من وحي ذكرى المولد النبوي الشريف : قراءة في باب الصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم من كتاب الشفا للقاضي عياض
عقد القاضي عياض فصلا شيقا في كتاب الشفا اتخذ له عنوانا: في حكم الصلاة عليه والتسليم وفرض ذلك وفضيلته انطلق فيه من قوله جل من قائل (إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما) سورة الأحزاب الآية 56. وبعد أن يورد القاضي عياض تفسير هذه الآية يقول: وقد فرق النبيء صلى الله عليه وسلم في حديث تعليم الصلاة بين لفظ الصلاة ولفظ البركة فدل أنهما بمعنيين. وأما التسليم الذي أمر الله تعالى به عباده فقال القاضي أبو بكر بكير: نزلت هذه الآية على النبيء صلى الله عليه وسلم، فأمر الله أصحابه أن يسلموا عليه وكذلك من بعدهم أمروا أن يسلموا على النبىء عند حضورهم قبره وعند ذكره. وفي معنى السلام عليه ثلاثة وجوه: احدها: السلام لك ومعك، ويكون السلام كاللذاذ واللذاذة. الثاني: أي السلام على حفظك ورعايتك متول له وكفيل به ويكون هنا السلام اسم الله. الثالث: أن السلام بمعنى المسالمة له والانقياد كما قال (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لم يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما) النساء الآية 65. يقول القاضي عياض: اعلم أن الصلاة على النبيء صلى الله عليه وسلم فرض على الجملة غير محدد بوقت لأمر الله تعالى بالصلاة عليه وحمل الأئمة والعلماء له على الوجوب وأجمعوا عليه. ومضى بعد ذلك القاضي عياض موردا لأقوال العلماء الأعلام. وختم كل ذلك بإيراد الحديث الذي رواه ابن ماجة: (لا صلاة لمن لم يصل علي) قال ابن القصار معناه: كاملة أو لمن لم يصل علي مرة في عمره. وفي حديث أبي جعفر عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم: “من صلى صلاة لم يصل فيها علي وعلى أهل بيتي لم تقبل منه”. ثم ثنى القاضي عياض بفصل: في المواطن التي يستحب فيها الصلاة والسلام على النبيء ويرغب. وفي هذا الفصل أورد عدة أحاديث وآثار منها: قوله عليه الصلاة والسلام “إذا صلى أحدكم فليبدأ بتحميد الله والثناء عليه ثم ليصل على النبيء ثم ليدع بما شاء” الترمذي. وقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه “الدعاء معلق بين السماء والأرض، فلا يصعد إلى الله منه شيء حتى يصلي على النبيء صلى الله عليه وسلم”. وروي أن الدعاء محجوب حتى يصلي الداعي على النبيء صلى الله عليه وسلم وقول ابن مسعود “إذا أراد أحدكم أن يسأل الله شيئا فليبدأ بمدحه والثناء عليه بما هو أهله ثم يصلي على النبيء صلى الله عليه وسلم ثم يسأل فانه أجدر أن ينجح”. قال ابن عطاء: للدعاء أركان وأجنحة وأسباب وأوقات فإن وافق أركانه قوي وان وافق أجنحته طار في السماء وان وافق مواقيته فاز وان وافق أسبابه أنجح. فأركانه حضور القلب والرقة والاستكانة والخشوع وتعلق القلب بالله وقطعه الأسباب وأجنحته الصدق وأسبابه الصلاة على محمد صلى الله عليه وسلم. وقد ورد في الحديث “الدعاء بين الصلاتين علي لا يرد” وفي حديث آخر “كل دعاء محجوب دون السماء فإذا جاءت الصلاة علي صعد الدعاء”. أما مواطن الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم فهي عند ذكر اسمه عليه الصلاة والسلام وعند سماعه أو كتابته أو عند الآذان. قال عليه الصلاة والسلام “رغم انف رجل ذكرت عنده فلم يصل علي”. قال أبو إسحاق بن شعبان: وينبغي لمن دخل المسجد أن يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى آله ويترحم عليه وعلى آله ويسلم تسليما ويقول “الله اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك”. وإذا خرج فعل مثل ذلك وجعل موضع “رحمتك” فضلك وقال عمرو بن دينار في قوله تعالى “فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم”. قال ابن عباس: المراد بالبيوت هنا المساجد. قال النخعي: إذا لم يكن في المسجد احد فقل: السلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم وإذا لم يكن في البيت احد فقل: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. وعن علقمة: إذا دخلت المسجد أقول: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته صلى الله وملائكته على محمد. ومن مواطن الصلاة التي مضى عليها عمل الأمة ولم تنكرها: الصلاة على النبيء وآله في الرسائل وما يكتب بعد البسملة ولم يكن هذا في الصدر الأول وأحدث عند ولاة بني هاشم فمضى به عمل الناس في أقطار الأرض. كيفية الصلاة عليه والتسليم وفي هذا الفصل يورد القاضي عياض عدة صيغ للصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم نذكر منها: إنهم قالوا “الصحابة” يا رسول الله كيف نصلي عليك؟ فقال: “قولوا: اللهم صلي على محمد وعلى أزواجه وذريته كما صليت على آل إبراهيم وبارك على محمد وأزواجه وذريته كما باركت على آل إبراهيم انك حميد مجيد” وفي رواية مالك عن أبي مسعود الأنصاري: قال: قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آله كما صليت على آل إبراهيم وبارك على محمد كما باركت على آل إبراهيم في العالمين انك حميد مجيد-والسلام كما قد علمتم. وعن عقبة بن عمرو في حديثه “اللهم صل على محمد النبيء الأمي وعلى آل محمد” وفي رواية أبي سعيد الخدري “اللهم صل على محمد عبدك ورسولك” وعن علي بن طالب قال: “عدهن في يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم” وقال: “عدهن في يدي جبريل وقال: هكذا نزلت من عند رب العزة اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم انك حميد مجيد اللهم وترحم على محمد وعلى آل محمد كما ترحمت على إبراهيم انك حميد مجيد اللهم وتحنن على محمد وعلى آل محمد كما تحننت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم انك حميد مجيد اللهم وسلم على محمد وعلى آل محمد كما سلمت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم انك حميد مجيد” وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم “من سره أن يكتال بالمكيال الأوفى إذا صلى علينا أهل البيت فليقل: اللهم صل على محمد النبي وأزواجه أمهات المؤمنين وذريته وأهل بيته كما صليت على إبراهيم انك حميد مجيد”. وعن سلامة الكندي كان علي يعلمنا الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم “اللهم داحي المدحوات وباري المسموكات اجعل شرائف صلواتك ونوامي بركاتك ورأفة تحننك على محمد عبدك ورسولك الفاتح لنا أغلق والخاتم لما سبق والمعلن الحق بالحق والدامغ لجيشات الأباطيل كما حمل فاضطلع بأمرك لطاعتك مستوفرا في مرضاتك واعيا لوحيك حافظا لعهدك ماضيا على نفاذ أمرك حتى أورى قبسا لقابس. آلاء الله تصل بأهله أسبابه به هديت القلوب بعد خوضات الفتن والإثم وأنهج موضحات الأعلام ونائرات الأحكام ومنيرات الإسلام فهو أمينك المأمون وخازن علمك المخزون وشهيدك يوم الدين وبغيثك نعمة ورسولك بالحق رحمة، اللهم أفسح له في عدنك وأجزه مضاعفات الخير من فضلك مهنئات له غير مكدرات من فوز ثوابك المحلول وجزيل عطائك المعلول اللهم أعل على بناء الناس بناءه وأكرم مثواه لديك ونزله وأتم له نوره واجز من ابتعاثك له مقبول الشهادة ومرضي المقالة، ذا منطق عدل وخطة فصل وبرهان عظيم”. وعنه أيضا في الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم “إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما لبيك اللهم وسعديك صلوات الله البر الرحيم والملائكة المقربين والنبيين والصديقين والشهداء والصالحين وما سبح لك من شيء يا رب العالمين على محمد بن عبد الله خاتم النبيين وسيد المرسلين وإمام المتقين ورسول رب العالمين الشاهد البشير الداعي إليك بإذنك السراج المنير وعليه السلام”. وعن عبد الله بن مسعود “اللهم اجعل صلواتك وبركاتك ورحمتك على سيد المرسلين وإمام المتقين محمد عبدك ورسولك إمام الخير ورسول الرحمة اللهم ابعثه مقاما محمودا يغبطه فيه الأولون والآخرون اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم انك حميد مجيد وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم انك حميد مجيد”. وكان الحسن البصري يقول: “من أراد أن يشرب بالكأس الأوفى من حوض المصطفى فليقل: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد وعلى آله وأصحابه وأولاده وأزواجه وذريته وأهل بيته وأصهاره وأنصاره وأشياعه ومجيبه وأمته وعلينا معهم أجمعين يا أرحم الراحمين”. ويمضي القاضي عياض موردا لصيغ متعددة للصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يتسع المجال لإيرادها كلها وإنما يكفي كعينة منها ما أوردناه ويمكن العودة إلى كتاب الشفا في الباب المذكور للإطلاع عليها. في فضيلة الصلاة على النبي والتسليم عليه والدعاء له يورد القاضي عياض في هذا الفصل على عادته الأحاديث والآثار العديدة التي منها ما يلي: قال عبد الله بن عمر سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول “إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول وصلوا علي فإنه من صلى علي مرة واحدة صلى الله عليه عشرا ثم سلوا لي الوسيلة فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل لي الوسيلة حلت له الشفاعة”. وروي عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال “من صلى علي صلاة صلى الله عليه وسلم عشر صلوات وحط عنه عشر خطيئات ورفع له عشر درجات”. وفي رواية كتب له عشر حسنات. وعن انس عنه صلى الله عليه وسلم “إن جبريل ناداني فقال: من صلى عليك صلاة صلى الله عليه عشرا ورفعه عشر درجات”. وفي رواية عبد الرحمان بن عوف عنه صلى الله عليه وسلم “لقيت جبريل فقال لي: إني ابشرك أن الله تعالى يقول من سلم عليك سلمت عليه ومن صلى عليك صليت عليه”. وعن ابن مسعود “أولى الناس بي أكثرهم علي صلاة” وعن زيد بن الحباب “سمعت النبيء صلى الله عليه وسلم يقول من قال: اللهم صل على محمد وانزله المنزل المقرب عندك يوم القيامة وجبت له شفاعتي”. وعن أبي هريرة عنه صلى الله عليه وسلم “من صلى علي في كتاب لم تزل الملائكة تستغفر له ما بقي اسمي في ذلك الكتاب”. وختم القاضي عياض هذا الباب العظيم الشأن يفصلين احدهما يحمل عنوان: في ذم من لم يصل على النبي صلى الله عليه وسلم وإثمه ومنه نورد حديث “رغم انف رجل ذكرت عنده فلم يصل علي...”. وحديث “إن النبي صلى الله عليه وسلم صعد المنبر فقال: آمين ثم صعد فقال: آمين ثم صعد فقال آمين فسأله معاذ عن ذلك فقال: إن جبريل أتاني فقال: يا محمد من سميت بين يديه فلم يصل عليك فمات فدخل النار فأبعده الله قل آمين، فقلت: آمين...” وعن علي بن أبي طالب عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “البخيل كل البخيل الذي ذكرت عنده فلم يصل علي” وعن جعفر بن محمد عن أبيه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من ذكرت عنده فلم يصل علي أخطئ به طريق الجنة” وعن أبي هريرة قال أبو القاسم صلى الله عليه وسلم “أيما قوم جلسوا مجلسا ثم تفرقوا قبل أن يذكروا الله ويصلوا على النبي صلى الله عليه وسلم كانت عليهم من الله ترة إن شاء عذبهم وان شاء غفر لهم”. أما فضل تخصيصه صلى الله عليه وسلم بتبليغ صلاة من صلى عليه وسلم من الأنام ففي هذا الفصل أورد القاضي عياض حديث أبي هريرة: قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “ما من احد يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد عليه” وحديث “من صلى علي عند قبري سمعته ومن صلى علي نائيا بلغته”. وحديث ابن مسعود “إن لله ملائكة سياحين في الأرض يبلغوني عن أمتي السلام”. وحديث ابن عمر “أكثروا من السلام على نبيكم كل جمعة فانه يؤتى به منكم في كل جمعة”. وعن الحسن “حيثما كنتم فصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني” وعن سليمان بن سحيم: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في النوم فقلت يا رسول الله: هؤلاء الذين يأتونك فيسلمون عليك أتفقه سلامهم؟ قال نعم وأرد عليهم. وعن ابن شهاب: بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "أكثروا من الصلاة علي في الليلة الزهراء واليوم الأزهر فإنهما يؤديان عنكم وان الأرض لا تأكل أجساد الأنبياء وما من مسلم يصلي علي إلا حملها ملك حتى يؤديها إلي ويسميه حتى انه ليقول: إن فلانا يقول كذا وكذا. هذا هو أيها القارئ الكيرم ملخص تفاديت فيه إيراد الأسانيد لما ذكره القاضي عياض في باب الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو كما ترى فصل ضاف ومفيد لا غنى للمسلم عن معرفته والإطلاع عليه وقد كانت الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم محل اهتمام العلماء قديما وحديثا تنافسوا في صياغة ابلغ الصلوات على رسول الله صلى الله عليه وسلم امتثالا لأمر الله تبارك وتعالى في كتابه وتقربا بالصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الله وطمعا في شفاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم وتعبيرا صادقا عن الحب والتعلق برسول الله صلى الله عليه وسلم وقد تلقت الأمة قديما وحديثا هذه الصيغ بالقبول الحسن وحافظت على تلاوتها وهي عديدة وبعضها مشهور متداول بين الأيدي متواتر حفظه بين الناس نذكر منها الصلاة المشيشية “نسبة إلى سيدي عبد السلام بن مشيش” والصلوات الواردة في دلائل الخيرات للشيخ الجزولي والصلاة الهاروشية “دفين الزلاج” وغيرها.