الحرمين الشريفين سواء كان ذلك في مكة المكرمة حيث الكعبة المشرفة التي يعد الطواف بها مثل السعي بين الصفا والمروة من أركان الحج والعمرة أو كان ذلك في المشاعر المقدسة في عرفات حيث الوقوف يوم التاسع من ذي الحجة إذ (الحج عرفة) أو في مزدلفة حيث النزول ليلة العيد لأداء صلاتي المغرب والعشاء جمع تأخير والتقاط حصيات رمي الجمرات في منى صبيحة يوم العيد واليومين المواليين. كل هذه الأماكن يجتمع فيها الحجيج كل عام عند آداء مناسك الحج وهم اليوم بالملايين وليسوا بالآلاف كما كانوا يوم فرض الحج، فالحاجة ماسة والضرورة واضحة الجلاء في وجوب اتخاذ ما ينبغي اتخاذه من التوسعات والإجراءات التي من شأنها أن تحفظ الأنفس البشرية من أن تزهق من جراء الزحمة الرهيبة. وتفاعلا مع هذا الواقع المعيش والمتكرر كل عام بل وفي كل موسم على الأقل بالنسبة للطواف بالبيت والسعي بين الصفا والمروة جاءت التوسيعات المتوالية للحرم التي جعلته يستوعب تلك الأعداد التي هي في ازدياد كل عام بحكم النمو الديمغرافي وبحكم ازدياد الوعي الديني وبحكم تطور وتقدم وسائل النقل التي جعلت من العالم قرية يسهل بين أرجائها التنقل والرحيل. وفي كل عام يتنامى ويزداد نسق الإقبال على آداء مناسك الحج والعمرة رغم التوعية بأن الحج لا يجب إلا على المستطيع وأن الحج لا يجب إلا مرة واحدة في العمر ومع ذلك فإن العدد كل عام في ازدياد!! والمحل الذي تمارس فيه هذه الشعائر من طواف وسعي وغيرهما مهما اتسع فانه محدود الأرجاء ثم إن هذه المناسك لا يمكن القيام بها إلا في حدود المطاف والسعي فالحرج قائم وواقع والمشقة واضحة والازدحام شديد وهو ازدحام تضيع في خضمه الكثير من الآداب التي تجب مراعاتها خصوصا في الحرم وأثناء آداء هذه المناسك إذ (لا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج) ومع ذلك فإن المحظور كثيرا ما يقع بين الحجيج وقد يتجاوز في بعض الأحيان حدود القول إلى الفعل الذي تذهب ضحيته أرواح بشرية وحدث ذلك في السنوات الماضية في منى وغيرها. وفي إطار السعي العملي لتلافي المحظور والحفاظ على حياة الأنفس البشرية ومع التفكير ثم الانجاز لمشروع الجسور ذات الطوابق المتعددة على مستوى موضع رمي الجمرات في منى الذي دخل حيز الاستعمال حيث يتم رمي الحجيج للجمار في راحة وطمأنينة وسلامة وفي السرعة المعقولة وبعد أن كانت مرحلة رمي الجمرات من أعسر مراحل الحج وأشدها مخاطر على الحجيج بصفة عامة وعلى الضعاف منهم من المسنين وغيرهم بالخصوص ها هو رمي الجمرات يؤدي في أحسن الظروف وحتى أتقنها بحيث يستطيع اليوم الحاج وهو يرمي جمراته في سكينة وطمأنينة أن يتدبر ويتفكر ثم يعتبر بما هو بصدد القيام به بل حتى يستعيد ما دار في ذلك المكان من صراع مرير بين الخليل إبراهيم عليه السلام وابنه اسماعيل عليه السلام من ناحية وبين اللعين إبليس عندما تل الأب ابنه وامتثل لأمر ربه فإذا بالشيطان يتراءى له يريد أن يثنيه فما كان من الخليل إلا أن رماه بحصيات وكيف يستطيع أن يتدبر هذه المعاني ويقف عند هذه الأحداث الحاج الذي كان لا يستطيع حتى أن يسترد أنفاسه من شدة الزحام! انه زحام لا يمكن وصفه الخارج منه سالما في حكم المولود الجديد. الحمد لله فهذا الزحام على مستوى رمي الجمرات ذهب إلى غير رجعة فالجسور اليوم ومعها الانفاق سهلت عملية الرمي في كل الأوقات حتى في تلك التي يتمسك فيها البعض بقول مذهب واحد غير مراعين لهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي ما