تفسير الآية 129 من سورة البقرة: أنا دعوة أبي إبراهيم وبشرى عيسى

تفسير الآية 129 من سورة البقرة: أنا دعوة أبي إبراهيم وبشرى عيسى


يقول الله تبارك وتعالى: “ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم انك أنت العزيز الحكيم”. لا نزال أيها القارئ الكريم مع الآيات البينات من كتاب الله العزيز ذات الصلة المباشرة أو القريبة بسيدنا محمد عليه الصلاة والسلام في شهر مولده المبارك الذي اعتدنا أن نخصص كل أسابيعه للتعريف بهذا الرسول الكريم وهذا النبي العظيم عليه الصلاة والسلام الذي أرسله الله رحمة للعالمين وختم به الأنبياء والمرسلين وخصنا به وجعلنا من أمته معاشر المسلمين ويا لها من منة ونعمة نحمد الله عليها ونشكره ونسأله خيرها العاجل والآجل انه سبحانه وتعالى سميع مجيب. هذه الآية من سورة البقرة وردت في سياق دعاء سيدنا إبراهيم الخليل عليه السلام الذي تضمنه الكتاب العزيز ولا يزال يجري على السنة المؤمنين في دعائهم وضراعتهم لربهم حيث يقول جل من قائل (وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا انك أنت السميع العليم ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا امة مسلمة وارنا مناسكنا وتب علينا انك أنت التواب الرحيم ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم انك أنت العزيز الحكيم). ما سنبينه من معان هو ما ورد في الآية الأخيرة (ربنا وابعث فيهم رسولا...) فالداعي هو سيدنا إبراهيم الخليل عليه السلام والمتوجه إليه بالدعاء هو الله السميع المجيب القريب ممن يدعوه (وإذا سالك عبادي عني فاني قريب أجيب دعوة الداعي إذا دعان) وهو دعاء جاء بعد الفراغ من إقامة أول بيت وضع للناس، بيت الله الحرام الكعبة المشرفة هناك في الوادي غير ذي الزرع بمكة المكرمة والمدعو لهم هم من سيأتون من بعد سيدنا إبراهيم بقرون طويلة من أهل البلد غير ذي الزرع من العرب من أبناء إسماعيل عليه السلام. واستجاب الله تبارك وتعالى لدعاء سيدنا إبراهيم الخليل عليه السلام فبعث الله سيدنا محمدا نبيا ورسولا خاتما بالدين الذي رضيه الله لعباده (إن الدين عند الله الإسلام) روى خالد بن معدان أن نفرا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قالوا له: يا رسول الله اخبرنا عن نفسك قال: نعم أنا دعوة أبي إبراهيم وبشرى عيسى فقد أجاب الله تبارك وتعالى دعاء نبيه إبراهيم عليه السلام وأرسل سيدنا محمدا نبيا ورسولا. والنبوة اصطفاء واجتباء وقد تمنت أمم أخرى (اليهود) أن يكون شرف ختم الرسالات لها فاصطفى الله لهذا الشرف العرب واصطفى من العرب قريشا واصطفى من قريش بني هاشم واصطفى من بني هاشم محمدا عليه الصلاة والسلام (الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس) (الله اعلم حيث يجعل رسالته) وقد جعلها في سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام. قوله تعالى (وابعث فيهم رسولا منهم) وفعلا فهو منهم واليهم (لقد جاءكم رسول من أنفسكم) يعرفونه، يعرفون صدقه وأمانته، يعرفون آباءه وأجداده، تشأ وترعرع بينهم ولو بعثه من غيرهم ومن غير جنسهم البشري لما اتبعوه، لقد أقام الله عليهم به الحجةّ، فهو واحد منهم ولم يدعهم عليه الصلاة والسلام إلا لما فيه صلاحهم وفلاحهم، دعاهم لكل خير ونهاهم عن كل شر، دعاهم لما يحييهم ويعلي شانهم ويرضي عليهم ربهم في الدنيا وفي الآخرة. فهو عليه الصلاة والسلام رسول رب العالمين للناس أجمعين جاءهم ليعلمهم فهو رسول معلم (إنما بعثت معلما) وقال