الحج إلى بيت الله الحرام:الثواب الذي أعده الله لحجيج بيت الله الحرام من خلال أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم
يقول جل من قائل: (وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق). ويقول:(ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا) ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم (بني الإسلام على خمس شهادة إن لا اله إلا الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلا). ومن رحمة الله بالأمة أن جعل الله الحج مرة واحدة في العمر فقد خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: (إن الله قد فرض الحج فحجوا فقام رجل وقال: أفي كل عام يا رسول الله فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعاد الرجل: أفي كل هام يا رسول الله؟ والرسول عليه الصلاة والسلام لا يجيب وفي المرة الثالثة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (لو قلت نعم لوجب ولما استطعتم). وقد تطرقت كتب الفقه وكذلك التفاسير وشروح الصحاح والسنن والمسانيد إلى أحكام الحج بالتفصيل، بل خصت المناسك بتآليف أحاطت بالصغيرة والكبيرة من شعيرة الحج ونظم بعض الفقهاء فقه المناسك تيسيرا على من يؤدون هذه العبادة وعندما بلغ ابن عاشر في متنه إلى ركن الحج أتى على كل أحكام الحج بحيث يستطيع حافظ متن ابن عاشر وقارئه أن يأتى هذه المناسك على اصح الوجوه على مذهب الإمام مالك رضي الله عنه. ويبقى أداء مناسك الحج يحتاج القائم به إلى المرشد والدليل الذي يكون قريبا ممن يؤدي المناسك يستوضح ويسأل فيجيب عن بينة وتصور دقيق للسؤال. * وها أنا أورد للقراء باقة من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم المبينة لما أعده الله من الثواب والأجر لمن يحج بيت الله الحرام وذلك بالاعتماد على كتاب (المتجر الرابح في ثواب العمل الصالح) للحافظ أبي محمد شرف الدين عبد المؤمن بن شرف الدمياطي المتوفى سنة 705هـ وقد رتبه على أبواب (العلم والطهارة والصلاة وصلاة التطوع والجمعة والجنائز والصدقات والصوم والحج والجهاد وقراءة القرآن والذكر والبر والصلة والأدب والزهد وغيرها) وأورد في كل باب من هذه الأبواب مجموعة من الأحاديث النبوية مرقمة ومخرجة مقتصرا على ذكر اسم الصحابي الراوي للحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما ذكر في نهاية كل حديث مصدره من الصحاح والمسانيد والسنن وأضاف المحقق الدارس لهذا الكتاب (المتجر الرابح) الأستاذ الدكتور عبد الملك بن عبد الله بن دهيش من علماء الحرمين الشريفين فأورد في هامش كل صفحة موضع الحديث أي الباب ورقمه في الصحيح أو المسند مع شرح لبعض الكلمات الغامضة وأحاديث (المتجر الرابح) كلها في بيان الفضيلة والثواب والأجر بحيث استبعد الحافظ الدمياطي الأحاديث المتعلقة بالأحكام أو بالترهيب وغيرهما. وقد تميزت الطبعة الخامسة عشرة بتنقيحات وزيادات مفيدة (سنة 2001 مكتبة النهضة الحديثة مكة المكرمة) في حجم متوسط. وتعميما للفائدة نعرض للقراء بعضا من الأحاديث النبوية الواردة في الباب التاسع من الحديث 793 إلى الحديث 910 أي حوالي 117 حديثا في فضيلة الحج وثواب أدائه والقيام به وهذه بعضها. ينطلق الحافظ الدمياطي من قول الله تعالى (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا) آل عمران 97 وقوله تعالى (وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى) البقرة 125 ثم يورد أحاديث الباب. * عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (من حج فلم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه) رواه البخاري ومسلم. * وعنه قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الأعمال أفضل؟ قال: “إيمان بالله ورسوله” قيل: ثم ماذا؟ قال: “الجهاد في سبيل الله” قيل: ثم ماذا؟ قال: “حج مبرور” رواه البخاري ومسلم. * وعنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة) رواه البخاري ومسلم. * وعن ابن شماسة قال: حضرنا عمرو بن العاص وهو في سباقة الموت فبكى طويلا وقال: فلما جعل الله الإسلام في قلبي أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت يا رسول الله ابسط يمينك لأبايعك فبسط يده فقبضت يدي فقال: “مالك يا عمرو” قال: أردت أن اشترط قال: تشترط ماذا؟ قال: أن يغفر لي قال: أما علمت يا عمرو إن الإسلام يهدم ما كان قبله وان الهجرة تهدم ما قبلها وان الحج يهدم ما كان قبله) رواه ابن خزيمة وهو في مسلم أطول منه. * وعن عمرو بن عبسة رضي الله عنه قال: قال رجل يا رسول الله ما الإسلام؟ قال: أن يسلم قلبك وان يسلم المسلمون من لسانك ويدك قال: فأي الإسلام أفضل؟ قال: الإيمان قال: وما الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت. قال: فأي الإيمان أفضل؟ قال: الهجرة. قال: وما الهجرة؟ قال: أن تهجر السوء. قال: فأي الهجرة أفضل؟ قال: الجهاد قال: وما الجهاد؟ قال: أن تقاتل الكفار إذا لقيتهم قال فأي الجهاد أفضل؟ قال: من عقر جواده وأهريق دمه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وثم عملان هما أفضل الأعمال إلا من عمل بمثلهما: حجة مبرورة أو عمرة مبرورة" رواه احمد بإسناد رجال الصحيح. * وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (أفضل الأعمال عند الله تعالى إيمان لاشك فيه وغزو لا غلول فيه (سرقة من الغنائم) وحج مبرور). * قال أبو هريرة: حجة مبرورة تكفر خطايا سنة رواه ابن حيان. * وعن ماعز-وهو صحابي لم ينسب (نسبه بعضهم فقال التميمي وهو ممن سكن البصرة) رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم انه سئل أي الأعمال أفضل؟ قال: إيمان بالله وحده ثم حجة مبرورة تفضل سائر الأعمال كما بين مطلع الشمس إلى مغربها" رواه احمد بإسناد جيد. * وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تابعوا بين الحج والعمرة فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة وليس للحجة المبرورة ثواب إلا الجنة" رواه الترمذي وحسنه وابن خزيمة وابن حبان. * وعن جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة“قيل: وما بره؟ قال: اطعام الطعام وطيب الكلام” رواه احمد والطبراني بإسناد حسن وابن خزيمة والحاكم باختصار وقال: صحيح الإسناد وفي روايته لأحمد قال: اطعام الطعام وإفشاء السلام". * وخرج الطبراني بإسناده عن عبد الله بن جراد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حجوا فإن الحج يغسل الذنوب كما يغسل الماء الدرن" الدرن الوسخ. * وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ما يرفع ابل الحاج رجلا ولا يصغ يدا إلا كتب له بها حسنة أو محا عنه سيئة أو رفعه بها درجة" رواه البيهقي وابن حيان في حديث. واخرج البيهقي في الشعب بإسناده عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت أبا القاسم صلى الله عليه وسلم يقول: من جاء يؤم البيت الحرام فركب بعيره فما يرفع البعير خفا ولا يضع خفا إلا كتب الله بها حسنة وحط عنه بها خطيئة ورفع له بها درجة حتى إذا انتهى إلى البيت فطاف وطاف بين الصفا والمروة ثم حلق أو قصر إلا خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه فهلم يستأنف العمل". * واخرج البزار بإسناد فيه راو لم يسم عن أبي موسى رضي الله عنه رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: الحاج يشفع في أربعمائة أهل بيت أو قال: من أهل بيته ويخرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه". * وعن أبي هريرة أيضا قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الحجاج والعمار وفد الله إذ دعوه أجابهم وان استغفروه غفر لهم" رواه النسائي وابن ماجة وابن خزيمة وابن حبان. * وعن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “الحجاج والعمار وفد الله دعاهم فأجابوه وسألوه فأعطاهم” رواه البزار