“حزب اللطف” للإمام الشاذلي و تبرك أهل تونس به في بيوتهم و مجالسهم

“حزب اللطف” للإمام الشاذلي و تبرك أهل تونس به في بيوتهم و مجالسهم


من عادة الشاذلية (شيخا وسدنة ومريدين) أن يبدؤوا موسم الزيارات الصيفية (التي تمتد طيلة أربعة عشرة أسبوعا) إلى المقام الشاذلي بخرجة سيدي علي الحطاب أحد أصحاب سيدي أبي الحسن الأربعين وأن يختموا هذه الزيارات بخرجة الى سيدي الشريف العجمي بحلق الوادي وخرجة الى سيدي أبي سعيد الباجي وفي هذين الخرجتين تنتقل هيئة الطريقة الشاذلية الى زاويتي سيدي الشريف وسيدي أبي سعيد ويتم القيام بالعمل الشاذلي وبالخصوص تلاوة الأحزاب والأوراد والأدعية والفواتح التي يحرص على التعرض إليها الجمهور الكبير من الزوار ذكورا وإناثا رجاء في حصول الأجر والثواب. • وهذه الخرجات لسيدي علي الحطاب (بالمرناقية) وسيدي الشريف العجمي (بحلق الوادي) وسيدي أبي سعيد الباجي (بسيدي أبي سعيد جبل المنار) هي عبارة عن تظاهرات دينية حافلة زادتها الأيام و السنون رسوخا ودواما واستمرارا. • يبدأ العمل الشاذلي بمقام سيدي أبي سعيد بتلاوة جماعية لما تيسر من كتاب الله العزيز تختم بدعوات خاشعة لله تبارك وتعالى ثم ينطلق الجميع في قراءة متأنية لحزب عظيم من أحزاب سيدي أبي الحسن ألا وهو حزب اللطيف، واسم هذا الحزب وعنوانه تعبير عما تضمنه من معان كلها تدور حول اللطف. • وخاصية كل أحزاب أبي الحسن هي تعبيرها عما في كوامن النفس وما يتوق إليه المؤمن وما يسعى جادا إلى التعبير عنه من المعاني التي يناجي بها ربه وخالقه ومولاه سبحانه وتعالى ولأجل ذلك فإن التفاعل معها يكون كبيرا من قبل من يقرؤونها أو يسمعونها خصوصا عندما يكون ذلك في مكان معدّ لمثل هذه الأذكار والأوراد والأدعية وعندما يكون الذين يقومون بهذا العمل ليس لهم من غاية أو هدف سوى الإحراز على مرضاة الله وقبوله واستجابته وكذلك عندما يجري هذا العمل في أجواء من الانضباط والأدب والخضوع والوقار والسكنية وكل ذلك يحرص عليه شيخ المقام ومساعدوه من شيوخ و ذكارة فلكل واحد منهم مقام معلوم سواء كان ذلك عن يمين الشيخ أو عن شماله أو أمامه وفي مواجهته يمينا وشمالا وبعد هذا الترتيب يجلس بقية المريدين والزوار حيث يجدون المكان ويتابعون بأدب ووقار تلاوة القرآن والأحزاب والأذكار ويؤمن الجميع على أدعية الشيخ الجامعة الشاملة. • وسعيا لتذوق بعض المعاني الواردة في هذا الحزب الجليل (حزب اللطف) وتبركا به وكلنا في حاجة إلى أن نغترف من هذا المعين العذب ونسأل الله به ومن بحر فيوضاته وفتوحاته، ذلك أن حزب اللطف اسم على مسمى ولا يزال أهل تونس يتبركون بهذا الحزب في بيوتهم في مناسبة وفي غير مناسبة ولا تزال تونس وأهلها محفوفة بألطاف الله الظاهرة والخفية لا يصيبهم مكروه ويخفف عنهم كل بلاء وقضاء نازل. وهل حزب اللطف وكل الأحزاب الشاذلية إلا مجموعة أدعيّة وضراعات الى الله تبارك وتعالى وقد صح في الحديث الشريف (أن الدعاء والقضاء لا يزالان يتصارعان الى أن يبلغا عنان السماء فيغلب الدعاء القضاء). والله تبارك وتعالى يصرف بالدعاء كل قضاء فهو سبحانه وتعالى على كل شيء قدير. • يفتتح أبو الحسن الشاذلي حزبه بما ينبغي أن يفتتح به كل عمل صالح يتقرب به الى الله فيقول (بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما. اللهم اجعل أفضل الصلوات وأنمى البركات في كل الأوقات على سيدنا محمد أكمل أهل الأرضين والسماوات وسلّم عليه يا ربنا بأزكى التحيات في جميع الحضرات). • ثم يبدأ أبو الحسن دعواته وتضرعاته بقوله (يا من لطفه بخلقه شامل وخيره وبره لعبد واصل لا تخرجنا عن دائرة الألطاف وأمنا من كل ما نخاف وأكلأنا بلطفك الخفي والظاهر يا باطن يا ظاهر يا لطيف اسألك وقاية اللطف في القضاء والتسليم مع السلامة عند نزوله والرضا). • فأبو الحسن يطلب من ربه الذي يشمل لطفه كل خلقه والذي يصل بره وخيره إلى عبده يطلب من ربه أن يجعله دائما وأبدا في دائرة الألطاف وأن يؤمنه من كل ما يخاف وأن يكلأه بلطفه الخفي والظاهر ويسأله أن يلطف به في القضاء مع التسليم والرضا عند نزول القضاء.