الحج رحلة الإخلاص والتجرد ومراعاة حرمة الزمان والمكان: إنجاحها مسؤولية جميع الأطراف

الحج رحلة الإخلاص والتجرد ومراعاة حرمة الزمان والمكان: إنجاحها مسؤولية جميع الأطراف


ينطلق حجيج بيت الله الحرام لأداء شعيرة الحج يغمرهم الشوق إلى هاتيك البقاع التي خصها الله بأن جعلها محج المسلمين ففي ذلك البلد الحرام: الكعبة المشرفة ومطافها وملتزمها وحجرها الأسود وحجر إسماعيل ومقام إبراهيم وزمزم والصفا والمروة، معالم خالدة وأماكن جعل الله لها من الأحكام والخصوصيات الروحية والقداسة ما لا يزال يشد إليها حجيج بيت الله منذ أن هاجر إلى ذلك الوادي غير ذي الزرع إبراهيم الخليل عليه السلام مصحوبا بابنه إسماعيل عليه السلام وأمه هاجر. هناك ترك الأب (إبراهيم) ابنه وزوجته عند من لا تضيع لديه الودائع وعاد إليهما ثانية ليقيم أركان البيت، بيت الله الحرام الكعبة المشرفة ويدعو في ذلك المكان ومنذ ذلك الزمان الموغل في القدم بما حققه الله تبارك وتعالى وجسده في حيز الواقع ببعثه سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام بآخر الأديان وخاتمتها دين الإسلام يقول جل من قائل (وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلدا آمنا وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر ومن كفر فأمتعه قليلا ثم اضطره إلى عذاب النار وبئس المصير وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا انك أنت السميع العليم ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وأرنا مناسكنا وتب علينا انك أنت التواب الرحيم ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم انك أنت العزيز الحكيم) الآيات 125-126-127-128-129 من سورة البقرة. آيات بينات واضحات ودعوات خالصات خاشعات ليس بينهن وبين الله حجاب، فكل ما دعا به الخليل إبراهيم عليه السلام واستجاب له الله، فحول البيت وبجواره حرم آمن (من يرد فيه بالحاد بظلم نذقه من عذاب أليم) (من دخله كان آمنا) لا يناله مكروه ولا يصل إليه جبار ولا ظالم. يحس كل من يقترب منه ويطوف به بالأمن والسكينة والطمأنينة كما يحس بالعظمة والجلال: جلال الله وجبروته وعظمته وكبريائه وسرعان ما تعود إلى ذاكرة القاصد لبيت الله المقترب من الكعبة بأن هذا البيت العتيق عظيم تهشمت رؤوس كل من أرادوه بسوء وانتهكوا حرمته (ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل ألم يجعل كيدهم في تضليل وأرسل عليهم طيرا أبابيل ترميهم بحجارة من سجيل فجعلهم كعصف مأكول) سورة الفيل الآيات 1 و2 و3 و4 و5. لقد حمى الله بيته وحفظ من خدم هذا البيت فأعلى ذكره (إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها) وعرف الجميع إلا من أعمى الله بصائرهم-حرمة هذا البيت وقدسيته: وهذا عبد المطلب (جد رسول الله صلى الله عليه وسلم) يلهم القول وهو بين يدي أبرهة يستشفع في إبله (أنا رب الإبل وللبيت رب يحميه) ولكن أبرهة لم يفهم ولم يعتبر وسعى بجيشه إلى الهلاك. وطهر إبراهيم وابنه إسماعيل عليهما السلام البيت: بيت الله للطائفين به والعاكفين حوله والراكعين والساجدين في أعظم مسجد وأعظم بيت من بيوت الله والذي جعله الله قبلة للمسلمين يتوجهون إليه في صلواتهم، ودعا إبراهيم الخليل عليه السلام لذلك البلد الذي فيه الكعبة المشرفة بالأمن والسلام والرزق الواسع حيث تجبى إلى أهل ذلك البلد الحرام ببركة دعوات إبراهيم الخليل عليه السلام الخيرات من كل مكان وهي خيرات لا تزيد المؤمنين إلا شكرا وحمدا لربهم أما من كفر بالله فمن ورائه جهنم وبئس المصير. ويمضي سيدنا إبراهيم الخليل داعيا ربه ومتضرعا هو وابنه