تفسير معاني سورة الإخلاص (قل هو الله أحد..)

تفسير معاني سورة الإخلاص (قل هو الله أحد..)


يقول الله تعالى “قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفؤا أحد” صدق الله العظيم هذه السورة مكية وسبب نزولها أن المشركين قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: نسّب لنا ربك فأنزل الله (قل هو الله احد الله الصمد لم يلد ولم يكن له كفؤا أحد) وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لكل شيء نسبة ونسبة الله قل هو الله أحد. وقد وردت في فضيلة سورة الإخلاص (قل هو الله أحد) أحاديث كثيرة منها أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث رجلا على سرية وكان يقرأ لأصحابه في صلاتهم فيختم بقل هو الله أحد فلما رجعوا ذكروا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: سلوه لأي شيء يصنع ذلك فسألوه فقال لأنها صفة الرحمان وأنا أحب أن اقرأ بها فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (اخبروه أن الله تعالى يحبه) وفي حديث آخر رواه البخاري في كتاب الصلاة عن انس رضي الله عنه قال: كان رجل من الأنصار يؤمهم في مسجد قباء فكان كلما افتتح سورة يقرأ بها لهم في الصلاة مما يقرأ به افتتح بقل هو الله أحد حتى يفرغ منها ثم كان يقرأ سورة أخرى معها وكان يصنع ذلك في كل ركعة فكلمه أصحابه فقالوا (انك تفتتح بهذه السورة ثم لا ترى أنها تجزئك حتى تقرأ بالأخرى فإما أن تقرأ بها وإما أن تدعها وتقرأ بأخرى فقال ما أنا بتاركها إن أحببتم أن أؤمكم بذلك فعلت وان كرهتم تركتكم وكانوا يرون انه من أفضلهم وكرهوا أن يؤمهم غيره فلما أتاهم النبي صلى الله عليه وسلم اخبروه الخبر فقال: يا فلان ما يمنعك أن تفعل ما يأمرك به أصحابك وما حملك على لزوم هذه السورة في كل ركعة؟ قال: إني أحبها فقال: حبك إياها أدخلك الجنة) * وعن أبي سعيد أن رجلا سمع رجلا يقرأ (قل هو الله أحد) يرددها فلما أصبح جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له وكان الرجل يتقالها فقال النبي صلى الله عليه وسلم (والذي نفسي بيده إنها تعدل ثلث القرآن). * وعن أبي سعيد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه (أيعجز أحدكم أن يقرأ ثلث القرآن في ليلة؟ فشق ذلك عليهم وقالوا أينا يطيق ذلك يا رسول الله؟ فقال قل هو الله أحد الله الصمد ثلث القرآن. * وقد ورد هذا الحديث بروايات متشابهة وتكاد تكون متطابقة (أيعجز أحدكم أن يقرأ ثلث القرآن في ليلة؟ فانه من قرأ (قل هو الله احد الله الصمد) في ليلة فقد قرأ ليلتئذ القرآن) (من قرأ بقل هو الله أحد فكأنما قرأ بثلث القرآن) (قل هو الله احد تعدل ثلث القرآن) (أيعجز أحدكم أن يقرأ كل يوم ثلث القرآن؟ قالوا نعم يا رسول الله نحن اضعف من ذلك واعجز قال فان الله جزا القرآن ثلاثة أجزاء فقل هو الله احد ثلث القرآن). وعن أبي هريرة قال: أقبلت مع النبي صلى الله عليه وسلم فسمع رجلا يقرا قل هو الله احد فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وجبت قلت وما وجبت قال الجنة، رواه الترمذي والنسائي. وعن معاذ بن عبد الله بن حبيب عن أبيه قال أصابنا عطش وظلمة فانتظرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بنا فخرج فأخذ بيدي فقال: قل فسكت قال: قل قلت ما أقول؟ قال: (قل هو الله احد) والمعوذتين حين تمسي وحين تصبح ثلاثا تكفيك كل يوم مرتين) رواه أبو داود والترمذي النسائي وفي رواية أخرى (تكفك كل شيء). وعن تميم الداري رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (من قال لا اله إلا الله واحدا احد صمدا لم يتخذ صاحبة ولا ولدا ولم يكن له كفؤا أحد عشر مرات كتب الله له أربعين ألف ألف حسنة) أخرجه احمد وله أيضا (من قرأ قل هو الله احد) حتى يختمها عشر مرات بنى الله له قصرا في الجنة فقال عمر إذا نستكثر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم الله أكثر وأطيب). وقال الترمذي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (من أراد أن ينام على فراشه فنام على يمينه ثم قرأ (قل هو الله احد) مائة مرة فإذا كان يوم القيامة يقول له الرب عز وجل يا عبد ادخل على يمينك الجنة). وعن بريدة عن أبيه انه دخل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد فإذا رجل يصلي يدعو الله يقول: (اللهم إني أسألك باني اشهد أن لا اله إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفؤا احد قال: والذي نفسي بيده لقد سأله باسمه الأعظم الذي إذا سئل به أعطى وإذا دعي به أجاب) أخرجه أصحاب السنن. * وعن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (ثلاث من جاء بهن مع الإيمان دخل من أي الأبواب شاء الجنة وزوج من الحور العين حيث شاء من عفا عن قاتله وأدى دينا خفيا وقرأ في دبر كل صلاة مكتوبة عشر مرات قل هو الله احد) وعن جرير بن عبد الله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من قرأ (قل هو الله احد) حين يدخل منزله نفث الفقر عن أهل ذلك المنزل والجيران. * وفي فضل سورة (قل هو الله احد) مع المعوذتين أورد الإمام احمد عن عقبة بن عامر قال: لقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فابتدأته فأخذت يده فقلت يا رسول الله بم نجاة المؤمن؟ قال (اخرس لسانك وليسعك بيتك وابك على خطيئتك) قال ثم لقيني رسول الله صلى الله عليه وسلم فابتدأني فأخذ بيدي فقال: يا عقبة بن عامر ألا أعلمك خير ثلاث سور نزلت في التوراة والإنجيل والزبور والقرآن العظيم؟ قال قلت بلى جعلني الله فداك قال: فاقرأني (قل هو الله احد- وقل أعوذ برب الفلق-وقل أعوذ برب الناس) ثم قال: “يا عقبة لا تنسهن ولا تبت ليلة حتى تقراهن” قال فما نسيتهن منذ قال لا تنسهن وما بت ليلة قط حتى اقرأهن قال عقبة ثم لقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فابتدأته فأخذت بيده فقلت يا رسول الله اخبرني بفواضل الأعمال فقال: يا عقبة صل من قطعك وأعط من حرمك واعرض عمن ظلمك. وفي الاستشفاء بهن أورد البخاري عن عروة عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أوى إلى فراشه كل ليلة جمع كفيه ثم نفث فيهما وقرأ فيهما (قل هو الله احد-قل أعوذ برب الفلق-قل أعوذ برب الناس) ثم مسح بهما ما استطاع من جسده يبدأ بهما على رأسه ووجهه وما اقبل من جسده يفعل ذلك ثلاث مرات. هذه أيها القارئ مجموعة من الأحاديث التي تعاضد بعضها البعض وان كانت تتفاوت في الدرجة إلا أنها مع بعضها البعض تؤكد فضائل سورة الإخلاص وكذلك المعوذتين علما بان الأحاديث الدالة على فضائل الأعمال غير المتعرضة لمسائل العقيدة والأحكام في العبادات والمعاملات مما يستأنس بها للترغيب في فعل الخير والتقرب إلى الله عز وجل. والقرآن الكريم الذي بينت بعض الأحاديث التي أوردناها من التفاسير المعتمدة (ابن كثير) فضيلة بعض سوره (القرآن) كله خير ونور وهداية وبركة وان جازت المفاضلة بين سوره وآياته فان ما قاله الله في حق ذاته الكريمة جل وعلا هو أفضل القرآن لأنه المركز للعقيدة الصحيحة، عقيدة التوحيد التي لا يقبل الله من عباده سواها (أن الله لا يغفر أن يشرك به) ومن هنا فان سورة