تفسير سورة “الكافرون” : “لكم دينكم ولي دين” حرية ومسؤولية
بسم الله الرحمان الرحيم “قل يا أيها الكافرون لا اعبد ما تعبدون ولا أنتم عابدون ما اعبد ولا أنا عابد ما عبدتم ولا أنتم عابدون ما اعبد لكم دينكم ولي دين” صدق الله العظيم سورة الكافرون من السور المكية وموضوعها يبدو فيه جليا خاصية القرآن المكي (الذي نزل بمكة قبل الهجرة النبوية) وهي الفترة الاطول من عمر البعثة المحمدية (13 سنة بمكة 10 وسنوات بالمدينة) الفترة المكية هي فترة التأسيس للدين الجديد الذي جاء به من عند الله سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام، الفترة المكية هي فترة تركيز العقيدة الإسلامية عقيدة التوحيد (لا اله إلا الله) وهي فترة إقامة الحجج والبراهين للإقناع بالدخول في دين الإسلام، وهي فترة مقارعة الحجة بالحجة وإقامة البراهين النقلية والعقلية والواقعية من حياة الناس سواء من كانوا حاضرين زمن بعثة رسول الله صلى الله عليه وسلم أو من كانوا قبلهم من الأقوام والأمم. مثل هذه السورة (قل يا أيها الكافرون) تبين التفاعل مع المحيط والأحداث فكثيرا ما كان يتنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وحي فيه الإجابة عن أسئلة تلقى أو معالجة لمشكلة معينة وليس معنى ذلك انه لولا تلك الأسئلة أو تلك الأحداث بعينها ما كانت تلك الآيات والسور لتنزل إنها مناسبات للنزول وإلا فإن القرآن كله نزل من عند الله إلى السماء الدنيا دفعة واحدة في ليلة القدر (إنا أنزلناه في ليلة القدر) ثم نزل القرآن منجما طيلة سنوات البعثة. فضيلة سورة الكافرون: أورد القرطبي في تفسيره لهذه السورة مجموعة من الأحاديث التي تبين فضيلتها منها. * عن انس قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “قل يا أيها الكافرون تعدل ربع القرآن” * وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: صلى النبي صلى الله عليه وسلم بأصحابه صلاة الفجر في سفر فقرأ “قل يا أيها الكافرون” و“قل هو الله أحد” ثم قال “قرأت بكم ثلث القرآن وربعه”. * وروى جبير بن مطعم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أتحب يا جبير إذا حرجت سفرا أن تكون من امثل أصحابك هيئة وأكثرهم زادا؟ قلت نعم قال فاقرأ السور الخمس من أول قل يا أيها الكافرون إلى قل أعوذ برب الناس وافتتح قراءتك ببسم الله الرحمان الرحيم قال فوالله لقد كنت غير كثير المال إذا سافرت أكون أبذهم (ارثهم) واقلهم زادا فمذ قرأتهن صرت من أحسنهم هيئة وأكثرهم زادا حتى ارجع من سفري ذلك. * وقال رجل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أوصني قال: اقرأ عند منامك “قل يا أيها الكافرون” فإنها براءة من الشرك. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: ليس في القرآن اشد غيظا لإبليس منها لأنها توحيد وبراءة من الشرك. * وكان يقال لـ“قل يا أيها الكافرون” و“قل هو الله احد” المقشقشتان أي أنهما تبرئان من النفاق وقال أبو عبيدة كما يقشقش الهناء (القطران) الجرب فيبرئه. انتهى ما نقلته تعميما للفائدة من تفسير القرطبي. سبب نزول سورة الكافرون * وذكر ابن إسحاق عن ابن عباس رضي الله عنهما أن سبب نزولها أن الوليد بن المغيرة والعاص بن وائل والأسود بن عبد المطلب وأمية بن خلف لقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا محمد هلم فلنعبد ما تعبد وتعبد ما نعبد ونشترك نحن وأنت في أمرنا كله فان كان الذي جئت به خيرا مما بأيدينا كنا قد شاركناك فيه وأخذنا بحظنا منه وان كان الذي بأيدينا خيرا مما بيدك كنت شركتنا في أمرنا وأخذت بحظك منه فانزل الله عز وجل "قل يا أيها الكافرون. * قال ابن عباس رضي الله عنهما قالت قريش للنبي صلى الله عليه وسلم نحن نعطيك من المال ما تكون به أغنى رجل بمكة ونزوجك من شئت ونطا عقبك (أي نمشي خلفك) وتكف عن شتم آلهتنا فان لم تفعل فنحن نعرض عليك خصلة واحدة هي لنا ولك صلاح تعبد آلهتنا (اللات والعزى) سنة ونعبد إلهك سنة فنزلت السورة. فكان التكرار في “لا اعبد ما تعبدون” لان القوم كرروا عليه مقالهم مرة بعد مرة. لكل دينه ويتحمل مسؤولية اختياره فلن يعبد رسول الله صلى الله عليه وسلم أوثانهم ولن يعبد هؤلاء الكفار الله الواحد الأحد ما داموا لم ينبذوا هذه الأصنام لن يفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك في الحاضر كما لن يفعله في الحاضر هؤلاء الكافرون الذين قدموا هذا العرض المغري ظاهرا ظنا منهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يمكن أن يتنازل عن عقيدة التوحيد التي جاء بها، لن يقع هذا الخلط لا في الحاضر ولا في المستقبل إذ لا يمكن أن يجتمع كفر وإيمان في قلب واحد فإما كفر وشرك وضلال وإما هداية وإيمان بالله الواحد الأحد، فالكفار سيظلون كفارا لا يعبدون إلا الأصنام والأوثان والمؤمنون وأولهم رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين هداهم الله للإيمان بالله الواحد الأحد سيتمسكون بما هداهم الله إليه وعند الله يجتمع الجميع ويومئذ يفرح المؤمنون ويندم الكافرون ولكن لات ساعة مندم، أما في هذه الحياة الدنيا فكما قال الله تعالى “لكم دينكم ولي دين” بلا إكراه ولا تسلط هذا من جانب المسلمين وأما الكافرون فإنهم لم يتأخروا عن أن يلحقوا بالمؤمنين اشد أنواع الظلم والعدوان ولله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون.