الحديث الثامن: حرمة المسلم

الحديث الثامن: حرمة المسلم


عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال “أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وان محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله تعالى” البخاري ومسلم. هذا حديث آخر من الأربعين النووية يرويه عبد الله ابن عمر رضي الله عنهما وقد سبق أن أتينا ببعض من جوانب سيرته وحياته رضي الله عنه وعن أبيه عمر الفاروق. والآمر في هذا الحديث هو الله جل وعلا، فهو احكم الحاكمين وارحم الراحمين والمأمور هو رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي جمع فيه الله تبارك وتعالى صفات النبوة والرسالة والإمامة والتولي لشؤون المؤمنين في عاجل دنياهم وفي ما يصلح آخرتهم. والمخاطب بأمر القتال هو رسول الله صلى الله عليه وسلم بصفته القائم على شؤون الدنيا والدين بالنسبة للمسلمين وطاعته عليه الصلاة والسلام هي من طاعة الله "أطيعوا الله وأطيعوا الرسول) وهو عليه الصلاة والسلام من قال فيه الله في كتابه العزيز والخطاب للمؤمنين به (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا ما قضيت ويسلموا تسليما) إن المؤمن الصادق ليس له اختيار إذا اختار الله ورسوله أمرا فموقفه ينبغي أن يكون كما قال الله تعالى في كتابه العزيز (سمعنا واطعنا غفرانك ربنا واليك المصير). إن قتال الناس ليس من التكاليف الفردية والأمر بالقتال هو من الله ومتولي إعطاء الإذن به إنما رسول الله صلى الله عليه وسلم أو من يقوم مقامه في الأمة أي ولي الأمر. والإجماع حاصل بين العلماء على أن الخروج للقتال لا يكون إلا بأمر من ولي أمر المسلمين وما سوى ذلك فهو من الفتنة التي هي اشد من القتل (والفتنة نائمة لعن الله من أيقظها) كما أن علماء المسلمين فصلوا القول في وجوب الحفاظ على الأمن والعمل بكل ما في الوسع لنفي القتل والترويع للآمنين. كما أن العلماء اتفقت كلمتهم على الحفاظ على أمن الناس وأرواحهم والحفاظ على أعراضهم وأموالهم من الكليات التي انبنت عليها تعاليم الإسلام وانه مهما كان المنكر المرتكب فان نشر الفتنة وقتل الأنفس البشرية وإزهاق أرواحها هو منكر اشد قال الله تعالى من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا). فالأمر بالقتال له شروطه وأحكامه والجهاد في سبيل الله فصل العلماء القول فيه ولا يمكن أن يوصف دين الإسلام بالظلم والعدوان وسفك الدماء واستباحه الحرمات وآياته المحكمة وسيرة نبيه الكريم عليه الصلاة والسلام مليئة بالدعوة إلى السلام والأمن والتعايش بين بني الإنسان “وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا” وتحرم الإكراه والتسلط على الرقاب (لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي) (لكم دينكم ولي دين) (انك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء) (من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر) (لست عليهم بمسيطر) ألم يكتف رسول الله صلى الله عليه وسلم بالرد على من أساؤوا إليه وتحاملوا عليه بأن قال (اللهم أهد قومي فإنهم لا يعلمون) ألم يعاتب عليه الصلاة والسلام عتابا شديدا صاحبه الذي أجهز بسلاحه على من قال “لا إله إلا الله” متعللا بأنه قالها بلسانه قال له (هل شققت صدره)؟ كلا إن الإسلام ليس دين قتل للأنفس البشرية ولا هو دين ظلم وعدوان وحتى الآيات الآمرة بالقتال والجهاد فينبغي قراءتها في سياقها التاريخي وظرفها الخاص فالإسلام وهو رسالة رب العالمين للناس أجمعين ينبغي أن تصل إلى كل الناس وإبلاغها هو لإقامة الحجة والشهادة وينبغي أن يكون بالحكمة والموعظة الحسنة “ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة” فلا بد من إبلاغ رسالة الإسلام إلى الناس أجمعين تبرئة للذمة وخروجا من المسؤولية والتبعات ففي حجة الوداع وقف الرسول عليه الصلاة والسلام بين كل فقرة وفقرة من خطبته الجامعة يقول “ألا هل بلغت اللهم فاشهد إلا فليبلغ الشاهد منكم الغائب” كما أن الله تبارك وتعالى أوْكل مهمة التبليغ بعد ختم النبوة والرسالة بسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم إلى المسلمين (لتكونوا شهداء على الناس) فالمعروض في دين الإسلام من قبل المسلمين على الناس هو أن يدخلوا في دين الإسلام فإذا فعلوا ذلك أصبحوا أخوة للمسلمين لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين. فإن أبوا الدخول في الإسلام فلهم ذلك إذ (لا إكراه في الدين) ويؤدي القادرون الجزية في مقابل ما تسديه لهم دولة الإسلام من خدمات الجزية كما يدفع القادرون من المسلمين الزكاة. والقتال إن وقع فبعد هذين المرحلتين، انه قتال في ساحة القتال لا غدر فيه ولا تمثيل فيه ولا وحشية فيه قتال بسبب وقوف هؤلاء في وجه إبلاغ رسالة الإسلام لمن وراءهم من الناس لأن الإسلام هو دين الله للناس أجمعين لا يجوز أن يُحْرَمَ من خيره وفضل اعتناقه أحد من عباد الله مهما كانت مرتبته ومهما كان مكانه قصيا وبعيدا. تلك كانت مسيرة الجهاد في سبيل الله التي لم يحد عنها قيد أنملة والمنصفون من المؤرخين يشهدون بذلك: لا استعمار ولا استعباد ولا قهر ولا امتهان بل إبلاغ بسماحة ورفق لرسالة الإسلام للناس أجمعين، وهذا المنهج المسالم السمح المحب للخير للناس أجمعين هو الذي أوصل الإسلام إلى مجاهل إفريقيا وأقاصي آسيا عن طريق الرحالة والتجار، والإسلام دين دعوة والرسول عليه الصلاة والسلام يبشر من يكون سببا في دخول فرد واحد إلى الإسلام بأن ذلك خير من الدنيا وما فيها قال عمر بن عبد العزيز لمن شكا إليه من كثرة الداخلين في الإسلام وقلة مدخول بيت مال المسلمين قال له (إن الله بعثنا دعاة ولم يبعثنا جباة) فهذا الحديث الذي بين أيدينا وما هو على شاكلته ومنواله في الدعوة إلى القتال والجهاد في سبيل الله لا ينبغي أن نخرجه عن السياق العام والخصائص العامة لرسالة الإسلام التي هي رسالة رحمة وخير لكل الناس يقول جل من قائل (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) ولأجل ذلك فإن هذا الحديث مثله مثل غيره من الأحاديث والآيات ليس لنا أن نخفيها ونتخفى منها ولا يمكن أن تسبب لنا في العقد والمركبات فنحن نؤمن بها ونصدقها عندما يثبت ورودها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا نتذرع بإنكارها بل نفهمها الفهم الصحيح المستنير، الفهم المتطابق مع جوهر الإسلام والمجسم لمقاصده النبيلة التي هي خير كلها ورحمة كلها وجمال كلها لأنها من عند الكامل جل وعلا الأعلم والأرحم بعباده. إن النطق بالشهادتين هو تسليم لله بالوحدانية فهو الله الواحد الأحد الذي لا شريك له ولا ند والذي لم يلد ولم يولد ولم يتخذ صاحبة ولا ولدا ولا قبل أن يكون له شريك (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) ذلك هو حقه على عباده كما إن النطق بالشهادتين يتضمن التسليم لسيدنا محمد بأنه خاتم الأنبياء والمرسلين، فالشهادتان هما حجر الزاوية في الدين وفي العقيدة الإسلامية وكل ما سواهما من أركان الإسلام فمن مقتضياتهما ومترتب عنهما. ولأجل ذلك فإنّ العلماء اجمعوا بان من لا ينطق بالشهادتين لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا فدونهما لا ينتفع عبد من العباد بأي عمل من الأعمال الصالحة التي قدمها. الناطق بالشهادتين يدخل في عداد المسلمين له ما لهم وعليه ما عليهم مهما كان لونه أو جنسه أو مرتبته. الناطق بالشهادتين اقرب إلى