التربية الإسلامية في المدارس والمعاهد ودورها في تجذير قيم التسامح
تتكون برامج التعليم من مجموعة من المواد الدراسية التي تتكامل فيما بينها لتكون نتيجتها النهائية زادا معرفيا شاملا يتزود به المتعلمون من التحضيري إلى الأساسي وصولا الثانوي والعالي. وقد اختارت العديد من البلدان ومنها تونس أن تكون تسمية الهيكل الحكومي المشرف على هذا القطاع بوزارة التربية في إشارة معبرة بالتنصيص على أن الهدف والغية ليست التلقين المعلوماتي فذلك حاصل غير مقصود كما يقال، المقصود هو التفاعل بين مختلف مواد الدراسة وما يبقى بعد ذلك من أثر على التصرفات ومن طريقة في التفكير والمعالجة لكل ما يمكن أن يجد في حياة الفرد والمجتمع مما هو من سنة الحياة. والمادة التي تريد أن نتطرق إلى دورها في تكوين شخصية الطفل والتلميذ والطالب هي مادة التربية الإسلامية في البرامج المدرسية والجامعية. لقد اشتملت البرامج التربوية للمدرسة التونسية في مختلف مراحلها ومنذ الاستقلال على مادة التربية الإسلامية وإذا كانت ملامح ومضامين هذه المادة في ما كان يسمى بالمدرسة الابتدائية منصهرة ومندمجة في البرنامج المقرر ككل بحيث يتفاوت الاهتمام بها من فصل إلى آخر ومن معلم إلى آخر إذ المعلم كان في الابتدائي يدرس لتلاميذه كل المواد المقررة فان مادة التربية الإسلامية فيما كان يسمى بالثانوي في مرحلتيه وما يسمى اليوم بالإعدادي والثانوي هي مادة مستقلة بذاتها في الساعات المقررة لها وفي الأستاذ الذي يتولى تدريسها، لها ضاربها ولها برنامجها وكتبها الرسمية ويمتحن فيها التلميذ مثل بقية المواد. كان ذلك اختيارا وتوجها لم يكن في يوم من الأيام والحمد لله في تونس منذ الاستقلال والى اليوم محل اختلاف بين مختلف مكونات المجتمع التونسي بكل حساسياته وفئاته وقد ساعد على ذلك ما تنعم به تونس من وحدة في الدين وحتى المعتقد والمذهب وكذلك اللغة قواسم مشتركة بين أفراد شعبنا من شماله إلى جنوبه توفرت لبلادنا ولم تتوفر لبلدان شقيقة عديدة هذه القواسم المشتركة كرسها تاريخ مديد مليء بالعطاء العلمي أشع على محيطه القريب والبعيد من خلال قلاع علمية عتيدة تأتي في طليعتها الزيتونة المباركة التي خرّجت لتونس فطاحل العلماء والأدباء والشعراء أضاؤوا أسماءها فانزاحت عنها الظلمات والجهالات. وعندما انتشر التعليم وتعمم على اثر الاستقلال انصهر أساتذة الزيتونة وشيوخها الذين كانوا يدرسون في الجامع الأعظم وفروعه في المعاهد الثانوية وحتى المدارس الابتدائية ولم يكتفوا بتدريس مادتي التربية الإسلامية والوطنية وقد كانتا إلى عهد قريب يدرسهما أستاذ واحد، بل درسوا العربية ودرسوا التاريخ ودرّس البعض منهم الفلسفة واثبتوا قدرة كبيرة وتفوقا شهد لهم به مديروهم ومتفقدوهم وباركته لهم وزارتهم... أسماء كبيرة لامعة لا يتسع المجال لذكرها تلقت عليها أجيال تونس ما بعد الاستقلال التي تحملت بعد تخرجها ارفع المسؤوليات تشهد هذه الأجيال لأساتذتها من شيوخ الزيتونة بالإخلاص والتفاني والجدية والوطنية والعلم الغزير الذي سرعان ما تأقلم أصحابه مع ما استجد في عالم البيداغوجيا من أساليب كل ذلك بتواضع ونكران ذات وحب شديد لأبنائهم وبناتهم التلاميذ والتلميذات ورغبة في إفادتهم وغرس روح السماحة والتفتح والتعلق بالوطن فيهم وقد نجحوا في ذلك أيما نجاح، ذلك ما ينبغي أن يسجل لمن غادرنا منهم إلى دار البقاء ومن لا يزال منهم على قيد الحياة. وتعاقبت بعد ذلك على تدريس مادتي التربية الإسلامية والوطنية أجيال تخرجت من الكلية