من وحي ذكرى المولد النبوي الشريف: من اجل استصحاب متواصل لهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم
ذكرى مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يمكن أن يقتصر الكلام فيها والكتابة عنها في يوم أو أسبوع أو شهر. فشخصية صاحب الذكرى عليه الصلاة والسلام لا يمكن الإحاطة بها ولا يمكن إعطاؤها ما تستحق من ذكر ما تميزت به وما اتصفت به من محامد ومكارم فرسول الله صلى الله عليه وسلم هو الإنسان الكامل وهو الذي جعله الله حجة على عباده وأمرهم بان يتخذوه أسوة وقدوة ولذلك فان أفضل إحياء لذكرى مولده عليه الصلاة والسلام هو العودة إلى ما جاء به من هدي للنهل منن معينه العذب الذي لا ينضب ولا يمل على كثرة الرد. إن رسول الله عليه الصلاة والسلام لم يجتمع لأحد غيره ما اجتمع له من الصفات كيف لا والله تبارك وتعالى قد أعده ليكون خاتم رسله وأنبيائه وأرسله للناس أجمعين بالدين الخاتم دين الإسلام الذي جمع فيه الله تبارك وتعالى ما تفرق في غيره من الأديان والرسالات بحيث جاء جامعا مانعا لا يحتاج من يعتنقه إلى أن يلتفت إلى سواه من الديانات والرسالات فقد أتمه الله وأكمله “اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا” فكان الدين الحق الذي لن يرضى الله من عباده بسواه “ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين” انه الدين عند الله “إن الدين عند الله الإسلام”. فطبيعي أن يكون النبي والرسول الذي اختير ليبلغ هذا الدين إلى الناس كافة والى البشر أجمعين من طراز عال ولا نظير له وان يكون صفوة خلق الله فهو صفوة الصفوة وكل الأنبياء صفوة “الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس”“الله اعلم حيث يجعل رسالته” وإمام هؤلاء الأنبياء وخاتمهم هو سيدنا محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام جعله الله حجة على عباده “لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا” لهذا ولغيره لا يمكن أن يكتفي الكاتبون في ذكرى المولد النبوي الشريف بالكتابة مرة أو مرتين أو ثلاثة بل أكثر من ذلك بكثير، فالكتابة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تمل ولا تنتهي وكيف يحيط كاتب أو شاعر بجوانب الكمال والجمال والعظمة في شخص رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ وكل جزئية وكل لحظة وكل لمحة وكل إشارة وكل كلمة بل كل حركة وسكون إلا وفيه مواعظ ودروس وعبر هي كلها جمال وروعة له صلى الله عليه وسلم. ليس هذا من قبيل المبالغة فالواقع يشهد والتاريخ يشهد والإجماع يكاد يكون مطبقا -إلا من شذ والشاذ يحفظ ولا يقاس عليه- أن سيدنا محمدا عليه الصلاة والسلام لا يزال الكاتبون ولا يزال الناظمون ولا يزال المحققون والمدققون والدارسون من مسلمين وغير المسلمين يكتشفون في سيرته عليه الصلاة والسلام ما يدفعهم إلى الإدلاء بدلائهم والتعبير كل بطريقته وأسلوبه عما رأى انه جدير بان يعرض على الناس ويقدم إليهم ذلك أنه لم يوجد عبر تاريخ البشرية جمعاء بكل أجناسها وألوانها وأديانها من كتب عنه وألف فيه مثل سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام، تآليف منها المطبوع المتداول بين الأيدي والأكثر الأغلب لا يزال مخطوطا بين بطون المجلدات في مكتبات المدن وحتى القرى النائية في الصحاري والأدغال بكل لغات الشعوب الإسلامية بل إن اللغات الأجنبية من انقليزية وفرنسية واسبانية وألمانية وايطالية وروسية ولم لا يابانية وصينية وغيرها كلها تزخر