المسلم بين واجب التقدير للسيد المسيح عليه السلام وتجنب التقليد
يحتفل في آخر شهر ديسمبر من كل عام عدد كبير من سكان المعمورة بذكرى عيد ميلاد المسيح عليه السلام. وهي ذكرى عزيزة على كل مؤمن بالله ورسله وكتبه وباليوم الآخر. ورسالة السيد المسيح وحياته لا تختلف عن رسالات بقية الأنبياء والرسل من لدن آدم عليه السلام إلى سيدنا محمد خاتم الأنبياء والمرسلين عليه الصلاة والسلام. لقد دعوا جميعا إلى حقيقة واحدة وكلمة واحدة هي لا اله إلا الله. والإسلام الذي هو آخر الأديان وأكملها واشملها خص أهل الكتاب من يهود ونصارى بمكانة مرموقة وميزهم على غيرهم من بني البشر. والذي يستعرض آيات الكتاب العزيز يجدها تشتمل على صور من الإجلال والإكبار للسيد المسيح عليه السلام وأمه مريم العذراء كما تدعو هذه الآيات المسلمين إلى معاملة أهل الكتاب بالرفق ومجادلتهم بالتي هي أحسن [لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين]. كما أن آية أخرى تنهى المسلمين عن الغلظة والشدة عند مجادلة أهل الكتاب [ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم]. إن هذين الآيتين إلى جانب آيات عديدة هي خير دافع وملزم للمسلم كي يبسط يديه على أهل الكتاب ويتمنى لهم كل خير في العاجل والآجل. ويعبر عن ذلك في المناسبات العزيزة عليهم. إن المسلم عندما يهنئ أتباع المسيح بذكرى ميلاده لا يشعر بأدنى مركب أو تصنع، انه يأتي هذه المبادرة بصفة تلقائية ويجد في نفسه إكبارا للسيد المسيح وتعلقا به والتقاء مع جوهر رسالته في الدعوة إلى الخير والفضيلة ومحاربة الشر والرذيلة وهو ما يصبح قاسما مشتركا أعظم يعتمده المؤمنون بالإسلام والمسيحية لوضع اليد في اليد والتعاون بصدق وإخلاص. غير أن الشعور بالتجاوب من المسلم نحو المسيح وأتباعه ينبغي أن لا يتجاوز هذا الحد إلى التقليد الأعمى والتمسك بالقشور والمظاهر الزائفة التي يعتبرها البعض علامة تعلق ومحبة وتمسك من مثل الحرص على أكلات معينة ومشروبات مخصصة وسهرات ماجنة تنتهك فيها الحرمات وتؤتى فيها المنكرات بدعوى إحياء ذكرى الميلاد وصاحب الذكرى عليه السلام براء من ذلك إذ تناقض هذه التصرفات الطائشة جوهر رسالته التي هي خير وفضيلة ومحبة وصدق وعفة. والإسلام يأبى على معتنقيه أن يكونوا كالريشة في مهب الرياح ويأبى عليهم التقليد الأعمى والتصرفات الخرقاء. ويدعوهم بإلحاح كي ينفذوا إلى الجواهر فالمسلم لا يكون إمعة إذا أحسن الناس أحسن وإذا أساؤوا أساء بل يحسن إذا أحسنوا ولا يسيء إذا أساؤوا. لا يقبل منه دينه ازدواج الشخصية والمواقف والتظاهر بالفضيلة وإتيان الرذيلة والدعوة إلى الخير والتصرف تصرف الأشرار. إن المسلم مدعو في هذه المناسبة وغيرها إلى ضرب المثل لوحدة الشخصية وعزة النفس وسلامة التصرف وعمق النظرة ليكون نموذجا يحتذى به فيقود ولا يقاد ويلقن أتباع المسيح في مثل هذه المناسبة درسا عميقا في حسن الأسوة وروعة الاقتداء وصادق التعلق بما جاء به السيد المسيح وما دعا إليه من مثل سامية وقيم خالدة هي خير ما يتسلح به الإنسان في هذا العصر الذي طغت فيه المادة وكادت تتأله.