أعياد المسلمين ومواسمهم الدينية لم يعد اليوم ما يبرر للاختلاف فيها

أعياد المسلمين ومواسمهم الدينية لم يعد اليوم ما يبرر للاختلاف فيها


توحيد التقويم الهجري والبحث عن حل لمشكلة كبرى ظلت تشغل الرأي العام ألا وهي هذا الاختلاف والذي يصل في بعض الأعوام إلى يومين وثلاثة لبداية ونهاية شهر رمضان أمل يتطلع إليه المسلمون. لكن الواقع والحال هو غير المأمول والمطلوب، والتعلات المبررة لتواصل هذا الاختلاف غير مقبولة والحجج غير مقنعة في زمن أصبح فيه العالم قرية أو اصغر من قرية المعلومة فيه تنساب بسرعة والحدث يرى ويشاهد من طرف كل سكان المعمورة في زمن وقوعه. لقد ولى إلى غير رجعة زمن تأخر وصول المعلومة إلى اليوم واليومين فيكون لأهل العراق رؤيتهم ولأهل الشام رؤيتهم. فيبرّر القول باعتبار اختلاف المطالع. فالمسلمون تشترك بلدانهم في اليوم والليلة بفارق بين أقصى الشرق وأقصى الغرب لا يتجاوز ست ساعات فيومهم إذا واحد وليلهم واحد ويمكن حينئذ أن يكون يوم صيامهم واحد ويوم فطرهم واحد ولكن الواقع غير ذلك ويبدو بجلاء اكبر بين المسلمين المقيمين خارج البلاد الإسلامية: فرنسا أو ألمانيا أو غيرهما من البلدان الأوروبية هؤلاء يكاد يكون لرواد كل مسجد وأصحاب كل جمعية دينية -وهم في نفس البلد- لكل يوم صومه الخاص ويوم عيده الخاص الذي يقلد فيه إما بلد الأصول أو بلدا آخر بعيدا جدا عن مقر إقامته!! إنها فسيفساء غريبة عجيبة تستغل أسوأ استغلال من طرف من يريدون دائما أن يظهروا المسلمين في مظهر المتنازعين المختلفين حتى فيما هو قاسم مشترك أعظم بينهم ألا وهو الدين الذي يخاطبهم في آياته ربهم بقوله (وأن هذه أمتكم امة واحدة وأنا ربكم فاعبدون) ويأمرهم بعدم التنازع والاختلاف (ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم). في هذا الأمر بالذات أمر العبادات من صوم وحج وغيرهما المفروض في المسلمين أن لا يختلفوا وأن يلتقوا وكل شيء حولهم يمكنهم اليوم من جمع الكلمة. * فالعلم الذي أعلى من شأنه دين الإسلام وكان أول ما نزل منه الأمر بالقراءة (اقرأ باسم ربك) تطور وتقدم وأصبح الإنسان بفضل العلم يرتاد الفضاءات ويعلم دقائق الأمور والأشياء، العلم الذي هو سبب التفاضل ورفع الدرجة وخشية الله والذي دعا إليه الإسلام وجعله فريضة وقال في جانب من جوانبه (لتعلموا عدد السنين والحساب) العلم هذا هو الذي يأبى بعض المسلمين –بقصور ذهني عجيب وغريب- أن يستفيدوا منه ويريدون أن يحكموا على المسلمين بالأمية المتواصلة مستدلين بحديث (نحن أمة أمية...) كأن الأمية هي قدر المسلمين!! وليس الأمر كذلك وليس الواقع كذلك أيضا ومع ذلك فإنهم يأبون إلا أن يتمسكوا بالرؤية المجردة وبدون منظار وبدون استفادة من المراصد التي توظف اليوم في كل المجالات من الطيران والملاحة إلى الفلاحة وسائر النشاطات الاقتصادية. هذه المراصد حرام في رأي هؤلاء استعمالها والاستفادة من طاقاتها الكبيرة في تجاوز الغيوم والسحاب، أما عن الحساب فهو في نظر هؤلاء بدعة وكل بدعة ضلالة إلى آخر أحكام البدعة في وعيدها الشديد!! * أما الحياة في كل مجالاتها وميادينها فإن هؤلاء لا يستطيعون تجاهل ثمرات التقدم العلمي فيها فيستفيدون منها ويستعملونها إلا في مجال الدين بحيث تجتنب كثير من الأوهام والظنون. فتجدهم يقدمون خبرا يأتي به احدهم وقد لا يكون عدلا ولا ضابطا وهو في كثير من الأحيان غير عالم ببسائط الأشياء من مثل الجهة والمكان وحتى التوقيت الذي يرى فيه الهلال فتتلقى الجهات المعنية خبره مسلّما ثم تعلن بداية شهر الصيام أو نهايته!! سبحان الله، وتضرب عرض الحائط بالمعطيات الدقيقة الملموسة والمشاهدة وشديدة الضبط والدقة لتقول أن الهلال قد وقعت رؤيته وهو الذي لم يولد بعد أو أنه ولد ولكن تستحيل رؤيته في تلك الساعة!! * مشكلة يعيشها المسلمون كل عام في بداية شهر