مكتباتها بعشرات الكتب التي محضها أصحابها للحديث عن سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم، لقد شد سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم الأنظار إليه ودفع الكاتبين ليخصوه بمؤلفات بقطع النظر عن مضامين هذه المؤلفات إذ فيها العميق وفيها السطحي وفيها المنصف وفيها المليء بالشبهات والترهات ولكنها بمقياس الكم على الأقل تدل على أن سيدنا محمدا عليه الصلاة والسلام بكل المقاييس ليس بالإنسان العادي وهذا وحده كاف لجعل العقلاء لا يملكون إلا أن يكبروه ويعظموه ويعطوه المرتبة الأولى على غرار ما فعل الكاتب الأمريكي صاحب كتاب (المائة الأعظم) فقد جعل على رأس هؤلاء المائة سيدنا محمدا بن عبن الله عليه الصلاة والسلام. إجماع على تعظيم رسول الله صلى الله عليه وسلم وما أعجبه ذلك الإجماع الحاصل لدى الصغير والكبير والذكر والأنثى والمتعلم وغير المتعلم على التعظيم لرسول الله صلى الله عليه وسلم كلما ذكر اسمه إذ ما إن تسمع آذان المسلمين اسم محمد حتى تنطق بصفة تلقائية لا تردد فيها ودون تفكير قائلة (اللهم صلي وسلم على سيدنا محمد) امتثالا للأمر الإلهي القائل (إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما) صلى الله عليه وسلم كلما ذكره الذاكرون وصلى الله عليه وسلم كلما غفل عن ذكره الغافلون، فالمصلي على سيدنا محمد موعود بعظيم الأجر وجزيل الثواب، ألم يقل عليه الصلاة والسلام “من صلى علي مرة صلى الله عليه عشرا”؟ وما أكثرها الأحاديث الصحيحة التي تحظ على الإكثار من الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي مع بعضها البعض تؤكد أهمية وقيمة الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد ألفت في فضل الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم عديد الكتب والمجاميع والدواوين واشتهر الكثير منها وتداوله الناس من ذلك كتاب (دلائل الخيرات) للإمام الجزولي كما أن بعض الصيغ من الصلوات على رسول الله حفظها الناس عن ظهر قلب مثل الصلاة المشيشية (نسبة إلى سيدي عبد السلام بن مشيش شيخ سيدي أبي الحسن الشاذلي رضي الله عنهما) وغيرها وغيرها من الصيغ الرائعة الجميلة البديعة التي تخشع لقراءتها وسماعها القلوب وتذرف لها الدموع وتتقبل ببركاتها الدعوات إذ حاشا لله سبحانه وتعالى أن يرد دعوة داع افتتح دعاءه بالصلاة على رسول الله واختتمه بالصلاة على رسول الله فما بين الصلاتين مستجاب بإذن الله من اجل رسول الله صلى الله عليه وسلم. والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم من علامات الحب والتعلق برسول الله صلى الله عليه وسلم اللذان هما مفتاح الوصول وسبيل الحصول على مرضاة الله سبحانه وتعالى. حب رسول الله صلى الله عليه وسلم فالحب لرسول الله صلى الله عليه وسلم دافع لإتباعه والاهتداء به في الصغيرة والكبيرة وهو واصل بصاحبه إلى درجة يصبح فيها هواه تبعا لما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد قال عليه الصلاة والسلام “لا يكون أحدكم مؤمنا حتى يكون هواه تبعا لما جئت به” كما أن الحب لرسول الله صلى الله عليه وسلم يجعل صاحبه يتذوق حلاوة إيمانه فقد ورد في الحديث الشريف “ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله وان يكره أن يعود إلى الكفر كما يكره أن يقذف في النار”. فالمحب لرسول الله صلى الله عليه وسلم يستحضر ذاته الكريمة الكريمة هذه الذات التي لم يقصر علماء الأمة بأسانيدهم الدقيقة المضبوطة المتصلة إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في تقديم الصورة المتكاملة لشخص رسول الله صلى الله عليه وسلم بحيث لم تغب عنهم شاردة ولا واردة من ذاته عليه الصلاة والسلام في الصغيرة والكبيرة أوردوا فيها ولها الوصف الدقيق هذا فضلا عن خلقه وسيرته وسائر معاملاته وكل ما صدر عنه بقوله وفعله وإقراراته وحتى غضبه ورضاه ومزحه وحزنه، فالصورة لرسول الله صلى الله عليه وسلم كاملة جامعة شاملة حفظها لنا السلف الصالح حتى لكان القارئ لسيرنه عليه الصلاة والسلام أو المستمع لها تقرأ وتتلى نثرا وشعرا لكأنه يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم رأي العين ولكأنه يعيش معه، وهل يمكن بعد ذلك أن يداني أو يقارب أحد من عظماء وكبراء التاريخ سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم أو أن يظفر بجزء ولو يسير مما ظفر ولا يزال يظفر به سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام؟ كلا وألف كلا، فشمس محمد عليه الصلاة والسلام تختفي لبزوغها كل النجوم، وصدق الله العظيم الذي يقول لنبيه ورسوله الكريم عليه الصلاة والسلام “ألم نشرح لك صدرك ووضعنا عنك وزرك الذي انقض ظهرك ورفعنا لك ذكرك” لقد رفع الله ذكر سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وسيظل هذا الذكر مرفوعا إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها رغم انف كل الشانئين الذين بترهم الله في كل مرة تطاولوا فيها أو حاولوا أن ينقصوا من قدر هذا النبي العظيم وهذا الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام، وكم رأينا وكم قرانا من وبال وخيبة باء بها هؤلاء الأدعياء الأشقياء الذين لا يعتبرون ولا يتعظون وصدق الله العظيم الذي يقول في محكم التنزيل “إنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور” نسأل الله السلامة وندعوه جل وعلا أن لا يؤاخذنا بما يفعله ويتجرا عليه السفهاء الذين لا يخلو منهم زمان ولا مكان ولكن كيدهم دائما هو إلى نحورهم وعاقبتهم وخيمة والعياذ بالله. المحبون لرسول الله صلى الله عليه وسلم معه في الجنة أما المحبون لرسول الله صلى الله عليه وسلم المتبعون له المقتدون به عليه الصلاة والسلام فهم الذين على المحجة البيضاء التي لا يزيغ عنها إلا هالك، وهم الموعودون بجنات النعيم وبجوار الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام، وهم أهل شفاعته، وهم الذين سيردون على حوضه ذلك ما وعدهم به ربهم وذلك هو ما بشرهم به حبيبهم محمد عليه الصلاة والسلام فقد ورد في الحديث الشريف “المرء يحشر مع من أحب”. وشدة حب هؤلاء المؤمنين لرسول الله صلى الله عليه وسلم الذي هو اشد من حبهم لأنفسهم ولأموالهم وأولادهم هي التي تجعل ألسنتهم لا تفتر عن الصلاة على سيدنا محمد في كل أحوالهم قائمين وقاعدين وعلى جنوبهم في الليل وفي النهار، في السفر وفي الإقامة، في الصحة وفي المرض ومن هذه حالهم هم المحبون حقا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ومن هذه حالهم هم المبشرون في الحياة الدنيا “لهم البشرى في الحياة الدنيا” ومن هذه البشرى أن الله تبارك وتعالى يكرمهم برؤية رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الحياة الدنيا إذ الرؤيا كما ورد في الحديث الشريف (جزء من ست وأربعين جزءا من النبوة) وهي ما بقي من المبشرات بعد انتقال الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى “الرؤيا الصالحة يراها المؤمن أو ترى له” والرؤيا