من وحي ذكرى المولد النبوي الشريف: من اجل تقديم رسول الله صلى الله عليه وسلم والدين الذي جاء به على الوجه الصحيح
لن ننفك نكرر ونذكر و(الذكرى تنفع المؤمنين) بان سيدنا محمدا عليه الصلاة والسلام هو رحمة الله بعباده أجمعين (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) مع التخصيص للمؤمنين (لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم) فهو عليه الصلاة والسلام الموعظة المجسمة وهو القرآن الذي يمشي على الأرض، وهو المبرأ من كل عيب، وهو الذي أدبه ربه فأحسن تأديبه، وهو عليه الصلاة والسلام من لا ينطق على الهوى، وهو الذي بعثه الله ليتمم مكارم الأخلاق، وهو عليه الصلاة والسلام في كل جوانب تصرفه في ما يأتيه وينتهي عنه عنوان الكمال الإنساني. لن يعثر له احد على عثرة أو سقطة فقد تولاه الله وعصمه وحفظه ورعاه وكمله وجمله بعد أن اصطفاه واختاره ليبعثه بالدين الخاتم، دين الإسلام، دين الناس أجمعين فجعله للناس أسوة وقدوة وجعل الصلاح والفلاح والنجاة والفوز في إتباعه، بل جعل إدعاء محبة الله لا تصدق إلا بالإتباع والترسم لخطى المصطفى صلى الله عليه وسلم (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله) ولا يذوق المؤمن حلاوة الإيمان حتى يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب إليه من ماله وولده ونفسه التي بين جنبيه، وحتى يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب إليه مما سواه (غير الله)، بل إن المؤمن لا يكون مؤمنا حتى يكون هواه تبعا لما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم من عند ر به جل وعلا، وليس للمؤمن أن يختار سبيلا آخر غير سبيل رسول الله صلى الله عليه وسلم بل ليس له أن يكون له اختيار مع الله ورسوله. التسليم بما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم * إن مقام المؤمن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم هو التسليم المطلق والرضا بما يراه ويحكم به (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما). فرسول الله صلى الله عليه وسلم هو الأسوة والقدوة والمثل الأعلى والمبرأ من كل عيب ونقص. والاقتداء به وإتباعه ليس فيه تشخيص ولا مخافة منه على عقيدة المؤمن. * إن اعتقاد المؤمن راسخ بان ما جبل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم من خلق كريم شهد له به ربه في كتابه العزيز (وإنّك لعلى خلق عظيم) إنما مصدره ومأتاه رعاية الله جل وعلا له وإرشاده وهدايته إلى الصراط المستقيم، وأن كل ما يصدر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من كمالات وسمو ورفعة إنما مأتاه من الله جل وعلا فهو الذي علمه (وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما) وأن ما به من نعمة فهي من الله سبحانه وتعالى (قل كل من عند الله) فهو الذي سواه وهو الذي رعاه، وهو سبحانه الذي جعل فيه كل الكمالات التي لا تعرف الحد ولا يمكن الإحاطة بها، وهو سبحانه وتعالى الذي شرح صدره ورفع ذكره، وهو الذي أعطاه الكوثر، وهو الذي وعده بأنه سيرضيه (ولسوف يعطيك ربك فترضى) صلى الله عليه وسلم امتثالا لأمر الله الذي قال في كتابه العزيز (إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما). هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم معين لا ينضب * ما أعظمه من رسول وما أكرمه من نبي لا يزال الله يقر به أعين أمته في كل زمان وفي كل مكان ولا يزال معين دينه وهديه القويم معينا لا ينضب ولا تنقضي عجائبه وهو هذا القرآن المعجزة المحمدية الخالدة التي حارت فيها العقول وعجزت عن أن تأتي بمثلها، قرآن عربي لا يأتيه الباطل منن بين يديه ولا من خلفه، قرآن تعهد الله بحفظه فقال جل من قائل (إنّا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) يسره الله للحفظ وجعل الله قلوب السعداء من أمة محمد عليه الصلاة والسلام وعاء له يسر لهم حفظه فقال (ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر؟) ها هم حفاظ القرآن بعشرات بل بمئات الآلاف في كل