من رواد الإنشاد الديني بتونس: الشيخان أحمد الشحيمي والأسعد المناصري رحمهما الله

من رواد الإنشاد الديني بتونس: الشيخان أحمد الشحيمي والأسعد المناصري رحمهما الله


فقدت الساحة الدينية صوتين شجيين طالما شنفا الآذان وأطربا الأسماع وخشعا القلوب في المناسبات العامة والخاصة وكانا رحمهما الله يمثلان نموذجا للطابع التونسي الأصيل العريق في ترتيل القرآن وتجويده وفي الإنشاد الديني والمديح المحمدي أنهما الشيخ المقرئ احمد بن محمد الشحيمي والشيخ المنشد الأسعد المناصري رحمهما الله رحمة واسعة واسكنهما فراديس جنانه. وبفقد هذين الشيخين الفاضلين انصدع صرح السماع الديني التونسي فمكانتهما في الساحة الدينية مكانة رفيعة ومنزلتهما متقدمة. لقد رحلا رحمهما الله إلى عالم البقاء والخلود وهما في أوج العطاء والبذل ولئن كان الشيخ أحمد الشحيمي رحمه الله قد أمضى من عمره المبارك عقودا فان الشيخ الأسعد المناصري رحمه الله لا يزال في مقتبل العمر، فهو شيخ في رحاب جامع الزيتونة وفي رحاب المغارة والمقام الشاذلي، فهو شيخ دولة (مصطلح يطلق على قراء الحزب القرآني اليومي بجامع الزيتونة) وهو منشد بالمغارة والمقام الشاذلي. * عرفت الشيخ أحمد الشحيمي رحمه الله في المناسبات العامة وما يقام من احتفالات دينية “ذكرى غزوة بدر وليلة القدر والمولد النبوي والهجرة النبوية” في المساجد والجوامع ونوادي الشعب والنوادي الثقافية حيث ظل وفيا لفرقته “فرقة الشيخ محمود عزيز رحمه الله” فكان في هذه الفرقة عمودها الفقري بقراءته الشجية لكتاب الله العزيز تفتتح الفرقة سردها لقصة المولد النبوي “مولد البرزنجي” وتغنيها بقصائد البوصيري “الهمزية والبردة”، وكانت تلاوته للقرآن الكريم يبدو فيها التفاعل الصادق مع ما يقرأ من آيات بينات وكان خشوعه يضفي على السامعين سكينة ورهبة وخشية وخشوعا. لقد كنت شخصيا ألحظ هذا التفاعل والخشوع لدى الشيخ أحمد الشحيمي رحمه الله وأستزيده من القراءة وكان رحمه الله يستجيب بكل تلقائية وبشر وسرور لهذا الاستحسان وكان رحمه الله عندما يجيء دوره في أخذ نصيبه من الضراعة والاستغاثة التي تتخلل سرد قصة المولد يشنف الأذان فيرتفع صوته الجميل عاليا يخترق أرجاء الفضاء ليرتفع إلى عنان السماء ولتفتح له أبواب القبول من الله جل وعلا الرؤوف الرحيم الغفور الحليم الكريم سبحانه وتعالى. وكم كنت أرتاح عندما تختار له القناة السابعة أو الإذاعة الوطنية تلاوة ما يتسر من كتاب الله العزيز عند افتتاح إرسالهما أو قبل آذان صلاة المغرب بمناسبة شهر رمضان المعظم. وكنت ألقاه في الممرات المؤدية إلى قاعات التسجيل بالإذاعة الوطنية وهو هو لا يتغير: وقار في بشر وانشراح، لم أسمعه في يوم من الأيام يشكو من وضع أو يعاتب على أمر من الأمور. ذلك هو الشيخ أحمد الشحيمي رحمه الله منذ عرفته وأنا شاب صغير أرافق الشيخ الوالد الحبيب المستاوي رحمه الله في المناسبات الدينية التي تقام في مدينة مقرين وجامعها الكبير. * إن الشيخ أحمد الشحيمي رحمه