افعل ولا حرج: التيسير في الحج أصبح اليوم متأكدا

افعل ولا حرج: التيسير في الحج أصبح اليوم متأكدا


الحج إلى بيت الله الحرام احد أركان الإسلام الخمسة (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا) والحمد لله أن جعل الله الحج هذا الركن الذي لا يقام إلا في مكان واحد من الكرة الأرضية: “مكة المكرمة” في أيام معدودات من شهر معلوم من السنة هو شهر ذي الحجة ولو كان الحج فرضا على كل مسلم مهما كانت حالته المادية والصحية، ولو كان ذلك في كل عام كما هو الأمر بالنسبة للصيام والزكاة لاستحال أداء شعيرة الحج على أغلبية المسلمين ولكانوا بذلك آثمين إن لم يمتثلوا لأمر الله لهم بالحج إلى بيت الله الحرام. * فالاستطاعة لابد منها لوجوب أداء الحج ومن لم تتوفر فيه الاستطاعة: “البدنية والمالية” وكلف نفسه بالحج فقد كلف نفسه بما هو فوق طاقتها. ودين الإسلام سمته البارزة والأساسية هي التيسير على الناس ورفع الحرج عنهم، يقول جل من قائل (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) ويقول سبحانه وتعالى (ما جعل عليكم في الدين من حرج) ولذلك أجاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من سأله بإلحاح: أفي كل عام؟: “يعني يجب على المسلم أن يحج” قال له عليه الصلاة والسلام ولكل ملحاح في السؤال الذي يكرهه الله من عباده: “إن الله يكره لكم قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال” قال عليه الصلاة والسلام في جواب استنكاري: “لو قلت نعم لوجب ولما استطعتم”. وهذا النكير من رسول الله صلى الله عليه وسلم على المشددين على أنفسهم وعلى الناس معهم تكرر أكثر من مرة إلى أن قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “اتركوني ما تركتكم”. جل الله عن أن يغفل عن الصغيرة أو الكبيرة ولكنه عندما يسكت فلا يرد منه سبحانه وتعالى أمر فليس ذلك إلا في اتجاه التخفيف والتيسير على عباد الله، فالله تبارك وتعالى غني عن عباده لا تنفعه طاعاتهم كما لا تضره معاصيهم وتقصيرهم عن القيام بما يأمرهم به ربهم، فالله تبارك وتعالى هو القائل في الحديث القدسي: “لو أن إنسكم وجنكم كانوا على اتقى قلب رجل منكم ما زاد ذلك في ملك الله شيئا ولو أن إنسكم وجنكم كانوا على افجر قلب رجل منكم ما نقص ذلك من ملك الله شيئا، يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه”. * والحج إلى بيت الله الحرام هو الركن الذي ينبغي فيه التخفيف والتيسير على القائمين به ليس فقط في القرون الخوالي التي عقبت البعثة المحمدية ولكن في عصرنا الحاضر الذي تقارب فيه الناس من بعضهم البعض بفضل هذا التطور الكبير في وسائل النقل بأنواعها البرية والبحرية وبالخصوص الجوية. فالمسلمون اليوم يتقاطرون على البقاع المقدسة من كل صوب وحدب من كل القارات والجهات ليس بالمئات ولا بالآلاف بل بمئات الآلاف ليجتمعوا جميعا هناك في مكة المكرمة في أيام الحج المعدودة والمعلومة من يوم الثامن إلى يوم التاسع يوم عرفة: “والحج عرفة” وأيام التشريق يوم العيد واليومان أو الثلاثة التالية وفيها: “في عرفات” وفي مزدلفة: “ليلة العيد” ويوم العيد وما فيه من رمي وحلق ونحر وتحلل اصغر ثم طواف إفاضة حول الكعبة المشرفة وسعي بين الصفا والمروة، جميع الحجيج يؤدون مناسكهم في نفس الوقت وفي نفس المكان الذي مهما كان متسعا فهو لابد أن يضيق إذا كان العدد هو اليوم بالملايين بين القادمين من الخارج ومن يقررون الحج من الداخل والذين لا سبيل إلى حصر عددهم، هؤلاء الملايين الثلاثة الآن وسيزدادون أضعافا مضاعفة في السنوات القادمة حتى ولو كان الأمر بالمحاكاة يضاف إلى كل ذلك عوامل أخرى جغرافية ومناخية فمكة: “الحرم” وعرفة ومزدلفة ومنى محدودة المسافة والحيز وهي بين جبال وهضاب زادتها الإنشاءات العمرانية صعوبة من ناحية الازدحام. أضف إلى ذلك اختلاف الطباع والأمزجة والسلوكيات وحتى اختلاف