إسماعيل عليهما السلام (ربنا تقبل منا انك أنت السميع العليم ربنا واجعلنا مسلمين لك وأرنا مناسكنا وتب علينا انك أنت التواب الرحيم ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم انك أنت العزيز الحكيم) كل ذلك تحقق واستجاب له الله تبارك وتعالى فقد بعث بدين الإسلام سيدنا محمدا سيد الأنام عليه الصلاة والسلام بجوار بيت الله الحرام ولد ونشأ وفي مكة المكرمة ترعرع وشب إلى أن جاءه الأمين جبريل عليه السلام بالوحي فدعا قومه الذين يعرفون صدقه وعفافه وأمانته فآمن به من آمن وكفر به من كفر ولكن الله الذي وعد بإتمام نوره وإعلاء كلمته ولو كره الكافرون جعل من مكة المكرمة وما حولها وبعيدا عنها مشرقا ومغربا دارا للإسلام لا يعبد فيها إلا الله ولا تقام فيها إلا شعائر الإسلام. وأمر سيدنا إبراهيم عليه السلام بالآذان بالحج منذ ذلك الزمن المتقدم (وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى مل ضامر يأتين من كل فج عميق) وتساءل إبراهيم الخليل في قرارة نفسه من عسى سيسمع صوتي؟ فأجيب إنما عليك الآذان وعلينا البلاغ. فأذن الله تبارك وتعالى للأرواح التي كتب لأصحابها الحج وهي لم تنزل بعد إلى عالم الأجساد وسيدنا محمد عليه الصلاة والسلام لم يبعث بعد بدين الإسلام فلبت (لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة له والملك لا شريك لك...) وأصبح الحج إلى بيت الله الحرام أحد أركان هذا الدين الخاتم (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا) ولم ينقطع ولن ينقطع الحج إلى بيت الله الحرام إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، في كل عام يشد حجيج بيت الله الحرام الرحال إلى مكة المكرمة حيث الكعبة ليؤدوا هذا الركن الخامس من أركان الإسلام وليشهدوا منافع جمة وقد تجردوا من الدنيا حسا ومعنى وتركوا الأهل والوطن والمال لا غاية لهم من وراء هذا الجهد الكبير الذي يبذلونه إلا أن يكون حجهم مبرورا وأن يخرجوا من ذنوبهم بحجهم كيوم ولدتهم أمهاتهم وقد وعدوا بذلك من قبل من لا ينطق عن الهوى (الحج المبرور ليس له ثواب إلا الجنة) وقد اخبر عليه الصلاة والسلام أن الله تبارك وتعالى يتجلى على عباده يوم الحج الأكبر و(الحج عرفة) فيشهد ملائكته ويقول (هؤلاء عبادي أتوني من كل فج عميق شعثا غبرا ألا أشهدكم إني قد غفرت لهم) فهنيئا لحجيج بيت الله الحرام، ضيوف الرحمان بهذه الجائزة وما أعظمها من جائزة في سبيل نيلها وإحرازها يهون الغالي والنفيس. وما أكرمه من رب وما أعظمه من دين وما ارحمه من نبي حيث خص الله هذه الأمة بهذه الشعيرة العظيمة المتجددة كل عام والتي لا تنتهي ولا تنقضي روحانياتها وإشراقاتها وهي روحانيات وإشراقات وتجليات لا يمكن أن يعيشها إلا من كان هناك بجوار الكعبة وبين الصفا والمروة وعلى عرفات وفي مزدلفة ومنى في الليالي والأيام العشر من شهر ذي الحجة من كل عام حيث لا ترى الحاج مشغولا إلا بالطواف بالكعبة والسعي بين الصفا والمروة والوقوف بعرفة والنزول منها إلى مزدلفة حيث المشعر الحرام ورمي الجمرات في منى هناك حيث رمى إبراهيم الخليل عليه السلام بحصيات اللعين إبليس الذر أراد أن يثني إبراهيم وابنه إسماعيل عليهما السلام عما أمرا به ولكن هيهات هيهات أن يبلغ إبليس مراده ومبتغاه فهو في مواجهة نبيين عظيمين لا يرضيان بغير طاعة ربهما الذي علم منهما صدق النية والعزم فجعل الله من ذبح كبش فدية وسنة محمدية تذكر بفداء إسماعيل بكبش يحييها المسلمون في كل ديار الإسلام كل عام في عيد الأضحى. ولكي يحظى المسلمون من حجيج بيت الله الحرام بما أعده الله من عظيم الأجر وجزيل الثواب فان عليهم أن