الله يمثل حلقة من حلقات السند التونسي في الترتيل والإنشاد، وهي مدرسة ذات خصوصية تجمع بين العمل بقوله جل من قائل (ورتل القرآن ترتيلا) وبين تحسين الصوت بالقرآن وهو مطلوب ومستحب ما لم يصل إلى التغني والتطريب. وقد شهد لهذا الطابع التونسي المتميز والأصيل من يعتد بآرائهم وأحكامهم المبنية على الموضوعية والحرص على تحصيل الأساسي ألا وهو الاعتبار بما في كلام الله من مواعظ. ونذكر من أعلام هذه المدرسة في الترتيل والتجويد الشيخ علي البراق والشيخ محمد الهادي بلحاج رحمهما الله كما نذكر من أعلام المدرسة التونسية في الإنشاد الشيخ حميدة عجاج والشيخ عبد المجيد بن سعد والشيخ محمود عزيز رحمهم الله. وقد سارت على هذا النهج فرق المدائح والأذكار التونسية فأبدعت وأجادت وكانت محل الإعجاب والتقدير حيثما حلت ورحلت في العواصم العربية والإسلامية وفي البلدان الأوروبية حيث دعي البعض منها إلى المهرجانات الدولية الكبرى فكانت هذه الفرق خير سفير لتونس في الذوق الراقي والإنشاد الأصيل وكان لوزارة الثقافة دور الداعم والمساند لهذه الفرق وهي التي كانت وراء الحفاظ على الطابع التونسي من خلال مصالحها في التكوين والرسكلة. وللحقيقة التاريخية نذكر أن وزارة الثقافة أنشأت في نهج زرقون بتونس العاصمة في الستينات معهدا للترتيل والتجويد أسندت إدارته وتسييره إلى الشيخين عثمان العياري ومحمد الهادي بلحاج رحمهما الله وقد تخرجت من هذا المعهد أفواج عديدة من قراء تونس اتصل بهم “سند الترتيل الذي هو علم له قواعده وأصوله التي لا بد فيها من التلقي على شيخ ماهر” وانتقل هذا المعهد إلى إشراف وزارة الشؤون الدينية ثم لم يلبث أن أغلق أبوابه وانقطع عطاؤه ونفعه القرآني وقد هيأ هذا المعهد لتونس فرص السبق والفوز في المسابقات الدولية التي تقام لاختيار أجود الحفاظ وأتقنهم لتلاوة القرآن الكريم ومن خريجي هذا المعهد نذكر الشاب التقي نجيب بنور رحمه الله الذي وافته المنية وهو في ريعان العمر وزملاؤه من الحفاظ والقراء هم الذين يعمرون بيوت الله ويحيون المناسبات الدينية ومواكب الأفراح والمسرات ويسلون المصابين في أقاربهم الذين يغادرونهم إلى دار البقاء. * أما الشيخ الشاب المنشد الأسعد المناصري رحمه الله فما كنت احسب أن يد المنون ستختطفه بهذه السرعة وما كنت أعلم أنه يعاني مرضا قاتلا إلى أن فوجئت بخبر نعيه من إخوانه رواد المقام الشاذلي الذين شيعوه إلى مثواه الأخير فليلة الجمعة الثانية من الأسبوع الثاني لزيارات المقام الشاذلي عوض أن يكون مع محبيه وإخوانه من الشاذلية يشنف آذانهم بما ينتقيه من روائع الأبيات المادحة للذات المحمدية والعترة النبوية والسادة الصوفية واعلام الشاذلية عوض أن يكون معهم هناك في المقام يهزهم ويطربهم ويخشع قلوبهم بما ترق به من بليغ القول تشاء إرادة الله ولا راد لمشيئته أن تكون ليلة الجمعة هي أول ليلة له في قبره جعله الله روضة من رياض الجنة ونوره ووسعه عليه بما قرأه من قرآن كريم في دولة جامع الزيتونة