الزيتونية للشريعة وأصول الدين سواء حملة شهادة التحصيل الزيتوني التي عودلت بالباكالوريا أو حملة شهادة الترشيح الذين استصدر لهم سماحة الشيخ محمد الفاضل بن عاشور رحمه الله وكان عميدا للكلية إذنا بالالتحاق بصفوف الكلية عندما كان الالتحاق بالجامعة لا يخضع لتوجيه وحتى لا تغلق الكلية أبوابها لعدم وجود من يلتحق بها بصفة تلقائية وقد كان البعض ينتظر ذلك. التحق هؤلاء الخريجون بالتعليم الثانوي فكانوا أساتذة متميزين جمعوا بين التكوين المتين الذي توفر لهم على أيدي شيوخ الكلية وما طعمت به برامجها من مواد في مختلف فروع المعرفة (فلسفة وعلم نفس وتاريخ ولغات أجنبية وتربية مدنية) ولا تزال بعض هذه الأفواج تتولى التدريس والارشاد البيداغوجي والتفقد وكانت دروسهم لتلاميذهم وتلميذاتهم مليئة بالعلم الصحيح والتربية السليمة القويمة المهذبة للأخلاق الغارسة لقيم التحضر والتمدن والحب الشديد للوطن الذي هو من صميم الإيمان. وشهدت الزيتونة (الكلية) ثم الجامعة التحاق أفواج من الطلبة والطالبات عن طريق التوجيه الجامعي وشهدت برامج الدراسة في الزيتونة التطوير تلو التطوير وتخرجت الأفواج تلو الأفواج حاملة لأرفع الشهادات وكان من هؤلاء الطالب التونسي والطالب الذي جاء من بلدان شقيقة وصديقة في شهادة حية إلى أن إشاع تونس بالزيتونة كبير. ولا تزال مادة التربية الإسلامية تستهدي بآيات الكتاب العزيز وأحاديث الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام وسيرته العطرة تلقن للناشئة تعاليم دينهم : عقيدة سليمة سمحة وفقها في العبادات والمعاملات أساسه التيسير والرفق واللين (يريد الله بكم اليسر ولا يردي بكم العسر) (ما جعل عليكم في الدين من حرج) في اجتهاد يواكب به المسلم مستجدات عصره وفي تجاوب وتفاعل مع كل دعوات التقارب والتعايش والتسامح. التربية الإسلامية في مدارسنا ومعاهدنا (مادة ومدرسين) يمكنها اليوم مثلما أمكنها بالأمس أن تساهم مساهمة فعالة في نشر قيم السماحة والرفق والسلام والوئام والانخراط في كل خير ونافع للعباد والبلاد كما يمكنها أن تساهم مساهمة فعالة في تطويق ظواهر التعصب والتزمت والفتنة والفرقة والإرهاب وتجعلها معزولة منبوذة بتعريتها وتجريدها من كل استعمال خبيث للدين الحنيف. التربية الإسلامية وأساتذتها خريجو جامعة الزيتونة هم من قاموا بهذه المهمة على أحسن الوجوه وأتمها وهم من عبروا دائما وأبدا عن انضباطهم واستعدادهم لتحسين مردودهم والتفتح على واقعهم والاطلاع على ما عند غيرهم وهو ما ضمنته لهم جامعتهم تشهد على ذلك برامجها وإطار تدريسها الذي ضم إلى جانب أساتذة الجامعة الأصليين زملاءهم من بقية جامعات تونس بل حتى الأساتذة الزائرين من خارج تونس من البلدان الصديقة والشقيقة. لقد غدا اليوم خريجو جامعة الزيتونة في مستوياتهم العلمية والبيداغوجية لا يختلفون عن بقية زملائهم من خريجي الجامعات الأخرى والكثير من خريجي جامعة الزيتونة ممن شاركوا في بعثات تعليمية أو انتدبوا في مؤسسات ثقافية في العالمين العربي والإسلامي وفي أوروبا (بلجيكا – ألمانيا وفرنسا) يشهد الجميع بكفاءتهم واقتدارهم ووسطيتهم واعتدالهم وأنهم لم يكونوا في يوم من الأيام وراء تلك الإفهام المتعصبة والتصرفات الطائشة التي لا تمت إلى الدين أو العلم بصلة. التربية الإسلامية وقد كان معها وبجانبها توأم شقيق لها مادة التربية المدنية والوطنية هي المدعوة اليوم بواسطة أساتذتها للقيام بجهد اكبر في تحصين أبنائنا وبناتنا من أن يقعوا فريسة للتعصب والتطرف والإرهاب.