تفسير سورة “المسد”: الجزاء من جنس العمل

تفسير سورة “المسد”: الجزاء من جنس العمل


بسم الله الرحمان الرحيم يقول الله تعالى “تبّت يدا أبي لهب وتبّ ما أغنى عنه ماله وما كسب سيصلى نارا ذات لهب وامرأته حمالة الحطب في جيدها حبل من مسد” صدق الله العظيم هذه السورة من السور المكية وفيها تنصيص على شخص بعينه هو أبو لهب وهو وامرأته من أهل مكة ومضمون هذه السورة ينطلق من وقائع وأحداث معينة ولا يعني أن هذه السورة لا تنطبق إلا على أولئك الأشخاص فقط بل هي تنطبق على من أنزلت بسببهم وتتجاوزهم إلى سواهم إذ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. وسبب نزول هذه السورة كما جاء في الصحيحين وغيرهما ففي صحيح مسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما نزلت “وأنذر عشيرتك الأقربين” خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى صعد الصفا فهتف يا صباحاه! فقالوا: من هذا الذي يهتف؟ قالوا: محمد، فاجتمعوا إليه، فقال: يا بني فلان، يا بني فلان، يا بني فلان، يا بني عبد مناف، يا بني عبد المطلب فاجتمعوا إليه فقال: “أريتكم أو أخبرتكم أن خيلا تخرج بسفح هذا الجبل أكنتم مصدقي؟ قالوا: ما جربنا عليك كذبا قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد” فقال أبو لهب: تبا لك! أما جمعتنا إلا لهذا! ثم قام، فنزلت هذه السورة "تبت يدا أبي لهب وتب، إلى آخر السورة وزاد الحميدي وغيره فلما سمعت زوجة أبي لهب ما نزل في زوجها وفيها من القرآن أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جالس في المسجد عند الكعبة ومعه أبو بكر رضي الله عنه وفي يدها فهر (الحجر ملء الكف وقيل الحجارة مطلقا) فلما وقفت عليه أخذ الله بصرها عن رسول صلى الله عليه وسلم فلا ترى إلا أبا بكر، فقالت: يا أبا بكر، إن صاحبك قد بلغني انه يهجوني والله لو وجدته لضربت بهذا الفهر فاه، والله إني شاعرة: مذمما عصينا، وأمره أبينا، ودينه قلينا. ثم انصرفت فقال أبو بكر يا رسول الله، أما تراها رأتك؟ قال: ما رأتني لقد اخذ الله بصرها عني. وكانت قريش إنما تسمي رسول الله صلى الله عليه وسلم: مذمما يسبونه وكان يقول: ألا تعجبون لما صرف الله عني من أذى قريش يسبون ويهجون مذمما وأنا محمد. وقيل: أن سبب نزولها ما حكاه عبد الرحمان بن زيد أن أبا لهب أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ماذا أعطى أن آمنت بك يا محمد؟ فقال: كما يعطى المسلمون قال: مالي عليهم فضل؟ قال: وأي شيء تبغي؟ قال: تبا لهذا من دين أن أكون أنا وهؤلاء سواء فانزل الله تعالى فيه “تبت يدا أبي لهب وتب” ذلك ما أورده القرطبي في تفسيره لهذه السورة وأورد غيره مما لا يتسع المجال له. * “تبت” خسرت وخابت وضلت وهلكت- تبت يدا يمكن أن تكون دعا، أهلكه الله “أبي لهب” وهي كنيته واسمه عبد العزى وكان اهله يسمونه أبا لهب لتلهب وجهه وحسنه أضافه الله إلى اللهب. * (ما أغنى عنه ماله وما كسب) إن مال أبي لهب وما كسبه وولده من كسبه كما ورد في الحديث الشريف “إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه وان ولده من كسبه” أخرجه أبو داود فلا المال ولا ما يكسبه مما سيغني صاحبه يوم القيامة ولا هي بالتي ستنجيه من عذاب الله الشديد، فمن كفر بالله وأشرك به