رمضان ونهايته على الأقل يعيشون أصداءها وآثارها البعيدة لأن هذه القضية قد حسمت في بعض البلدان (تونس) بالعمل بالرؤية مع الاستئناس بالحساب علما بأنهما يستحيل أن يتعارضا فرؤية صحيحة لا بد أن تتطابق مع حساب دقيق. ولكن القضية لا تهم بلدا واحدا أو شعبا فقط إنها تهم كل الأمة الإسلامية فحديث الرسول صلى الله عليه وسلم (صوموا لرؤيته وافطروا لرؤيته) موجه لكل الأمة، وكل الأمة اليوم تهيأت لها أسباب الاجتماع والتوحد فلدى الأمة الإسلامية منظمة تجمع كل الدول الإسلامية أعضاء فيها وهي منظمة المؤتمر الإسلامي ولدى الأمة الإسلامية مجمع فقهي دولي اعتبرته القمة الإسلامية المرجع العلمي والديني للأمة في كل القضايا الدينية خصوصا والأمة ممثلة فيه على مختلف مذاهبها الفقهية السنية: مالكية وأحناف وشافعية وحنابلة وغير السنية: من شيعة إمامية وجعفرية وزيدية وكذلك الأباظية، ثم إن هذا المجمع سبق له ومنذ نهاية الثمانينات من القرن الماضي أن بحث قضية توحيد التقويم الهجري بدراسات علمية مستفيضة أعدها علماء أعلام في الشرع والفلك وأصدر المجمع على اثر ذلك قرارات قالت: انه لا عبرة باختلاف المطالع وانه لا يجوز أن تقبل رؤية تتعارض مع مسلمات علمية وعقلية وحقائق ثابتة. ويأبى بعض المسلمين إلا أن يعودوا إلى الصفر في هذه القضية والحال أن الحسم قد تم وأن منظمة المؤتمر الإسلامي من خلال مجمع الفقه الإسلامي الدولي وبعد نظر مؤتمرات وزراء الخارجية ومؤتمرات القمة الإسلامية قد حسمت الأمر واختارت من الآراء أقواها مما جعلها شبه إجماع، علما وأن لولي الأمر صلاحية اختيار ما يراه أصلح للأمة في عمومها وأغلبيتها ولا شك أن(توحيد كلمتها في هذا المجال كلية ومقصد نبيل يرضي الله). وفي اليوم الدراسي والندوة العلمية التي نظمتها وزارة الشؤون الدينية في تونس بالاشتراك مع منظمة المؤتمر الإسلامي ومجمع الفقه الإسلامي الدولي بجدة استمع الحاضرون الذين جاؤوا بكثافة إلى تدخلات كانت في غاية من وضوح الرؤية وقوة الحجة والمتابعة العلمية لهذه القضية من مختلف جوانبها الدينية والعلمية الفلكية واستحضار الجهود الكبيرة التي بذلها صفوة من العلماء والمختصين منذ ما يزيد على ثلاثين سنة في مؤتمرات وندوات عقدت في عواصم إسلامية عديدة منها تونس واسطمبول وكان من المتابعين لها وكان مقررا لها الأمين العام لمنظمة المؤتمر الإسلامي راعي هذه الندوة العلمية والمتحمس جدا لهذه القضية والتي هي الوصول إلى توحيد بداية صيام المسلمين ونهايته وكذلك بقية مواسمهم وأعيادهم والذي يحز في نفسه كما يحز في نفوس اغلب المسلمين أن يظل المسلمون في هذا المجال -دون سواهم من الأمم- مختلفين فكل التقاويم هي في الأصل تقاويم دينية وجميع الأمم ضبطت تقاويمها بدقة علمية إلا أمة الإسلام. ولهذا اعتبر الأمين العام لمنظمة المؤتمر الإسلامي أن الأمر يحتاج إلى قرار سياسي فالمسألة واضحة حسم فيها القول العلماء واتخذت فيها مؤتمرات وزراء الخارجية ومؤتمرات القمة القرارات والتوصيات. فما الذي بقي؟ أيعقل أن نعود كل مرة إلى بحثها من جديد؟!



الكلمات الشائعة

 

الأستاذ محمد صلاح الدين المستاوي

خريج جامعة الزيتونة كلية الشريعة قسم الفقه وأصول الفقه : الليسانس وشهادة الدراسات المعمقة في موضوع : شروح الموطأ باحث بجامعة أكسان برفانس مرسيليا فرنسا من 2001-2002 إلى 2008-2009

الكلمات الشائعة

العنوان

28 نهج جمال عبد الناصر –تونس
+216 71 43 21 33
+216 71 32 71 30

أحدث المقالات

2026-01-25

الاسلام: حقائق وأعلام ومعالم

موقع الشيخ محمد صلاح الدين المستاوي عضو المجلس الإسلامي بتونس وخريج جامعة الزيتونة (كلية الشريعة وأصول الدين) يتضمن تعريفا بالشيخ والده الحبيب المستاوي رحمه الله وهو احد علماء الزيتونة ودعاة الإسلام حيث سيجد المتصفح لهذا الموقع فقرات من أعماله.