إنها معان عميقة وهي توحيد خالص أساسه التسليم و التفويض والرضا مع الدعاء الذي لا يعرف الانقطاع. • ويمضي أبو الحسن قائلا (اللهم إنك العليم بما سبق في الأزل فحفنا بلطفك فيما نزل يا لطيف لم يزل اجعلنا في حصن التحصن بك يا أول يا من إليه الالتجاء وعليه المعول) إنها دعوات واضحات خاشعات معبرات عما يأمله من ربه كل عبد صالح. • يقول أبو الحسن بعد ذلك مخاطبا ربه (اللهم يا من ألقى خلقه في بحر قضائه وحكم عليهم بحكم قهره وابتلائه اجعلنا ممن حمل في سفينة النجاة ووقي من جميع الآفات) إنه يسأل من ربه النجاة والوقاية والحمل في سفينة النجاة، إنه يفر من قدر الله الى قدر الله ويحتمي بالله من قضاء الله. كل ذلك بدقة لا تخرجه عن الصراط المستقيم والعقيدة الصحيحة. • ثم يقول أبو الحسن (إلهنا من رعته عين عنايتك كان ملطوفا به في التقدير محفوظا ملحوظا برعايتك ياقدير يا سميع يا قريب يا مجيب الدعاء ارعنا بعين عنايتك يا خير من رعي...) فعين العناية الإلهية إذا رعت عبدا من عباد الله فإنه ملطوف به فيما قدر الله وهو محفوظ وملحوظ برعاية الله القدير السميع القريب المجيب لدعوة الداعي إذا دعاه. • يقول أبو الحسن (إلهنا لطفك الخفي ألطف من أن يرى و أنت الذي لطفت بجميع الورى حجبت سريان سر لطفك في الأكوان فلا يشهده إلا أهل المعرفة و العيان فلما شهدوا سرّ لطفك في كل شيء آمنوا به من سوء كل شيء ...) بعد ذلك و بعد هذا التوحيد و الاستغراق يسأل أبو الحسن ربّه فيقول (فاشهدنا سرّ هذا اللطف الواقي مادام لطفك الدائم الباقي) و يعود الى المناجاة التوحيدية (إلهنا حكم مشيئتك في العبيد لا ترده همة عارف ولا مريد لكن فتحت لنا أبواب ألطافك الخفية المانعة حصونها من كل بلية) فيدعوه قائلا (فادخلنا بفضلك تلك الحصون يا من يقول للشيء كن فيكون). • ويعود أبو الحسن الى المناجاة فيقول (إلهنا أنت اللطيف بعبادك لا سيما بأهل محبتك وودادك فبأهل المحبة والوداد خصنا بلطائف اللطف يا لطيف يا جواد إلهنا اللطف صفتك والألطاف خلقك وتنفيذ حكمك في خلقك حقك رأفة لطفك بالمخلوقتين تمنع استقصاء حقك في العالمين. إلهنا لطفت بنا قبل كوننا ونحن إلى اللطف غير محتاجين افتمنعنا منه مع الحاجة له وأنت ارحم الراحمين حاشا لطفك الكافي وجودك الوافي إلهنا لطفك هو حفظك إذ عنيت وحفظك هو لطفك إذ وقيت) بعد ذلك وبعد هذا الترقي في المناجاة يدعو أبو الحسن فيقول (فأدخلنا سرادقات لطفك و اضرب علينا اسوار حفظك يا لطيف يا لطيف يا لطيف أسألك اللطف أبدا يا حفيظ يا حفيظ يا حفيظ يا حفيظ قنا السؤ وشرّ العدا يا لطيف يا لطيف يا لطيف يا لطيف يا لطيف من لعبدك العاجز الخائف الضعيف. اللهم كما لطفت بي قبل سؤالي وكوني كن لي لا علي يا أملي وعوني الله لطيف بعباده يرزق من يشاء وهو القوي العزيز. الله لطيف بعباده يرزق من يشاء وهو القوي العزيز. الله لطيف بعباده يرزق من يشاء وهو القوي العزيز) ثم يعود الى الدعاء فيقول (أنس بلطفك يا لطيف أنس الخائف في حال المخيف). • ثم يعود الى المناجاة فيقول (تأنست بلطفك يا لطيف سلمت