المعمور وبما أنشد في المقام بمناسبة الزيارات وفي المغارة على مدار السنة “في ليلة الجمعة وصبيحة السبت من كل أسبوع”. لقد عرفت الشيخ الأسعد المناصري رحمه الله في المغارة الشاذلية وجلسنا إلى بعضنا وتحدثنا مليا ومطولا حول العمل في المغارة والمقام وتذاكرنا عن شيوخ المقام والمغارة وأعلام القراء والمنشدين ووعدني رحمه الله بمساعدتي في معرفة دقائق ما يدور في المقام والمغارة وعبر لي عن رغبته في القيام بتسجيل صوتي للأحزاب وتمنى أن يأذن له في هذا العمل شيخ المقام والمغارة الشيخ حسن بن حسن ووعدته بالسعي لدى الشيخ في تحقيق هذه الأمنية العزيزة على نفسه. وكنت ألتقي مع الشيخ الأسعد المناصري رحمه الله كل عام ومنذ سنوات في ذكرى غزوة بدر حيث يحرص السيد محمود مفتاح الرئيس المدير العام لدار العمل ورئيس شعبة باب البحر على إحياء هذه الذكرى بمحاضرة أتولى إلقاءها بهذه المناسبة وبحفل ديني يتمثل في إنشاد تقوم به فرقة يديرها الشيخ الأسعد المناصري رحمه الله والتي تشنف "في أجواء مشرقة منعشة أسماع الحاضرين الذين يضيق بهم المحل. وتنطلق على لسان الشيخ الأسعد المناصري رحمه الله الدعوات والتضرعات والابتهالات التي يؤمن عليها الحضور ولا أخالها إلا متقبلة مفتوحة أمامها الأبواب لأنه ليس لها من غاية إلا تحصيل مرضاة الله وقبوله. هذه المعاني ذكرتها وتذكرتها عندما بلغني نبأ وفاة الشيخ الأسعد المناصري رحمه الله وظلت حاضرة في ذهني وأنا أحضر مع جمع من أفاضل إخوانه الشاذلية الموكب الخاشع الذي أقامته أسرته مساء السبت اثر صلاة العصر بمحل سكناها بالعاصمة حيث قدم إلى روحه الزكية ختم قرآني شفع بتلاوة حزب التوسل للإمام الشاذلي ردد على إثره جماعيا اسم الله الأعظم في سكينة وخشوع وتسليم لمشيئة الله ودعاء إلى الله أن يتغمد الشيخ الأسعد المناصري بواسع رحمته وأن يسكنه فراديس جنانه وأن يرزق والدته وإخوته وأسرته وإخوانه في دولة القرآن بجامع الزيتونة وفي حلقات الإنشاد بالمغارة والمقام جميل الصبر والسلوان وأن يوفق إخوانه من القراء والمنشدين للنسج على منواله ومنوال الشيخ أحمد الشحيمي حتى تظل هذه البلاد “تونس العزيزة” محفوظة محروسة في لطف من الله وعناية منه أنه سبحانه وتعالى سميع مجيب



الكلمات الشائعة

 

الأستاذ محمد صلاح الدين المستاوي

خريج جامعة الزيتونة كلية الشريعة قسم الفقه وأصول الفقه : الليسانس وشهادة الدراسات المعمقة في موضوع : شروح الموطأ باحث بجامعة أكسان برفانس مرسيليا فرنسا من 2001-2002 إلى 2008-2009

الكلمات الشائعة

العنوان

28 نهج جمال عبد الناصر –تونس
+216 71 43 21 33
+216 71 32 71 30

أحدث المقالات

2026-01-25

الاسلام: حقائق وأعلام ومعالم

موقع الشيخ محمد صلاح الدين المستاوي عضو المجلس الإسلامي بتونس وخريج جامعة الزيتونة (كلية الشريعة وأصول الدين) يتضمن تعريفا بالشيخ والده الحبيب المستاوي رحمه الله وهو احد علماء الزيتونة ودعاة الإسلام حيث سيجد المتصفح لهذا الموقع فقرات من أعماله.