من وحي زيارة مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم

من وحي زيارة مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم


زيارة المدينة المنورة وإن لم تكن من أركان الحج إلا أن جمهور العلماء يذهب إلى القول بوجوبها على المسلم المؤدي لفريضة الحج. وكيف لا تصل زيارة المدينة المنورة إلى هذه الدرجة وهي طيبة الغراء ومهاجر سيد الأولين والآخرين عليه الصلاة والسلام التي اختارها الله له بعد أن أخرجه قومه من مكة المكرمة مكرها؟ ودون الدخول في المفاضلة بين مكة المكرمة والمدينة المنورة يكفينا أن نذكر بدعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وضراعته وطلبه الملح من ربه كي يسكنه أحب البلاد إلى الله فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (اللهم كما أخرجتني من أحب البلاد إلي (أي مكة المكرمة) فاسكني أحب البلاد إليك) فكانت المدينة أحب البلاد إلى الله ففيها استقبل الرسول صلى الله عليه وسلم أعظم واصدق وأجمل استقبال كان نعم العوض عن تنكر الأهل والعشيرة فقد خرج أهل المدينة كبارا وصغارا ذكورا وإناثا يرددون بصوت الرجل الواحد: اقبل البدر علينا من ثنيات الوداع وجب الشكر علينا ما دعا لله داع وعندما وصل إلى المدينة كانت عائلاتها ورؤساء عشائرها يتنافسون جميعا على استضافة الرسول عليه السلام والتشرف بمجاورته لهم. * وفي المدينة وجد الرسول صلى الله عليه وسلم ووجد أصحابه المهاجرون سواء الذين سبقوه إلى المدينة أو أولئك الذين التحقوا به من كرم الضيافة وحسن الاستقبال ما أنساهم أهلهم وعشيرتهم وأموالهم التي منعتهم منها قريش، لقد تقاسم أهل المدينة من الأنصار مع إخوانهم المهاجرين إلى مدينتهم الأموال والديار وتآخوا برباط الإيمان والإسلام تآخ لم يشهد له التاريخ نظيرا في العمق والصدق والإخلاص وابتغاء وجه الله. * واستحقت المدينة المنورة بهذا الاحتضان للدين الجديد وللرسول الكريم عليه الصلاة والسلام وصحبة رضوان الله عليهم أن تكون قاعدة الإسلام الأولى فكانت ولا تزال والى أن يرث الله الأرض ومن عليها حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم الآمن فقد ورد في الحديث الشريف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال مبشرا أهل المدينة بحفظ الله لهم وصيانته لمدينتهم إلى قيام الساعة (إن الإيمان ليأرز إلى المدينة كما تزار الحية إلى جحرها) وأعطى الله تبارك وتعالى للمدينة مكرمة وخاصية هي باقية فيها ما دامت السموات والأرض حين قال عليه الصلاة والسلام (إن المدينة لتنفي خبثها كما ينفي الكير خبث الحديد). وعلاوة على ذلك فإن (المدينة المنورة) شهدت تكون المجتمع الإسلامي الأول بدولته وسائر مؤسساته. كما شهدت المدينة تنزل الوحي طيلة عشر سنوات هي الأخصب والأكثر عطاء في تاريخ البعثة المحمدية فإذا استثنينا جانب العقيدة من الدين والأمر بالصلاة كركن من أركان الإسلام، وقد كانا في مكة فإن بقية أركان الإسلام إنما وجبت على المسلمين وتنزل بها الوحي من عند الله في المدينة المنورة وكذلك الأمر بالنسبة لجل النواهي والأوامر المنظمة لعلاقة المسلم بأخيه المسلم وعلاقة المسلمين بغيرهم. * ومن المدينة المنورة انطلقت قوافل الدعوة الإسلامية بقيادة الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام من أنصار ومهاجرين ومن المدينة المنورة من أبنائها أساسا وبأموالهم تجهزت الغزوات والفتوحات وعلى أبوابها دارت اخلد معارك الإسلام ضد الكفر والطغيان نذكر منها غزوة بدر الكبرى وغزوة احد وفتح مكة. * وفي المدينة المنورة وعلى أبوابها وعند مدخلها بنى رسول الله صلى الله عليه وسلم أول مسجد في الإسلام ألا وهو مسجد قبا المذكور في الكتاب العزيز (لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن نقوم فيه) ولهذا المسجد مكانة ومنزلة خلدته إلى اليوم وجعلت المسلمين الزائرين لمدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم يحرصون على زيارته والصلاة فيه بل لقد وعد الرسول صلى الله عليه وسلم بجزيل الثواب وعظيم الأجر لمن خرج من مقر أقامته في المدينة في يوم سبت قاصدا مسجد قبا للصلاة فيه. * وفي المدينة المنورة أحد ذلك الجبل الشامخ الذي شهد غزوة من أعظم الغزوات الإسلامية وصراعا مريرا بين المؤمنين المسلمين بقيادة رسول الله صلى الله عليه وسلم والكفار الذين جاؤوا للإجهاز على المؤمنين الآمنين في المدينة المنورة فكانت الغلبة لجند الله وان استشهد من المؤمنين صفوة يجاورون اليوم أحد الذي قال عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم (أحد جبل يحبنا ونحبه) فبجوار احد اليوم يرقد حمزة عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وسيد الشهداء ومعه رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه. * في المدينة المنورة مسجد القبلتين هذا المسجد الذي شهد تحويل القبلة من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام. * وفي المدينة المنورة البقيع مدفن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومدفن بناته وزوجاته ومن تبعهم بإحسان من التابعين والعلماء العاملين. * فقبر رسول الله صلى الله عليه وسلم هو هناك في مسجده وحيث قبض عليه الصلاة والسلام فقد قال عليه الصلاة والسلام (نحن معاشر الأنبياء ندفن حيث نقبض) وقبره عليه الصلاة والسلام هو دون سواه من قبور الأنبياء والمرسلين معين معلوم وتلك خصوصية له عليه السلام وخصوصية لامته. * وأهل المدينة الذين تشرفوا باستقبال الرسول عليه الصلاة والسلام أكرموا بمجاورته عليه السلام لهم في المحيا والممات وتلك خصوصية لأهل المدينة خصهم بها الله تبارك وتعالى فهنيئا لهم بهذا الجوار وما يترتب عنه من حب لهم وشفاعة فيهم وأمن وطمأنينة وراحة وسكينة لا يمكن أن ينكرها أي زائر لمدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم. لقد طمأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل المدينة من الأنصار لما فتح الله على المسلمين مكة المكرمة وقد ظنوا أن الرسول صلى الله عليه وسلم سيرحل عنهم ويتركهم بعد فتح مكة وانتابهم شعور من الحزن والأسى فطمأنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال لهم (المحيا محياكم والممات مماتكم) فتنفسوا الصعداء ولا يزالون إلى اليوم يعيشون في نشوة هذه البشرى ويا لها من بشرى: بشرى الجوار في المحيا والممات وفي الدنيا والآخرة لسيد الثقلين وإمام المرسلين وأفضل الخلق عند رب العالمين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم. وبجوار سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يرقد صاحباه أبو بكر وعمر رضي الله عنهما ومنزلتهما من رسول الله ومن الدين الحنيف هي نفس منزلة قبريهما من قبره. فكيف لا يشد الحاج الرحال إلى طيبة الغراء وهذه بعض مشاهدها ونفحاتها وتجلياتها؟ وكيف لا يستهين بالصعاب وكيف لا يترك الأهل والأموال والأوطان لزيارة مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ إنها الفرحة التي تساويها في الدنيا فرحة أخرى ذلك أن الزائر للمدينة لن تغادر ذاكرته ومخيلته ذات الرسول عليه السلام وصحبه الكرام وهو يمشي ويسعى ويرشد ويوجه في المدينة على تربتها وتحت سمائها وبين جبالها وهضابها، أيام ستمر كلمح البصر أو أسرع. وهل هناك أحب للمسلم الصادق من رسول الله صلى الله عليه وسلم من بين خلق الله أجمعين؟ انه أحب للمسلم الصادق من ولده ووالدته وزوجته وسائر قرابته بل انه أحب إليه من نفسه التي بين جنبيه. وهذا الحب النابع من الإيمان هو مظهر وعلامة لحلاوة الإيمان فقد ورد في الحديث الشريف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (ثلاث من كن فيه وجد بهم حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما وأن يحب المرء لا يحب إلا الله وان يكره أن يعود إلى الكفر كما يكره أن يقذف في النار). ومحبة الله ورسوله ليست بالادعاء ولا بالتظاهر، إذ (ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي ولكن الإيمان ما وقر في القلب وصدقه العمل) فالإيمان عمل والحب سبيل تجسيمه إنما يكون بالعمل بما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم من عند ربه يقول جل من قائل (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعون يحببكم الله). إن هذه المعاني هي التي ينبغي أن يستحضرها كل زائر لمدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم وواقف على قبره ومصلّ في مسجده صلى الله عليه وسلم. إن زيارة المدينة المنورة فرصة لتجديد العهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم للاستمرار على الخط الذي رسمه لامته والذي هو الصراط المستقيم والمنهج القويم الذي لا يزيغ عنها إلا هالك ضال. إنها رحلة الأشواق لرسول الله صلى الله عليه وسلم، أشواق حارة صادقة لا تزيدها الأيام إلا رسوخا إلى أن نلقاه عليه الصلاة والسلام زادنا وسبيلنا إلى تحقيق هذا الأمل حبنا الشديد له عليه الصلاة والسلام آملين أن نكون على نهج ذلك الذي جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأله عن الساعة، متى الساعة يا رسول الله؟ قال وماذا أعددت لها؟ قال لم اعد كثير عمل ولكن أعددت لها حب الله ورسوله فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أبشر فإنك مع من أحببت) أي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجنة.



الكلمات الشائعة

 

الأستاذ محمد صلاح الدين المستاوي

خريج جامعة الزيتونة كلية الشريعة قسم الفقه وأصول الفقه : الليسانس وشهادة الدراسات المعمقة في موضوع : شروح الموطأ باحث بجامعة أكسان برفانس مرسيليا فرنسا من 2001-2002 إلى 2008-2009

الكلمات الشائعة

العنوان

28 نهج جمال عبد الناصر –تونس
+216 71 43 21 33
+216 71 32 71 30

أحدث المقالات

2026-01-25

الاسلام: حقائق وأعلام ومعالم

موقع الشيخ محمد صلاح الدين المستاوي عضو المجلس الإسلامي بتونس وخريج جامعة الزيتونة (كلية الشريعة وأصول الدين) يتضمن تعريفا بالشيخ والده الحبيب المستاوي رحمه الله وهو احد علماء الزيتونة ودعاة الإسلام حيث سيجد المتصفح لهذا الموقع فقرات من أعماله.