من خصائص المعاملات المالية في الإسلام

من خصائص المعاملات المالية في الإسلام


ظهرت في السنوات الأخيرة عدة أبحاث ودراسات حول الاقتصاد الإسلامي وأنشئت مراكز بحث عالمية في جدة واسلامباد وغيرهما وأصبحت مادة الاقتصاد الإسلامي تدرس في عدة كليات إسلامية بالإضافة إلى مجموعة المصارف الإسلامية التي انتشرت هنا وهناك وتجاوزت محيط العالم الإسلامي إلى أوروبا وأمريكا واستدعي القائمون عليها إلى ندوات مشتركة مع رجال الاقتصاد الغربي لدراسة معالم وخصائص هذه التجربة الجديدة. كما بادرت بعض الهيآت إلى إنشاء أجهزة لجمع أموال الزكاة وتوجهت جهات أخرى إلى مجالات التامين والتمويل. ولئن لم تكتمل بعد تجربة الاقتصاد الإسلامي ولم تؤت كل النتائج المرجوة منها فان ذلك يعود إلى عوامل زمنية ومادية وبشرية نأمل أن يقع التغلب عليها مع الأيام فان الاهتمام بالاقتصاد الإسلامي مظهر من مظاهر اليقظة والأصالة وبرهان ساطع على شمولية الإسلام وصلاحيته للإنسان في كل زمان ومكان وهو من جهة أخرى دليل على أن المناهج الاقتصادية والاجتماعية الوضعية لا يمكن أن تحقق للناس ما يصبون إليه من سعادة عاجلة وآجلة. غير أن هذه المسلمات والنتائج التي أصبح الوعي يتزايد يوما بعد يوم على مختلف المستويات تحمل المنادين بالبديل الإسلامي والداعين إليهم مسؤوليات كبيرة وتدعوهم بإلحاح إلى تجاوز مرحلة الشعارات العاطفية والكلمات الرنانة الفضفاضة والعموميات التي تدل على عجز وقصور إلى مرحلة البحث الواقعي والجدي الرصين حتى لا يصاب المتعلقون بالإسلام المستجيبون لندائه بخيبة أمل تجعلهم ينقلبون على أعقابهم يائسين. إن الاقتصاد الإسلامي الذي يدعى إلى تطبيقه اليوم له عدة خصائص ومميزات بدونها لا يمكن له أن يؤتي الثمار المرجوة منه: أولى هذه الخصائص انه اقتصاد يرتكز على قاعدة إيمانية ويتعامل مع أناس يحكمهم بُعْدَانِ: بُعد غيبي وبُعد مشاهد وبعبارة أوضح لا يقل إيمان المجتمع الذي يطبق الاقتصاد الإسلامي بالغيب عن إيمانه بالشهادة، وفي توظيف هذا التصور المزدوج لمصلحة الفرد والمجتمع اثر لا ينكر على واقع الناس من اجل إصلاح هذا الواقع والارتفاع به إلى المرتبة القريبة من الكمال. وعبر تاريخ البشرية تقف التجارب الاجتماعية والاقتصادية التي ارتبط فيها عالم الغيب بعالم الشهادة اصدق شاهد ودليل على قدرات الإنسان التي لا تحد وطاقاته التي لا توصف على البذل والعطاء والإيثار والتضحية من اجل الغير رغبة في الأجر والثواب ولقد قرانا في تاريخنا الإسلامي صورا للتحرر التلقائي من عبودية المال والدنيا والتوظيف الواعي والمخلص للجهد الفردي من اجل إسعاد الآخرين. وليس هذا التصرف خاص بحقبة معينة من تاريخ البشر ممن سمت أرواحهم وتعلقت بالمثل السامية بل إن الناس في كل زمان ومكان في أنفسهم من الطاقات الروحية ما لو إن استغل أحسن استغلال ووجه أحسن توجيه لأثمر الخير العميم لهؤلاء الناس في دنياهم وأخراهم. الخاصية الثانية لهذا الاقتصاد الإسلامي تتمثل في ارتكازه على بعد أخلاقي وهي أخلاق تتجاوز الكلمات المعسولة المستهلكة والمجاملات الكاذبة والابتسامات المتكلفة، إنها أخلاق المعاملة التي جعلها الرسول صلى الله عليه وسلم علامة الدين وتجسيمه حين قال عليه الصلاة والسلام (الدين المعاملة)، فالأخلاق الفاضلة التي بعث سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم لإتمامها تتمثل في الصدق والأمانة والوفاء والقيام بالواجب واحترام الغير ومحبة الخير للناس والاقتصاص من النفس وعدم الظلم والحفاظ على الأملاك العامة وغيرها وهذه المثل السامية هي أساس النجاح والفلاح والتقدم والتحضر في كل مجتمع بشري وهي أسباب من ترك الأخذ بها ليس له حظ في ما يصبو إليه من رقي وتمدن وان صلى وصام وزكى وحج.ولو رجعنا إلى تاريخ المسلمين لوجدناهم حققوا ما أرادوا وبلغوا ما يصبون إليه عندما تجسمت هذه المثل السامية في حياتهم اليومية وحقق اقتصادهم النماء والازدهار والعدالة والكفاف لكل الناس. وأصبحوا ضعفاء فقراء محتاجين متسولين عندما أصبحت هذه المثل حبرا على ورق وكلاما تردده الألسنة ولا تطبقه الجوارح. الخاصية الثالثة للاقتصاد الإسلامي تتمثل في ما أكده الإسلام وألح عليه من أن الصراع في المجتمع الإسلامي هو بين الخير والشر والكفر والإيمان وان المسلمين يحكم علاقاتهم ببعضهم البعض التعاطف والتحابب والتكامل والتآلف فهم كالجسد الواحد وكالبنيان المرصوص لا حقد بينهم ولا كراهية ولا ضغينة بل تنافس في الخير وغبطة عليه... إن المجتمع الإسلامي لا يعترف بصراع الأجيال أو صراع الطبقات أو صراع الذكور والإناث أو صراع الحكام والمحكومين، انه مجتمع يعرف فيه كل طرف ما إليه فيأخذه وما عليه فيؤديه عن رضى وطيب خاطر تنظم علاقات الناس ببعضهم البعض شريعة السماء التي لا يمكن أن تحيف أو تحيد أو تحابي أو تجامل طرفا على حساب طرف آخر.



الكلمات الشائعة

 

الأستاذ محمد صلاح الدين المستاوي

خريج جامعة الزيتونة كلية الشريعة قسم الفقه وأصول الفقه : الليسانس وشهادة الدراسات المعمقة في موضوع : شروح الموطأ باحث بجامعة أكسان برفانس مرسيليا فرنسا من 2001-2002 إلى 2008-2009

الكلمات الشائعة

العنوان

28 نهج جمال عبد الناصر –تونس
+216 71 43 21 33
+216 71 32 71 30

أحدث المقالات

2026-01-25

الاسلام: حقائق وأعلام ومعالم

موقع الشيخ محمد صلاح الدين المستاوي عضو المجلس الإسلامي بتونس وخريج جامعة الزيتونة (كلية الشريعة وأصول الدين) يتضمن تعريفا بالشيخ والده الحبيب المستاوي رحمه الله وهو احد علماء الزيتونة ودعاة الإسلام حيث سيجد المتصفح لهذا الموقع فقرات من أعماله.