بلطفك يا لطيف أمنت بلطفك يا لطيف وقيت بلطفك الردى تحصنت بلطفك من الأعداء يا لطيف يا لطيف يا لطيف يا حفيظ يا حفيظ يا حفيظ، بلطفك ربي اللطيف الحفيظ والله من ورائهم محيط بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ. نجوت من كل خطب جسيم بقول ربي ولا يؤوده حفظهما وهو العلي العظيم. سلمت من كل شيطان مارد وكفيت كل باغ و حاسد بقول ربي وحفظا من كل شيطان مارد سلمت من كل شيطان مارد و كفيت كل باغ وحاسد بقول ربي وحفظا من كل شيطان مارد سلمت من كل شيطان مارد وكفيت كل باغ وحاسد بقول ربي وحفظا من كل شيطان مارد وكفيت كل هم في كل سبيل بقول ربي حسبنا الله ونعم الوكيل بسم الله الرحمان الرحيم الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم له ما في السماوات وما في الأرض من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء وسع كرسيه السماوات والأرض ولا يؤوده حفظهما وهو العلي العظيم لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم فإن تولوا فقل حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم بسم الله الرحمان الرحيم لإيلاف قريش إيلافهم رحلة الشتاء والصيف فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع و آمنهم من خوف) هكذا تتوالى في أحزاب أبي الحسن الآيات والسور التي تتناسب مع المقام الذي هو فيه والحالة التي هو عليها إنه تضمين لآيات الذكر الحكيم بين فقرات أحزابه فتأتي منسجمة متسلسلة آخذة بأعناق بعضها البعض تزيد هذه الأحزاب روعة و جمالا وتزيد تاليها والمستمع إليها بقلبه وعقله خشوعا وسكينة وطمأنينة ثم يمضي أبو الحسن بعد ذلك قائلا (اكتفت بكهيعص و احتميت بحم عسق قوله الحق و له الملك سلام قولا من رب رحيم سلام قولا من رب رحيم سلام قولا من رب رحيم إحون قاف إدم حم هاء أمين) ثم يدعو ربه بحق هذه الأسرار (قنا الشر والأشرار وكل ما أنت خالقه من الأكدار قل من يكلؤكم بالليل والنهار اللهم بحق كلاءة رحمانيتك ورهبانيتك أكلأنا ولا تكلنا الى أنفسنا طرفة عين ولا أقل من ذلك رب هذا ذلّ سؤالي ببابك ولا حول ولا قوة إلا بك. سيدي لا تخلني من الرحمة والأمان يا حنان يا منان). • ويختم الإمام الشاذلي حزب اللطف بما بدأه من الصلاة على رسول الله فيقول (اللهم صل على من أرسلته إماما ورحمة للعالمين سيدنا محمد صفوتك وعلى آله و صحبه أجمعين صلاة وسلاما دائمين متلازمين عدد رضاك عنه ورضاه عنك وعدد رضاك ورضاه عنا وعدد رضاه ورضانا في الدارين لأنك قلت وقولك الحق (ولسوف يعطيك ربك فترضى) وقلت قولك الحق (رضي الله عنهم ورضوا عنه) سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين) بذلك انتهى حزب اللطف والدعاء الواقع بين الصلاتين على رسول الله في الافتتاح والاختتام دعاء مستجاب بإذن الله وكرمه واحسانه.



الكلمات الشائعة

 

الأستاذ محمد صلاح الدين المستاوي

خريج جامعة الزيتونة كلية الشريعة قسم الفقه وأصول الفقه : الليسانس وشهادة الدراسات المعمقة في موضوع : شروح الموطأ باحث بجامعة أكسان برفانس مرسيليا فرنسا من 2001-2002 إلى 2008-2009

الكلمات الشائعة

العنوان

28 نهج جمال عبد الناصر –تونس
+216 71 43 21 33
+216 71 32 71 30

أحدث المقالات

2026-01-25

الاسلام: حقائق وأعلام ومعالم

موقع الشيخ محمد صلاح الدين المستاوي عضو المجلس الإسلامي بتونس وخريج جامعة الزيتونة (كلية الشريعة وأصول الدين) يتضمن تعريفا بالشيخ والده الحبيب المستاوي رحمه الله وهو احد علماء الزيتونة ودعاة الإسلام حيث سيجد المتصفح لهذا الموقع فقرات من أعماله.