المسلمين وأحب إلى الله من منكرهما حتى لو كان من أقرب المقربين. والناطق بالشهادتين عاصم لدمه وماله وعرضه فلا اله إلا الله محمد رسول الله سياج مانع وحصن حصين للناطق بهما وبذلك يضمن الإسلام للمسلمين جميعا حدا أدنى من الحقوق الأساسية نحو بعضهم البعض. إن الإسلام يمنع المسلم من أن يتكلف ما لا يعنيه وما هو خارج عن نطاقه وما لا يعلمه من بواطن الناس (أمرنا أن نحكم بالظاهر والله يتولى السرائر). وعطف رسول الله صلى الله عليه وسلم الأمر بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة على أمر الناس بأن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يخفى ما لهذين الركنين من الأهمية والمنزلة الرفيعة في دين الإسلام فإذا كانت الصلاة التي هي عماد الدين وهي تطهير وتزكية للباطن فإن الزكاة في معناها اللغوي والشرعي تطهير للمال الذي هو في الأصل من الله وهو لله من كل الشبهات. وقد ورد الأمر في القرآن بالصلاة مقترنا بالأمر بآداء الزكاة (أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة) وهي من الحجج التي استند عليها سيدنا أبو كبر رضي الله عنه عندما حارب من امتنعوا عن أداء الزكاة حيث قال “والله لا افرق بين أمرين جمعهما الله (أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة)”. إن من شهد إن لا إله إلا الله وان محمد رسول الله وأقام الصلاة “الصلوات الخمس والجمعة وغيرهما” وأدى الزكاة عندما يبلغ ماله النصاب ويحول عليه الحول إن هؤلاء معصومة دماؤهم محفوظة أموالهم لا يمكن أن ينالهم أذى وان يتسلط عليهم عقاب في هذه الحياة الدنيا وإذا ما استحقوا عقابا فإنما هو على ما يمكن أن يأتوه من المخالفات كقتل النفس أو الزنا أو السرقة مما انزل الله له أحكاما في القرآن والسنة النبوية الطاهرة. إن من شهد أن لا إله إلا الله وان محمدا رسول الله ونطق بذلك لسانه ثم أقام صلاته وأدى زكاته فقد عصم دمه وماله ويبقى بعد ذلك على الله حسابه لأنه العليم وحده بخفاياه ونواياه وهو وحده السميع البصير العليم وهو وحده الذي لا يمكن مغالطته وهو الذي مقياسه في الأعمال إنما هو الإخلاص وذلك أمر آخر له تفصيله في آيات عديدة وأحاديث كثيرة أما هذا الحديث فهو متوجه إلى الظواهر المرئية التي أمرنا أن نحكم بها وأن لا نتجاوزها إلى البواطن والنوايا بقي أن نشير في خاتمة هذا الحديث أن ذكر الصلاة والزكاة دون ذكر بقية الأركان من صيام وحج يعود إلى تقدم فرض ركني الصلاة والزكاة وإلا فإن عديد الأحاديث النبوية تبشر ما أعده الله للقائم بهما “الصيام والحج” من جزيل الأجر والثواب كما وردت نصوص عديدة تتوعد المتكاسل عن أداءهما “الصيام والحج” ولا خلاف بين العلماء إن أركان الإسلام كما سبق بيانه في الحديث الثالث من الأربعين النووية “بني الإسلام على خمس...” هي كل لا يتجزأ فمن وجبت عليه إحداهن وجب عليه المبادرة بالامتثال والطاعة والله الهادي إلى سواء السبيل.



الكلمات الشائعة

 

الأستاذ محمد صلاح الدين المستاوي

خريج جامعة الزيتونة كلية الشريعة قسم الفقه وأصول الفقه : الليسانس وشهادة الدراسات المعمقة في موضوع : شروح الموطأ باحث بجامعة أكسان برفانس مرسيليا فرنسا من 2001-2002 إلى 2008-2009

الكلمات الشائعة

العنوان

28 نهج جمال عبد الناصر –تونس
+216 71 43 21 33
+216 71 32 71 30

أحدث المقالات

2026-01-25

الاسلام: حقائق وأعلام ومعالم

موقع الشيخ محمد صلاح الدين المستاوي عضو المجلس الإسلامي بتونس وخريج جامعة الزيتونة (كلية الشريعة وأصول الدين) يتضمن تعريفا بالشيخ والده الحبيب المستاوي رحمه الله وهو احد علماء الزيتونة ودعاة الإسلام حيث سيجد المتصفح لهذا الموقع فقرات من أعماله.