المصاب في محمد صالح الجابري جلل يتجاوز حدود تونس إلى كل أشقائها في الجزائر وليبيا وغيرهما
رحم الله أخانا محمد صالح الجابري ما كنا نحسب انه سيغيب عنا ويرحل إلى دار البقاء بهذه السرعة ولكنه الأجل الذي قدره الله لعباده وقال في محكم كتابه (إذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون). هكذا يسبقنا الأخ العزيز إلى الذي نسلم انه مصيرنا ومصير كل كائن حي حتى أفضل الخلق عند الله فقد نعاه ربه لنفسه وقال له (انك ميت وإنهم ميتون). حسبنا أن الأفاضل والأكارم والأشاوس من خلق الله ما يموت منهم إلا الأجسام التي هي من تراب وتؤول إلى التراب أما الذكر الحسن والأثر الطيب فلعلهما يزدادان بالموت انتشارا بين الناس، وأخونا محمد صالح الجابري رحمه الله وأجزل مثوبته من هؤلاء العصاميين شق طريقه المليء بالمتاعب وحتى العراقيل بعزيمة ومضاء لا يبالي بما يلاقيه مما هو في الحقيقة من الزبد الذي يذهب جفاء، انه من أولئك القلة -والكرام قلة في كل الأزمنة والأمكنة- الذين شمروا على ساعد الجد واستهانوا بالصعاب وقلة الإمكانات واختاروا سبيل ما يخلد الذكر مما ينفع الناس ويكتب بأحرف من نور في سجلات التاريخ الذي لا يخلد إلا أمثال محمد صالح الجابري رحمه الله. لم يكن السبيل الذي سلكه الفقيد العزيز مفروشا بالورود ولا أبالغ إذا قلت إن الأشواك في هذا السبيل هي الأغلب، وحسب الرجال الأشاوس أمثال الجابري رحمه الله أن الأشواك والحفر لا تفل من عزائمهم ويمضون إلى غاياتهم التي هي غايات سامية ونبيلة وخالدة. * كان اللقاء قبل الأخير به في مقر الألكسو (المنظمة العربية للتربية والعلوم والثقافة) ويومها ناولني ظرفا وهل يمكن أن يحتوي ظرف من الجابري غير إفادة علمية؟ وكانت ترجمة للشيخ الوالد الحبيب المستاوي رحمه الله تسلمها منه الجابري لما كان مسؤولا في إدارة الآداب بوزارة الثقافة، كان سروري كبيرا بهذه الوثيقة الخطية الهامة جدا والعزيزة جدا علي، شكرت الأستاذ الجابري على عنايته ولكنه اشترط مقابلا على هذه الوثيقة أن أنجز ما وعدته به مرارا وتكرارا ولم أوف به ويا للأسف الشديد وهو ما يتمثل في تحرير ترجمة لمن أريد أن اعرف به من أعلام يأخذ طريقه للنشر في الموسوعة العربية التي كان صاحب فكرتها ومن أنجزها في مجلداتها التسعة عشر التي صدرت في قائم حياته وهي بحق مفخرة الألكسو والثقافة العربية حيث سدت فراغا وذلك بحدب وصبر ومصابرة من محمد صالح الجابري رحمه الله وما أصعب انجاز العمل الجماعي ذي الصبغة المعلمية الموسوعية في عالمنا العربي، فكل واحد منا أمة برأسه أما أن تجعل هؤلاء الذين -تلك خاصيتهم- ينخرطون في عمل جماعي تستفيد منه كل الأمة ويتعرف من خلاله الآخر على عطاءات الحضارة والثقافة العربية الإسلامية في مختلف مجالاتها وميادينها ومن كانوا وراء ذلك من الرجالات من العلماء الأعلام والمفكرين الكبار والأدباء والشعراء، فهذا ما يسجل لمحمد صالح الجابري في الموسوعة العربية التي نرجو أن يتم هذا المشروع الذي نهض به الجابري رحمه الله وظل إلى آخر أيام حياته يتابع مراحله من الاستكتاب إلى الكتابة والمراجعة إلى النشر، مراحل متتابعة متلاحقة في رؤية واضحة وفي منهجية دقيقة وضعها الجابري والتزم بها ولم يلتحق الفقيد بدار البقاء إلا بعد أن شارف مشروع الموسوعة العربية على نهايته فما اجتمع من المواد لدى الجابري يجعل الطمأنينة إلى الإمكانية الفعلية لانتهاء هذا العمل الكبير واردة بل ممكنة وبأقل كلفة، فما أنجز هو الأشق وهو الأصعب وهو الذي تفرغ له محمد صالح الجابري رحمه الله وأجزل مثوبته. ولقد أحسنت صنعا جمعية الدعوة الإسلامية العالمية وعلى رأسها الأستاذ الدكتور محمد أحمد الشريف عندما دخلت كطرف في انجاز هذا العمل العلمي الرائد خدمة للثقافة العربية الإسلامية وعندما بادرت السنة الماضية إلى عقد ندوة بمقرها بطرابلس كرمت فيها محمد صالح الجابري رحمه الله وقدمت فيها عروض عن الموسوعة العربية. * التقيت بمحمد صالح الجابري رحمه الله هنا في تونس كما التقيت به في الخارج فشدني إليه تواضعه وخلقه الرضي وعلمه الواسع ومواكبته للحركة الفكرية في تونس لعقود طويلة، كان رحمه الله يروي تفاصيل ما عاشه وكل جيله من صراع عنيف بين دعاة الأصالة العربية الإسلامية وبين أولئك الذين ينكرون أن تكون لهذه البلاد خصوصية وكان رد الجابري عمليا يتمثل في عطاء فكري أصيل وجاد يمدّ.