سئل وهو في منى عن أمر قدم أو أخر إلا أجاب (افعل ولا حرج). والحج لا ينتهي برمي الجمرات إذ بعده طواف الإفاضة وهو ركن من أركان الحج وبعده سعي بين الصفا والمروة لمن لم يسع بعد طواف القدوم والطواف والسعي يوم العيد وما بعده من الأيام من أشق أعمال الحج فالجميع يريدون أن ينتهوا من آداء مناسكهم. فالمطاف وبعد التوسعات المتوالية التي جعلت من كل ما يحيط بالبيت مطافا سواء كان ذلك حول الكعبة أو حتى على مستوى الطوابق وحتى سطوحها رغم أن المسافة أطول ومع ذلك ففي المكان متسع. ولكن المشقة الكبرى بقيت على مستوى السعي بين الصفا والمروة وهما الممران اللذان يمتدان بين مرتفعي الصفا والمروة. وما فوقهما واغلب الحجيج يحرصون على السعي في الممرين السفليين وهنالك تلتصق الأجساد وتضيق الأنفاس لشدة الازدحام ويصبح الحاج يسير مدفوعا مغصوصا لا يستطيع إن يتلفظ لا بتسبيح ولا بدعاء ولا يتنفس الصعداء إلا بعد الانتهاء من السعي بين الصفا والمروة، انه حرج كبير وضيق لا يوصف ومشقة موجبة للتيسير. مراعاة لهذا الوضع الذي يزداد تعقيدا عاما بعد عام اتخذ قرار القيام بأشغال توسعة المسعى بين الصفا والمروة بعد النظر المعمق وبعد اخذ رأي أهل الذكر ومع الحرص على الحفاظ على نفس المسار والمسافة المقطوعة بين المرتفعين (الصفا والمروة) بحيث وقع التوسع على مستوى العرض لتتضاعف مساحة كل مسلك في كل من الذهاب والإياب بين الصفا والمروة. وكان المستنيرون من العلماء في نظرتهم المقاصدية المحافظة على المرامي والغايات وغير الخارجة عن المسارات المكانية الظرفية، كان هؤلاء العلماء مع القيام بهذه التوسعة التي تجاوزت الحاجة إلى الضرورة التي تبيح حتى المحضور وان كانت التوسعة التي أدخلت على مساري الصفا والمروة بعيدة كل البعد عن المحظور والممنوع إذ لا يزال الساعي بين الصفا والمروة يسعى بينهما ولم تخرج به التوسعة الجديدة منهما، كل من في الأمر أن الساعي مكن من مجال ارحب على مستوى العرض ليسعى في راحة من باله في غير زحام وارتطام وضيق أنفاس!! وكل ذلك كان واقعا قبل التوسعة لذلك بارك هذه التوسعة الجديدة لمساري السعي بين الصفا والمروة كل عالم مستنير بعيد النظر وثمنها واعتبرها داخلة في إطار التيسير الذي بنى عليه كل دين الإسلام التي تصرح آياته بقوله جل من قائل (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) وهو تيسير أوصى به رسول الله صلى الله عليه وسلم صاحبيه وكل المسلمين من بعدهما (يسرا ولا تعسرا وبشرا ولا تنفرا) وهو تجسيم لما التزم به رسول الله صلى الله عليه وسلم في كل شأن من شؤونه حيث تقول كتب السيرة (انه عليه الصلاة والسلام ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن حراما).



الكلمات الشائعة

 

الأستاذ محمد صلاح الدين المستاوي

خريج جامعة الزيتونة كلية الشريعة قسم الفقه وأصول الفقه : الليسانس وشهادة الدراسات المعمقة في موضوع : شروح الموطأ باحث بجامعة أكسان برفانس مرسيليا فرنسا من 2001-2002 إلى 2008-2009

الكلمات الشائعة

العنوان

28 نهج جمال عبد الناصر –تونس
+216 71 43 21 33
+216 71 32 71 30

أحدث المقالات

2026-01-25

الاسلام: حقائق وأعلام ومعالم

موقع الشيخ محمد صلاح الدين المستاوي عضو المجلس الإسلامي بتونس وخريج جامعة الزيتونة (كلية الشريعة وأصول الدين) يتضمن تعريفا بالشيخ والده الحبيب المستاوي رحمه الله وهو احد علماء الزيتونة ودعاة الإسلام حيث سيجد المتصفح لهذا الموقع فقرات من أعماله.