يجتنبوا كليا الرفث والفسوق والجدال بل عليهم أن يتركوا كثيرا من المباحات حال إحرامهم تفرغا لما شدوا الرحال من اجل أدائه ألا وهو الحج الذي لابد أن يؤديه الحاج على اصح الوجوه (خذوا عني مناسككم). وأهل الذكر من العلماء والفقهاء هم من تقع عليهم مسؤولية تعليم الحجيج مناسك الحج كل ذلك في تيسير ورفع للحرج يقتضيه الاكتظاظ الكبير الذي أصبحت عليه المشاعر المقدسة في عرفة ومزدلفة وعند رمي الجمرات وعند الطواف بالبيت وعند السعي بين الصفا والمروة حيث لم يعد يعقل أن يفتى جموع الحجيج على مذهب فقهي واحد إذ لا يخفى ما في ذلك من الحرج الشديد الذي يمكن أن يتسبب في إزهاق الأرواح البشرية مع أن الأمر أهون من ذلك بكثير (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) (وما جعل عليكم في الدين من حرج) وما وقع قبل سنوات من جراء الازدحام الشديد اقنع الجميع بضرورة الأخذ بالأيسر من الأقوال في المذاهب الفقهية الباقية وحتى غير الباقية. * وليت ما عقد من ندوات وما صدر عنها من توصيات يأخذ طريقه إلى أسماع الحجيج مبسطا ميسرا مسموعا ومقروءا وحتى مشاهد بكل اللغات وحتى اللجهات ليكونوا على بينة من أمرهم قبل انطلاقهم منن بلدانهم وهناك حيث يؤدون مناسك الحج. * انه نداء لن نمل من تكراره والتذكير به وقد أصبحنا والحمد لله نجد له الصدى فيما يكتب ويذاع ويبث ويعقد من ندوات بمناسبة الحج. * فالحج هذا المؤتمر الإسلامي الأكبر المتكرر كل عام ورغم ما بدل من جهود كبيرة مادية وبشرية من قبل حكومة المملكة العربية السعودية مشكورة سيظل محتاجا لكي يؤدي على أحسن الوجوه وأتمها ولكي يؤتي الثمرة المرجوة منه (ليشهدوا منافع لهم) يحتاج إلى جهود الجميع وخبرات وتجارب الجميع لأن الكل يعنيهم الحج. * فكل البلدان يشد منها الرحال لأداء الحج كل عام آلاف وبعض البلدان عشرات الآلاف فلا يمكن أن يقوم بكل الأعباء طرف واحد بل لابد أن تنخرط في المساهمة في حسن أداء الحج كل البلدان العربية والإسلامية فنجاح الحج وإتمامه على أحسن وأكملها مسؤولية الجميع بل مسؤولية كل حاج. * ليست رحلة الحج رحلة ترفيه وترويح وتحلل من الضوابط. * إنها رحلة الصفاء والنقاء والطهارة. * رحلة الفيوضات الربانية والتجليات الإلهية. * رحلة التجرد المادي والمعنوي. * رحلة الإخلاص التي تلخصها كلمات التلبية (لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة له والملك لا شريك لك). * إنها الرحلة التي على الحاج أن يحرص على أن يكون الجواب على تلبيته (لبيك وسعديك وحجك مقبول عليك) ولا يتحقق ذلك إلا بالإخلاص والتجرد والمجاهدة ومراعاة حرمة الزمان والمكان والتفرغ الكامل لما جاء الحاج من اجله وما تحمل في سبيله من تضحيات جسام. * وباستحضار هذه المعاني والمغازي والعبر والدروس نأمل إن شاء الله أن يتقبل الله حجنا ويجعله حجا مبرورا ليس له ثواب إلا الجنة.



الكلمات الشائعة

 

الأستاذ محمد صلاح الدين المستاوي

خريج جامعة الزيتونة كلية الشريعة قسم الفقه وأصول الفقه : الليسانس وشهادة الدراسات المعمقة في موضوع : شروح الموطأ باحث بجامعة أكسان برفانس مرسيليا فرنسا من 2001-2002 إلى 2008-2009

الكلمات الشائعة

العنوان

28 نهج جمال عبد الناصر –تونس
+216 71 43 21 33
+216 71 32 71 30

أحدث المقالات

2026-01-25

الاسلام: حقائق وأعلام ومعالم

موقع الشيخ محمد صلاح الدين المستاوي عضو المجلس الإسلامي بتونس وخريج جامعة الزيتونة (كلية الشريعة وأصول الدين) يتضمن تعريفا بالشيخ والده الحبيب المستاوي رحمه الله وهو احد علماء الزيتونة ودعاة الإسلام حيث سيجد المتصفح لهذا الموقع فقرات من أعماله.