الأمصار وفي كل العصور وفي بلاد الإسلام وخارج ديار الإسلام يحفظونه منذ نزل به الروح الأمين جبريل عليه السلام على قلب سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام، يحفظونه عن ظهر قلب وفي أسرع الأوقات: صغارا وأطفالا لم يتجاوزوا العاشرة، ومعوقين وفاقدين للبصر، وذكورا وإناثا وشيوخا كبارا، ينسون كل ما حفظوه عندما تتقدم بهم السن إلا القرآن معجزة سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام الخالدة والباقية والدالة أكثر من سواها من بقية المعجزات عن نبوته ورسالته فانه يبقى راسخا. * انه كلام الله سبحانه وتعالى الصادر عن رب العزة سبحانه جلّ وعلى والموجه مباشرة من الله لعباده، كله من عند الله: معنى ولفظا. * والقرآن باللسان العربي الذي نزل به هو وحده كلام الله الذي يتعبد به (يصلى به) وهو الذي لا يمسه إلا المطهرون، وليست الترجمات المتداولة بين أيدي الناس بمختلف اللغات إلا أفهاما فهمها المترجمون لتقريب بعض معاني القرآن لمن لا يعرفون اللغة العربية. ولا يمكن أن يتعرف على مراد الله في كلامه إلا باللغة التي انزل بها أي العربية والتي لم تعد بعد نزول القرآن بها لغة جنس أو قوم بل أصبحت لغة وحي ودين وهذا الفهم السليم لهذه المسألة هو الذي دفع المسلمين من غير العرب في القرون الخوالي إلى أن يتبحروا في لغة القرآن (العربية) ويصبحوا من أئمتها وعلمائها الأعلام وذلك هو الذي دفع ولا يزال يدفع بمئات الآلاف من المسلمين من غير العرب إلى حفظ القرآن بلغته العربية الفصحى. بين القرآن والسنة تلازم وهما وحي الله إلى رسوله محمد صلى الله عليه وسلم * إن القرآن الكريم الذي أوتيه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأوتي مثله معه وهو هذه السنة المطهرة وتلك السيرة الزكية العطرة هما مع بعضهما أصل دين الإسلام وجوهر رسالة سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام فبينهما تلازم وثيق وتلاحم لا ينفك وتطابق. لم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يتردد على ألسنة البعض (خذوا قولي واتركوا فعلي) فذلك ازدواج تأباه رسالة الإسلام وسيرة سيد الأنام عليه الصلاة والسلام وهو النفاق وازدواج الشخصية المقيت. الذي حذر منه الله تبارك وتعالى عباده في قوله جل من قائل (كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون). * وعظمة رسول الله صلى الله عليه وكماله وسموه هو في هذا التطابق بين ما يدعو إليه الناس وما يأتيه عليه الصلاة والسلام. بل انه عليه الصلاة والسلام كان دائما الأسبق إلى فعل الخير وكان عليه الصلاة والسلام الابعد عن فعل الشر الذي تأباه نفسه الطيبة الطاهرة الزكية، لقد ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم أروع الأمثلة في كل جوانب مكارم الأخلاق وهي الحلبة التي يتنافس فيها الناس ولذلك وغير ذلك احتل رسول الله صلى الله عليه وسلم من قلوب أصحابه السويداء وعظموه واجلوه لأنهم رأوا فيه المجسم لما لا يستطيعون بلوغه أو مقاربته صلى الله عليه وسلم وكرم وعظم، فهو أكرمهم وارحمهم وألطفهم و أرأفهم وأشجعهم، وهو عليه الصلاة والسلام أشدهم تواضعا وحياء، وهو أكثرهم عفة وورعا ونبلا، وهو أشجعهم وأسرعهم بذلا وعطاء وإقداما وإيثارا، وهو عليه الصلاة والسلام أشدهم خشية لربه، انه عليه الصلاة والسلام كل ذلك وأكثر من ذلك، وكل ما كتبه الكاتبون وكل ما حبرته الأقلام وكل ما صاغه الشعراء من روائع القصائد وغررها التي نظموها في مدح المصطفى عليه الصلاة والسلام وما كتبه علماء السيرة والشمائل ومن صاغوا أروع القصص المولدية كل هؤلاء وأولئك (والى أن يرث الله الأرض) لن يوفوا رسول الله صلى الله عليه وسلم حقه ولن يستطيعوا أن يحيطوا بشمائله وكمالاته وجمالاته التي يجد فيها كل صاحب حاجة حاجته، الجميع مهما كانت مواقعهم ومهما كانت مراكزهم ومهما كانت الفئة التي ينتمون إليها يجدون جميعا في رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يبتغون وأكثر مما يبتغون، وهل يتسع المجال وهل يوفي المقال مهما كان متسعا بما لرسول الله صلى الله عليه وسلم من جوانب عظمة شهد بها القاصي والداني والمسلم وغير المسلم ولم ينكرها إلا معاند مكابر جحود؟ (ولا شك أن ريح المسك ينكرها * من قد تعود شم الثوم والبصل). حاجة السيرة إلى مزيد الخدمة * إن سيرة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم لا تزال تحتاج من المسلمين أن يكتبوا فيها ويعرضوها بمختلف الوسائل المتاحة وهي كثيرة وعديدة اليوم. وانه لمن الظلم والغبن للسيرة المحمدية ولرسالة سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام أن نختصرها في أحداث معينة منها غزواته (وهي مليئة بالدروس والعبر لا شك في ذلك) لكن رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم ليست ذلك فقط. إن ذلك هو بعض من سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن سيرته عليه الصلاة والسلام التي تشتد لمعرفتها الحاجة اليوم وأكثر من أي وقت مضى هي في معاملاته وسائر تصرفاته مع الأقارب من أهل الذين منهم الصغير والكبير ومنهم الزوجة والبنت والطفل الصغير، ومع الأباعد من أجوار وشركاء وأصحاب حقوق، ومع من لم يؤمنوا به ولم يتبعوه ومع من أساؤوا إليه وأطلقوا عليه صبيانهم وكلابهم ومع من أخرجوه من بلاده (مكة المكرمة أحب البلاد إليه) لقد كان عليه الصلاة والسلام مع الجميع مع من أحسن ومع من أساء كان مثالا للرفعة وعلو الهمة والرحمة والرفق والسماحة. * أليس هو من دعا ربه (اللهم أهد قومي فإنهم لا يعلمون)؟ * أليس هو من قال لقريش يوم فتح الله عليه مكة (اذهبوا فانتم الطلقاء)؟ * أليس هو من أعلن أقدم وثيقة لحقوق الإنسان يوم الحج الأكبر حين قال (ألا وان دماءكم وأموالكم وأعراضكم بينكم حرام كحرمة الشهر الحرام)؟ * أليس هو من أوصى بالنساء خيرا فقال (استوصوا بالنساء خيرا)؟ * إن عملا كبير ينبغي القيام به هو من صميم الدين وهو أفضل طريقة للتعريف بالإسلام ودعوة الناس إلى هديه القويم وصراطه المستقيم وهو العمل الذي ينبغي التعجيل به انه عرض الإسلام من خلال سيرة وهدي سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام. والحمد لله فالمادة الأساسية لهذا العمل هي بين أيدينا تتمثل في هذا القرآن الكريم ومعه كل علوم القرآن (من أسباب نزول وغيرها) وكذلك سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي لم يكتب كمّ مثلها في غيرها وهذه السنة النبوية الطاهرة (أقواله عليه الصلاة والسلام وأفعاله وإقراراته) وكل ذلك معين لا ينضب ومادة خصبة يجد فيها ولا شك الباحثون والدارسون والمحللون كما يجد فيها الفنانون والقصاصون والذين يصوغون الحكاية (الواقعية) ما يستطيعون أن يقدموا به دين الإسلام من خلال سيرة سيد الأنام عليه الصلاة والسلام أحسن وأجمل وأمتع تقديم، فيه التشويق وفيه الاستجابة للتطلعات وما تتوق إليه الأنفس وما تريده من إجابات ضافية شافية عن التساؤلات والانشغالات وما أكثرها لدى شبابنا ومثقفينا وسائر أفراد مجتمعنا كما يجد فيها غير المسلمين ممن يعيشون في خواء روحي وفي تمزق اجتماعي ما يجعلهم يستعيدون توازنهم المرغوب والمطلوب. * إنه لعمل متأكد ألحت عليه ما عاشته الساحة الإسلامية في الفترة الماضية من أحداث وردود فعل على ما نشر من صور مسيئة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وغيرها من التصرفات والتصريحات المليئة بالعنصرية والكراهية، فلا ينبغي أن يقتصر التحرك على ما شاهدناه أو سمعناه من أخبار الندوات والمؤتمرات التي أصدرت البيانات والقرارات بل يجب أن يتجسم هذا التحرك في برنامج عملي ينهض به أهل الذكر والاختصاص بالعربية وبكل اللغات الأجنبية وعلى مختلف المستويات وبكل الوسائل المتاحة التي منها الأنترنات وغيرها من الوسائط الإعلامية حتى يقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم والدين الذي جاء به للناس أجمعين على الوجه الصحيح: وجه السماحة والرحمة والهداية والتعايش والسلام والتقدم والتحضر والتمدن فتلك هي حقيقته وذلك هو سبب خلوده وهذا الوجه هو الذي ينبغي القيام في مجاله بعمل كبير للجميع فيه نصيب.