ومنع وعاند وكابر، ومن وقف في وجه أن يصل دين الله إلى عباده ومن سخر ماله وجاهه وما كسبت يداه ليطفئ نور الله وليسلط غضبه وكيده ومكره على من دعا إلى دين الله وصراطه المستقيم، من هذه حاله فان الله تبارك وتعالى سيسلط عليه شديد العذاب والعقاب وأبو لهب في طليعة من سيعاقبه الله شديد العقاب. * (سيصلى نارا ذات لهب) سيصلى الله أبا لهب نارا حامية، نارا ليست كالنيران الأخرى، إنها نار الله الموقدة (وامرأته حمالة الحطب)، وامرأة أبي لهب أم جميل قال ابن العربي: العوراء أم قبيح وكانت عوراء. * (حمالة الحطب)، حقيقة ومجازا، أما مجازا فقد كانت نمامة، كانت تمشي بالنميمة بين الناس والنميمة شر مستطير وجرم النمام عظيم وعقوبة الله للنمام شديدة فهو مفسد يقطع ما أمر الله أن يوصل، توعد الله على لسان رسوله الكريم النمامين فقال عليه الصلاة والسلام (لا يدخل الجنة نمام) وقال “من شر الناس ذو الوجهين: الذي يأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه”. قال الفضيل بن عياض "ثلاث تهد العمل الصالح ويفطرن الصائم وينقضن الوضوء: الغيبة والنميمة والكذب. وامرأة أبي لهب كانت تعير رسول صلى الله عليه وسلم بالفقر وكانت تحمل الحطب على ظهرها لشدة بخلها وكانت تحمل الشوك وتطرحه بالليل على طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه قال الربيع كما ورد في تفسير القرطبي لهذه السورة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يطأ هذا الحطب كما يطأ الحرير، فيكون التعبير بحمالة الحطب حقيقة ومجازا ولا تنافي بينهما فالنص القرآني حمال معان وهو نص معجز وهو نص متجاوز "للزمان والمكان اللذين شهدهما تنزل ذلك النص وفي هذا التنصيص واقعية. * (في جيدها حبل من مسد) الجيد العنق والحبل من مسد أي من ليف، انه حبل سيخنقها وهو حبل من نار وذلك هو جزاء ما قدمت يداها من فعل شنيع، كانت امرأة أبي لهب عضدا لزوجها وكانا يمثلان الطغيان والظلم والعدوان فقد كان صنيعهما شنيعا وهما رغم قربهما الشديد من رسول الله صلى الله عليه وسلم فان كفرهما وظلمهما لم يشفع لهما لقد استحقا غضب الله وشديد عقابه فدين الإسلام الذي جاء به سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام لا فرق فيه بين عربي وأعجمي (إن أكرمكم عند الله اتقاكم) إن دين الإسلام يكون فيه بلال وسلمان رضي الله عنهما اقرب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ممن كفر بالله من العرب الأقحاح أمثال أبي لهب وأبي جهل.



الكلمات الشائعة

 

الأستاذ محمد صلاح الدين المستاوي

خريج جامعة الزيتونة كلية الشريعة قسم الفقه وأصول الفقه : الليسانس وشهادة الدراسات المعمقة في موضوع : شروح الموطأ باحث بجامعة أكسان برفانس مرسيليا فرنسا من 2001-2002 إلى 2008-2009

الكلمات الشائعة

العنوان

28 نهج جمال عبد الناصر –تونس
+216 71 43 21 33
+216 71 32 71 30

أحدث المقالات

2026-01-25

الاسلام: حقائق وأعلام ومعالم

موقع الشيخ محمد صلاح الدين المستاوي عضو المجلس الإسلامي بتونس وخريج جامعة الزيتونة (كلية الشريعة وأصول الدين) يتضمن تعريفا بالشيخ والده الحبيب المستاوي رحمه الله وهو احد علماء الزيتونة ودعاة الإسلام حيث سيجد المتصفح لهذا الموقع فقرات من أعماله.