اللغات واللهجات فكل ذلك وغيره مما لا يتسع المجال لذكره يحتم توخي التيسير والتخفيف على الناس لأن التشديد والتضييق وإفتاء الناس على مذهب واحد هو تعريض لهم للهلاك وإضرار بهم وتعريض للأنفس البشرية للإزهاق وذلك ما تأباه النصوص الشرعية الصريحة ولا يرضاه الله لعباده وليس هو من مقاصد الشريعة الإسلامية السمحة. لا يجوز الإفتاء على مذهب واحد في الحج لقد كان إفتاء الناس على مذهب واحد وإلزامهم بأقوال مذهب واحد ممكنا وفي المستطاع في القرون الخوالي أما في عصرنا الحاضر وقد رأينا ذلك في العقدين الأخيرين وفي السنوات الماضية بالخصوص فإن التفتح على كل الأقوال الميسورة في المذاهب الفقهية السنية وغير السنية مطلوب باعتبار هذه الأقوال هي اجتهادات واستنباطات من نصوص عامة في الكتاب والسنة ركزت كلها على الثمرة المرجوة من أداء الشعائر وليس مجرد الرسوم والأشكال فالمقصود هو تحقيق التقوى في القلوب وانعكاس ذلك على السلوك والتصرف ليس فقط أثناء أداء هذه الشعائر ولكن بعد ذلك وعلى إثره عند العودة إلى الحياة العملية بكل ما فيها من اخذ وعطاء الدين المعاملة. لقد أنجز والحق يقال كثير من الأشغال كتوسعة الحرمين وشق الإنفاق وبناء الجسور الطويلة ونصب الخيام غير القابلة للاحتراق وكذلك توسعة الجمرات بجعلها في طوابق وممرات متعددة والآتي من المشاريع في هذا المجال كثير وعديد ومع ذلك فلا يزال في آداء هذه الشعيرة مشقة ملحوظة وملموسة ولا يمكن إنكارها ومما يزيد هذه المشقة والتعب أن أعمار الحجيج هي في الغالب متقدمة بل فيهم ومنهم المريض العليل. ويزيد الطين بلة قلة الوعي وضعف الزاد الفقهي رغم انه صح في الحديث الصحيح (إن الله لا يقبل من العمل إلا أصوبه وأخلصه) والأصوب هو ما وافق الصحة فقها. ولكي تؤدى هذه الشعيرة التي تعني كل المسلمين على مختلف مذاهبهم لابد من أن تتضافر جهود جميع الأطراف ولابد أن تتكامل وينبغي أن لا تتضارب الأقوال والإفتاءات الأمر الذي يجعل الحجيج واغلبهم من عامة الناس في حرج واضطراب وحيرة من أمرهم. ومن حسن الحظ فقد أصبحت تتعالى الأصوات خصوصا أصوات المسؤولين على لجان الحج العليا وجميع الأطراف المتدخلة: “وزارة الحج وغيرها” في سبيل الأخذ بأيسر الأقوال من مختلف المذاهب تخفيفا على الناس وحفاظا على حياتهم من جراء الزحام والافتراش وما أدراك ما الافتراش: كل ذلك يجعل من الإفتاء بالأيسر خصوصا في رمي الجمرات فلا بد من التوسعة على الناس، ولا بد من التيسير عليهم وما لم تسبق التوسيعات والتجهيزات فتاوى ميسرة على الناس فإن المشقة ستبقى والمتاعب ستزداد لأن الحجيج يريدون أقوالا تطمئن لها قلوبهم، فالحج عبادة والحجيج يرجون أن يتقبل منهم حجهم الذي وعدهم ربهم بأنه إذا كان ميرورا يخرج به الحاج من ذنوبه كيوم ولدته أمه ويا لها من جائزة من رب كريم يباهي بحجيجه ملائكته المقربين ويشهدهم يوم عرفة فيقول “هؤلاء عبادي جاؤوني من كل فج عميق شعثا غبرا ألا أشهدكم أني قد غفرت لهم” والعلماء والفقهاء والمرشدون مدعوون للاقتداء بمن قال “خذوا عني مناسككم” فقد قال لكل من سأله عن تقديم وتأخير “افعل ولا حرج”.



الكلمات الشائعة

 

الأستاذ محمد صلاح الدين المستاوي

خريج جامعة الزيتونة كلية الشريعة قسم الفقه وأصول الفقه : الليسانس وشهادة الدراسات المعمقة في موضوع : شروح الموطأ باحث بجامعة أكسان برفانس مرسيليا فرنسا من 2001-2002 إلى 2008-2009

الكلمات الشائعة

العنوان

28 نهج جمال عبد الناصر –تونس
+216 71 43 21 33
+216 71 32 71 30

أحدث المقالات

2026-01-25

الاسلام: حقائق وأعلام ومعالم

موقع الشيخ محمد صلاح الدين المستاوي عضو المجلس الإسلامي بتونس وخريج جامعة الزيتونة (كلية الشريعة وأصول الدين) يتضمن تعريفا بالشيخ والده الحبيب المستاوي رحمه الله وهو احد علماء الزيتونة ودعاة الإسلام حيث سيجد المتصفح لهذا الموقع فقرات من أعماله.