تسر ولا تغر وهي غير الحلم الذي هو من الشيطان بينما الرؤيا هي من الله وأعلى الرؤى درجة وأعظمها هي رؤية رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد قال عليه الصلاة والسلام “من رآني فقد رآني حقا فان الشيطان لا يتمثل بي”. ذكرى المولد مناسبة لتوثيق الصلة بهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم إن ذكرى المولد النبوي الشريف هي محطة يقف عندها المسلم ليستحضر كل هذه المعاني وغيرها وغيرها فكل شيء في رسول الله صلى الله عليه وسلم وكل كلمة قالها رسول الله صلى الله عليه وسلم وكل موقف اتخذه وكل تصرف صدر عنه وكل حياته بل حتى مماته كل ذلك دروس وعبر ومواعظ وكمال وجمال وعظمة بل كل ذلك دين يتعبد به الله ويتقرب به إليه صلى الله عليه وسلم وكرم وعظم. وما أحوج امة سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام إلى أن تعود إلى سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وتنظر فيها بتمعن وتتدبر ما فيها من دروس هي في أمسّ الحاجة إليها بالخصوص في هذا الظرف الصعب الذي تمر به، ففي هذه السيرة الحلول لمشاكل المسلمين، وفي هذه السيرة الشفاء لكل الأمراض والعلل، إن كل واحد من امة محمد صلى الله عليه وسلم يجد ما يناسبه في سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وما يجعله يسلك الطريق المستقيم الذي لا اعوجاج فيه ولا انحراف ولا ضرر فيه ولا ضرار ففي سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي هديه القويم يجد الآباء والأمهات والأزواج والزوجات وتجد الأسر ويجد الشركاء والأجوار والعمال وأصحاب العمل والحكام والمحكومون، يجد الجميع ما يحقق لهم مبتغاهم ومرادهم وسعادتهم وراحتهم وقبل ذلك وبعده يجدون مرضاة ربهم “قل إن كنتم تحبون اله فاتبعوني يحببكم الله”. إن ذكرى المولد النبوي لا ينبغي أن تكون يوما واحدا أو ليلة واحدة نجتمع فيها فنستمع أو نقرا قصة مولده عليه الصلاة والسلام ونردد فرادى وجماعات غرر القصائد التي نظمها فطاحل الشعراء، إن ذلك طيب وجميل وهو اقل ما ينبغي القيام به في هذه المناسبة المباركة وهذه الذكرى العطرة ذكرى مولد سيد الكائنات سيدنا محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام ولكن الأفضل الذي نأمله وندعو إليه المسلمين هو أن نستصحب حب رسول الله صلى الله عليه وسلم في كل أيام عمرنا إلى أن نلقى رسول الله صلى الله عليه وسلم غير مبدلين ولا مغيرين وذلك أمر ممكن وفي المستطاع بل هو مطلوب ومما ييسره علينا أن هديه عليه الصلاة والسلام في كل مناحي ومجالات الحياة محفوظ مبوب ومشروح مبين، انه في المتناول، انه بأفصح كلام وأبلغه وأيسره لم يترك صغيرة ولا كبيرة ولا أي شأن من شؤون الحياة إلا أحاط به، إنها ثروة لا نجد لها نظيرا ولا شبيها في ثقافات وحضارات واديان الأمم والشعوب الأخرى، كنز حفظه الله بحفظ كتابه هدي جدير بأن يقرب من الناس بمختلف فئاتهم ومستوياتهم، إنها مهمة الجميع تيسرها عليهم الوسائط الإعلامية المنظورة والحمد لله فقد اجتهد عدد من خيرة العلماء في برمجة سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعلوها في أقراص مضغوطة سهلة الاستعمال ويمكن الحصول عليها بأرخص الأثمان فعسى أن يكون ذلك دافعا للاغتراف من معين سنة وسيرة المصطفى عليه الصلاة والسلام والله وتبارك وتعالى الهادي إلى سواء السبيل انه سبحانه وتعالى سميع مجيب وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا والحمد لله رب العالمين.