عليه الصلاة والسلام (كن عالما أو متعلما ولا تكن الثالث فتهلك) وتعليم الله لعباده يكون بما وهبهم من ملكات وحواس بها يستطيعون أن يرفعوا عن أنفسهم الجهل ويكون تعليم الله لعباده عن طريق الأنبياء والمرسلين الذين يوحي إليهم ويعلمهم بما يوحي به إليهم فيقومون هم بتعليم الناس من هذا العلم الإلهي الصحيح الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. قوله تعالى (يعلمهم الكتاب والحكمة) والكتاب هو القرآن والحكمة هي المعرفة بالدين والفقه في التأويل والفهم وهو سجية ونور من الله تعالى قاله مالك بن انس رضي الله عنه ورواه عنه ابن ذهب وقال قتادة والحكمة السنة وقيل الحكم والقضاء خاصة. والكتاب والحكمة بمعنى السنة بينهما تلازم وتكامل قال عليه الصلاة والسلام (أوتيت القرآن ومثله معه) والذي مثل القرآن معه هي السنة (أقوال وأفعال وإقرارات رسول الله صلى الله عليه وسلم) وهي التي أمر عليه الصلاة والسلام بأن يبين بها للأمة دينها قال تعالى (لتبين للناس ما نزّل إليهم) وهو عليه الصلاة والسلام في هذا التبيين لا ينطق عن الهوى (إن هو إلا وحي يوحى) قوله تعالى (ويزكيهم انك أنت العزيز الحكيم) قال القرطبي أي يطهرهم من وضر (وسخ) الشرك والشرك ظلم عظيم قال تعالى (إن الشرك لظلم عظيم) وقال (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك) فالرسول صلى الله عليه وسلم يطهر المؤمنين من الشرك والكفر والضلال ويطهرهم من الفواحش ما ظهر منها وما بطن ويزكي أرواحهم بالإيمان والتقوى والطاعة لله رب العالمين فإذا بهم يرتفعون بهذا الإتباع والاهتداء بسيد المرسلين عليه الصلاة والسلام إلى أعلى عليين فيصبحون أحب مخلوقات الله إلى الله (ولا تهنوا ولا تحزنوا وانتم الأعلون إن كنتم مؤمنين) (ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين). تزكية رسول الله صلى الله عليه وسلم للمؤمنين المتبعين له تكون بتهذيب أخلاقهم وسلوكياتهم فيصبحون على خلق كريم مقتدين بمن هو في كتاب الله العزيز ممدوح بقوله جل من قائل (وانك لعلى خلق عظيم) وتزكية الأنفس بالتقوى والخلق الكريم باب من أعظم أبواب الطاعة تجعل من صاحبها ينال مراده ومبتغاه من الهداية إلى الصراط المستقيم (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا) إنهم الفائزون حقا وهم الناجون وهم الأقرب يوم القيامة مجالسا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وتختم الآية بقوله جل من قائل (انك أنت العزيز الحكيم) فالعزيز معناه المنيع الذي لا ينال ولا يغالب والذي لا يعجزه شيء وهو سبحانه وتعالى الحكيم الذي لا يصدر عنه إلا ما فيه الخير، كل الخير، (انظر القرطبي الصفحة 131 وما قبلها من الجزء الثاني).



الكلمات الشائعة

 

الأستاذ محمد صلاح الدين المستاوي

خريج جامعة الزيتونة كلية الشريعة قسم الفقه وأصول الفقه : الليسانس وشهادة الدراسات المعمقة في موضوع : شروح الموطأ باحث بجامعة أكسان برفانس مرسيليا فرنسا من 2001-2002 إلى 2008-2009

الكلمات الشائعة

العنوان

28 نهج جمال عبد الناصر –تونس
+216 71 43 21 33
+216 71 32 71 30

أحدث المقالات

2026-01-25

الاسلام: حقائق وأعلام ومعالم

موقع الشيخ محمد صلاح الدين المستاوي عضو المجلس الإسلامي بتونس وخريج جامعة الزيتونة (كلية الشريعة وأصول الدين) يتضمن تعريفا بالشيخ والده الحبيب المستاوي رحمه الله وهو احد علماء الزيتونة ودعاة الإسلام حيث سيجد المتصفح لهذا الموقع فقرات من أعماله.