العمل الصالح في الأيام العشر من ذي الحجة

العمل الصالح في الأيام العشر من ذي الحجة


إذا كان من كتب الله لهم أن يكونوا من حجيج بيت الله الحرام إما في المدينة المنورة يزورون رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسجده ويتشرفون بالسلام عليه في مواجهته ويصلون في روضته أو أنهم قصدوا رأسا مكة المكرمة حيث ينتظر الجميع شهود الموسم والوقوف بعرفة و(الحج عرفة) فإن سواهم من بقية أمة محمد صلى الله عليه وسلم حيثما كانوا جعل الله لهم ما يعظم به أجرهم وثوابهم إذا كان فاتهم لسبب ولآخر إن يكونوا من حجيج بيت الله الحرام. لقد جعل الله في دين الإسلام -دين رحمة الله الواسعة بعباده- مواسم هي أيام وليالي يزداد فيها الأجر ويتضاعف على الأعمال التي يؤديها المؤمنون عادة. وهذه المواسم كثيرة، إنها في الأسبوع (يوم الجمعة) وفي الشهر (أيام الاثنين والخميس وأيام الثالث عشر والرابع عشر والخامس من كل شهر) وفي السنة يوم عرفة وأيام وليالي شهر رمضان وليلة القدر وليلتي العيدين وهذه الأيام والليالي من شهر ذي الحجة، بل وحتى في اليوم الواحد هناك ساعات يستجاب فيها الدعاء في الثلث الأخير من الليل وبالأسحار وعند الفجر ودبر الصلوات وفي مجالس الذكر... إنها فرص سانحة ومناسبات مواتية يغتنمها الموفقون من امة محمد صلى الله عليه وسلم للتزود بخير زاد (وتزودوا فان خير الزاد التقوى). وما أحوج المؤمن إلى الزاد في رحلته إلى ربه وسعيه إليه، انه الزاد النافع في يوم لا ينفع فيه المال ولا ينفع فيه البنون وغير ذلك من عروض الدنيا الزائلة. ومن فضل الله علينا معاشر المؤمنين أننا في دين الإسلام وفي هدي سيد الأنام عليه الصلاة والسلام نستطيع إن نجمع بين الحسنيين: العمل للدنيا والعمل للآخرة. فحلال الدنيا وطيباتها مما أباحه الله لعباده (قل من حرم زينة الله التي تخرج لعباده والطيبات من الرزق) ولكن هذه الدنيا فانية وهي سبيل إلى الدار الباقية (تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين). * والتقوى هي اجتناب وانتهاء عن كل ما حرم الله على عباده من الخبائث ومساوئ الأقوال والأفعال وهي امتثال وطاعة بآداء ما فرض الله على عباده واستزادة في الخير بكل ما تعنيه كلمة خير من قول أو فعل. من الأيام المباركة هذه الأيام التي تظلنا، الأيام التي تسبق يوم عيد الأضحى، العشر الأوائل من هذا الشهر شهر ذي الحجة الذي هو شهر آداء خامس أركان الإسلام: الحج إلى بيت الله الحرام. فقد روى البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام يعني أيام العشر قالوا يا رسول الله ولا الجهاد في سبيل الله قال: ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل خرج بنفسه وماله ولم يرجع من ذلك بشيء). * والعمل الصالح يشمل كل الطاعات والقربات من أفعال وأقوال وسائر التصرفات، وأفضل الأعمال الصالحة وأحبها إلى الله سبحانه وتعالى أداء ما فرض الله على عباده (وما تقرب إلي عبدي بأفضل مما افترضته عليه) ولكن المؤمن لا يكتفي بأداء الفرائض بل يزيد عليها ويضيف إليها ما استطاع من النوافل فهي التي تتحقق له بها درجة المحبة (لا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه) والنوافل صلوات وصيام وصدقة وكمل ما هو من قبيل التطوع والزيادة في الخير. إنها أعمال ولكنها أيضا أقوال والكلمة الطيبة كالشجرة الطيبة، والكلمة الطيبة صدقة. وقد أمر الله تبارك وتعالى عباده بأن يذكروه ذكرا كثيرا وأن يسبحوه بكرة وأصيلا والذكر من أعظم أبواب الأجر والثواب (ولذكر الله اكبر) وقد أوصى به رسول الله صلى الله عليه وسلم أمته ونصح به أصحابه فقد لمعاذ (والله يا معاذ إني لأحبك فلا تدعن أن تقول دبر كل صلاة (اللهم اعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك). * فالذكر بكل أنواعه مما يتقرب به إلى الله في سائر الأوقات والأيام ولكن الأجر عليه يكون اكبر وأعظم في هذه الأيام بالذات فقد روى الإمام احمد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (ما من أيام أعظم ولا أحب إلى الله العمل فيهن من هذه الأيام فأكثروا فيها من التهليل والتكبير والتحميد) وروى ابن حبان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (أفضل الأيام يوم عرفة). فهنيئا للمؤمن الذي يوفقه الله تبارك وتعالى بان يكون لسانه في هذه الأيام رطبا بذكر الله، لا يشغل لسانه بغير التهليل (لا اله إلا الله) وهي أفضل الكلمات (أفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي لا اله إلا الله) والتكبير (الله اكبر) والتحميد حمد الله على نعمه التي لا تحصى ولا تعد: نعمة الهداية ونعمة الصحة والعافية ونعمة البنين وغير ذلك من النعم التي تكرم بها الله علينا فالشكر سبب في الزيادة (لئن شكرتم لأزيدنكم) ويستحب صيام هذه الأيام أو ما تيسر منها وبالأخص يستحب صيام يوم عرفة وذلك بالنسبة لغير الحجيج فإنهم يتفرغون في ذلك اليوم للذكر والدعاء ويستعدون لنيل الجائزة الكبرى التي هي غفران سيآتهم وذنوبهم وقول ربهم لملائكته (هؤلاء عبادي جاؤوا من كل فج شعثا غبرا ألا أشهدكم أني قد غفرت لهم) فيخرجون من ذنوبهم كيوم ولدتهم أمهاتهم. تلك جائزة الحجيج أما غيرهم من بقية المؤمنين حيثما كانوا فإن فيندب أن يصوموا يوم عرفة فقد ورد في الحديث المتفق عليه (ما من عبد يصوم يوما في سبيل الله إلا باعد الله بذلك اليوم وجهه عن النار سبعين خريفا) وروى الإمام مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (صيام يوم عرفة احتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والتي بعده) وما أعظمها من جائزة وهدية فصائم يوم عرفة من غير الحجيج إيمانا واحتسابا يكفر له صيام هذا اليوم المبارك أن تمحى به سيآت العام الذي سبقه والعام الذي بعده، إنها أبواب الخير يفتحها الله لعباده الصالحين ليكونوا فيها مجتهدين في الطاعات مجتنبين لكل ما يغضب الله معرضين عن اللغو مبادرين إلى آداء كل ما يقربهم إلى الله سبحانه وتعالى من أعمال الخير وما أكثرها ومع اقتراب العيد يتهيأ المؤمن لآداء سنة سيدنا إبراهيم الخليل عليه السلام الذي فدى له الله ولده إسماعيل عليه السلام بذبح عظيم. وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم (ضحى بكبشين أملحين أقرنين ذبحهما بيده وسمى وكبر ووضع رجله على صِفَاجِهما) متفق عليه. وينبغي على المسلم أن يحرص على آداء صلاة العيد فيسعى إليها في خشوع وسكينة ليعود على أثرها إلى أضحيته فيذبحها تقربا إلى الله جاعلا فيها نصيبا لإخوانه من الفقراء والمحتاجين صدقة خالصة لله تبارك وتعالى ومتوجا بذلك ما بدأ القيام به من أعمال صالحة منذ أن أطلت عليه هذا الشهر المبارك وأيام العشر من ذي الحجة راجيا من الله القبول والثواب الجزيل.



الكلمات الشائعة

 

الأستاذ محمد صلاح الدين المستاوي

خريج جامعة الزيتونة كلية الشريعة قسم الفقه وأصول الفقه : الليسانس وشهادة الدراسات المعمقة في موضوع : شروح الموطأ باحث بجامعة أكسان برفانس مرسيليا فرنسا من 2001-2002 إلى 2008-2009

الكلمات الشائعة

العنوان

28 نهج جمال عبد الناصر –تونس
+216 71 43 21 33
+216 71 32 71 30

أحدث المقالات

2026-01-25

الاسلام: حقائق وأعلام ومعالم

موقع الشيخ محمد صلاح الدين المستاوي عضو المجلس الإسلامي بتونس وخريج جامعة الزيتونة (كلية الشريعة وأصول الدين) يتضمن تعريفا بالشيخ والده الحبيب المستاوي رحمه الله وهو احد علماء الزيتونة ودعاة الإسلام حيث سيجد المتصفح لهذا الموقع فقرات من أعماله.