بإسناد جيد. * واخرج الطبراني بإسناده عن أبي ذر رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن داود النبي صلى الله عليه وسلم قال: الهي ما لعبادك عليك إذا همم زاروك في بيتك: قال لكل زائر حق على المزور حقا يا داود لهم علي أن أعافيهم في الدنيا واغفر لهم إذا لقيتهم". * واخرج أيضا بإسناده عن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما راح مسلم في سبيل الله مجاهدا أو حاجا مهلا أو ملبيا إلا غربت الشمس بذنوبه وخرج منها". * وعن ابن عمر في حديث طويل... ثم اقبل على النبي صلى الله عليه وسلم على الأنصاري فقال: إن شئت أخبرتك عما جئتني تسألني وان شئت تسألني وأخبرك فقال: لا يا نبي الله اخبرني عما جئت أسألك فقال: جئت تسألني عن الحاج ما له حين يخرج من بيته وما له حين يقوم بعرفات؟ وما له حين يرمي الجمار؟ وما له حين يحلق رأسه؟ وما له حين يقضي آخر طواف بالبيت؟ فقال: يا نبي الله والذي بعثك بالحق ما أخطأت مما كان في نفسي شيئا قال: فإن له حين يخرج من بيته إن راحلته لا تخطو خطوة إلا كتب له بها حسنة أو حط عنه بها خطيئة فإذا وقف بعرفة فإن الله عز وجل ينزل إلى سماء الدنيا فيقول: انظروا إلى عبادي شعثا غبرا اشهدوا إني قد غفرت لهم ذنوبهم وان كانت عدد قطر السماء ورمل عالج (ما تراكم من الرمل ودخل بعضه في بعض) وإذا رمى الجمار لا يدري احد ما له حتى يتوفاه الله يوم القيامة فإذا قضى آخر طواف بالبيت خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه" رواه البزار وابن حبان وهذا لفظه... * وعن زادان قال: مرض ابن عباس رضي الله عنهما مرضا شديدا فدعا ولده فجمعهم فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من حجّ من مكة ماشيا حتى يرجع إلى مكة كتب الله له بكل خطوة بسبعمائة حسنة (كل حسنة) مثل حسنات الحرم“قيل له وما حسنات الحرم: قال: بكل حسنة مائة ألف حسنة” رواه ابن خزيمة. * وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: جهاد الكبير والضعيف والمرأة الحج والعمرة“رواه النسائي بإسناد حسن وتقدم في حديث عمرو بن عبسة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: عملان هما أفضل الأعمال إلا من عمل بمثلهما حجة مبرورة أو عمرة مبرورة”. * وعن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: الغازي في سبيل الله والحاج والمعتمر وفد الله دعاهم فأجابوه وسألوه فأعطاهم" رواه ابن ماجة وابن حبان. هذه مجموعة من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في فضيلة الحج والثواب الذي أعده الله تبارك وتعالى لمن حج بيت الله الحرام ولاشك أن الثواب العظيم له شرط هو استشعار كل المغازي والمقاصد والدروس والمعاني العميقة التي تتضمنها كل شعيرة من شعائر الحج من الإحرام إلى الطواف بالبيت العتيق إلى السعي بين الصفا والمروة إلى الوقوف بعرفة، (الحج عرفة) إلى النزول بمزدلفة إلى رمي الجمرات في منى إلى طواف الإفاضة والتحلل من الإحرام) مشاهد يعيشها حسا ومعنى حجيج بيت الله الحرام القادمون من كل فج عميق شعثا غبرا ليتلقوا من ربهم في يوم عرفات أعظم عطية وهدية وهي قوله لملائكته (ألا أشهدكم إني قد غفرت لهم). فأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم السالفة الذكر وغيرها هي خير ما يتزود به الحاج وهو يتهيأ لآداء هذا الركن العظيم من أركان الإسلام. * وهل يوجد كلام بعد كلام الله أبلغ وأفصح وأروع وأشد تأثيرا على الأنفس من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي علمه ربه ما لم يكن يعلم وكان فضل الله عظيما والذي قال في حقه ربه جل وعلا (وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى). إنها باقة من أحاديث رسول الله نفعنا الله بها وجعلها لنا خير زاد نتزود به في رحلتنا وسعينا إلى ربنا الذي إليه المنتهى والرجعى والحمد لله في الآخرة والأولى وصلى الله على سيدنا محمد النبي المصطفى.