الإخلاص (قل هو الله احد) أو آية الكرسي (الله لا اله إلا هو الحي القيوم...) أو غيرها مما هو في موضوعهما (العقيدة) هو أفضل القرآن ولهذا ليس بالكثير في حق سورة الإخلاص (قل هو الله احد) أن تعدل ثلث القرآن في الثواب لقارئها (أي كأنه قرأ ثلث القرآن) الأمر الصعب في الليلة أو في اليوم ولكن الله تبارك وتعالى تيسيرا على أمة محمد عليه الصلاة والسلام وترغيبا لها في الطاعة وفي التقرب إلى الله والورود عليه من اقصر طريق وبأقل مجهود جعل تلاوة هذه السورة (قل هو الله أحد) يعدل ثلث القرآن في الأجر والثواب فمن قراها ثلاث مرات فكأنما قرأ كل القرآن، إنه لا يعجز عن ذلك إلا محروم معرض عن سبيل ربه غير راغب في الخلاص والنجاة والفوز المبين هذا الفوز المبين الذي أكرمنا به الله معاشر المؤمنين بهذا الدين العظيم (دين الإسلام) وهذا النبي الكريم عليه الصلاة والسلام (سيدنا محمد بن عبد الله). (قل هو الله احد) فهو واحد أحد لا شبيه له ولا ند سبحانه وتعالى عما يصفون. (الله الصمد) عن ابن عباس: الذي يصمد إليه الخلائق في حاجاتهم ومسائلهم ولا يعجز عن تلبيتها قال ابن عباس (هو السيد الذي قد كمل في سؤدده والشريف الذي كمل في شرفه والعظيم الذي قد كمل في عظمته والحليم الذي قد كمل في حلمه والعليم الذي قد كمل في علمه والحكيم الذي قد كمل في حكمته وهو الذي قد كمل في أنواع الشرف والسؤدد وهو الله سبحانه هذه صفته لا تنبغي إلا له ليس له كفء وليس كمثله سبحان الله الواحد القهار). وقد قيل (الصمد) الذي لا جوف له و(الصمد) نور يتلألأ فهو لا يأكل ولا يشرب ولا يشبه في شيء مخلوقاته فكل ما يتصور بالبال فالله مخالف له (مخالف للحوادث التي هي كل الكائنات مما سوى الله) إنه سبحانه وتعالى ليس كما يذهب إلى ذلك من ضل سواء السبيل إنه لم يولد ولم يلد أي لم يتخذ صاحبة ولا ولدا سبحانه وتعالى الكل عباده وخلقه وهو رب العالمين وقد رد القرآن الكريم في مواضع أخرى على هؤلاء الضالين المشبهين لله تبارك وتعالى بمخلوقاته الضعيفة في اتخاذ الصاحبة والولد يقول جل من قائل (بديع السماوات والأرض أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة وخلق كل شيء) فخالق كل شيء قائم بذاته غير محتاج لسواه لقد أورد الله تبارك وتعالى في كتابه العزيز ترهات هؤلاء الضالين المضلين وفندها بالحجة والبرهان القاطع (وقالوا اتخذ الرحمان ولدا لقد جئتم شيئا إدا تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا أن دعوا للرحمان ولدا وما ينبغي للرحمان أن يتخذ ولدا إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمان عبدا لقد أحصاهم وعدهم عدا وكلهم آتيه يوم القيامة فردا) ما ابلغها من حجة وما أقواه من برهان ودليل فند افتراءات الضالين المضلين هذه الافتراءات التي تكاد تتزلزل لها السماوات والأرض والجبال، فالله تبارك وتعالى الواحد الأحد الفرد الصمد صاحب صفات الكمال جمعاء لا يمكن ولا ينبغي ولا يجوز في حقه أن يشبه خلقه في الأبوة والبنوة واتخاذ الصاحبة تلك صفات نقصان وهو سبحانه مستحق الإيمان به وحده ومستحق العبادة لا يمكن أن يكون إلا فردا صمدا قادرا على كل شيء لا يعجزه أمر يكفي كل خلائقه حتى لو قاموا وطلبوه حاجاتهم جميعا وفي وقت واحد يقضيها لهم جميعها ولا ينقص من ملكه شيء إنه ليس في عجز وضعف من يتخذ من دون الله إلها من الأصنام والأوثان التي لا تملك لنفسها نفعا ولا ضرا فضلا عن أن تملك ذلك لمن يعبدها من دون الله. إن هذا الإله الذي له كل صفات الكمال هو الذي يهتدي إلى الإيمان به بالفطرة الطاهرة وهذا ما عبرت عنه قبائل لم تصلها رسالات السماء عندما سئلوا من تعبدون؟ قالوا نعبد من لا يلد ولم يولد وتلك هي عقيدة التوحيد لأجل ذلك كان تقبلها سريعا وسهلا ويسيرا على كل من عرضت عليهم ممن لم ينحرفوا عن الفطرة هذه الفطرة التي خلق الله الناس عليها (فطرة الله التي فطر الناس عليها) والتي يولد عليها كل مولود مهما كان دين أبويه (يولد الولد على الفطرة وأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه) فالإسلام هو الفطرة أي التوحيد والتسليم لله بالربوبية، هذه الربوبية التي أعطت عليها الأرواح عهدا قبل أن تنزل إلى عالم الأجساد (الست بربكم قالوا بلى). وهذه العقيدة الصافية النقية هي التي ارتكز عليها دين الإسلام وهي التي أكملها الله على يدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا). وإقامة الحجج والبراهين على هذه العقيدة الصحيحة السليمة كان دأب علماء الأمة الذين استندوا إلى المنقول والمعقول في سبيل هداية الناس إلى الدين القويم دين التوحيد الذي لا شرك فيه (إن الشرك لظلم عظيم). وقد وجد العلماء قديما وحديث في ما لفت إليه الله تبارك وتعالى الانتباه الحجج القوية المقنعة بوجود الله ووحدانيته (وفي أنفسكم أفلا تبصرون) (وفي الأرض آيات للموقنين) (سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق). والحمد لله فإن هذه العقيدة (عقيدة التوحيد) يسلم بها البسيط في ملكاته وإمكاناته الذهنية ويهتدي إليها من وهبه الله قدرات عقلية مؤهلة للجدال والمناظرة فالجميع يجد مبتغاه وضالته ويبلغ ما يريده من طمأنينة (ألا بذكر الله تطمئن القلوب). فالله تبارك وتعالى كما وردت صفاته في سورة (الإخلاص) أحد صمد لم يلد ولم يولد وهو سبحانه وتعالى لا يمكن أن يصل إلى درجته وكماله وعظمة شأنه وقدراته غير المحدودة أحد من مخلوقاته مهما كان شأنه (ولم يكن له كفؤا أحد) ليس كمثله شيء جل وعلا. إنها سورة عظيمة الشأن والقدر تطرقت إلى جوهر الدين الذي هو العقيدة بأسلوب بليغ معجز مقنع قليلة كلماته غزيرة معانيه ومضامينه إنها سورة جديرة بأن تعدل ثلث القرآن وجديرة بأن توجب لمن قرأها الجنة وهي سورة جديرة بأن لا يفتر لسان المؤمن يتلوها ليتمعنها عقله ويطمئن بها قلبه يحرص عليها ويواضب على تلاوتها إلى أن يلقى ربه عليها فتكون شفيعة له بين يدي الله. إنه الكرم الإلهي والرحمة واللطف بعباده الذين ابتدأهم بالكرم فهداهم إلى سواء السبيل، يجعل جل وعلا هذا الأجر العظيم يحصل عليه من هو من ذوي القدرات والملكات وكذلك من هو محدود في القدرات والملكات لأمية وشيخوخة وعجمة وعجز فكلمات سورة الإخلاص (قل هو الله أحد) بسيطة سهلة يسيرة الحفظ والاستيعاب على الجميع لهذا لا يحرم الله من الأجر والثواب كل من يريد الحصول عليه ممن وفقه الله وهداه.



الكلمات الشائعة

 

الأستاذ محمد صلاح الدين المستاوي

خريج جامعة الزيتونة كلية الشريعة قسم الفقه وأصول الفقه : الليسانس وشهادة الدراسات المعمقة في موضوع : شروح الموطأ باحث بجامعة أكسان برفانس مرسيليا فرنسا من 2001-2002 إلى 2008-2009

الكلمات الشائعة

العنوان

28 نهج جمال عبد الناصر –تونس
+216 71 43 21 33
+216 71 32 71 30

أحدث المقالات

2026-01-25

الاسلام: حقائق وأعلام ومعالم

موقع الشيخ محمد صلاح الدين المستاوي عضو المجلس الإسلامي بتونس وخريج جامعة الزيتونة (كلية الشريعة وأصول الدين) يتضمن تعريفا بالشيخ والده الحبيب المستاوي رحمه الله وهو احد علماء الزيتونة ودعاة الإسلام حيث سيجد المتصفح لهذا الموقع فقرات من أعماله.