مشروع الاستفادة من لحوم الهدي في الحج

مشروع الاستفادة من لحوم الهدي في الحج


تشهد مناسك الحج وشعائره عاما بعد عام اجتهادا واضحا وجليا في إيجاد الحلول التي ينتفي بها الضرر والحرج والمخاطر التي وصلت بسبب التدافع والازدحام إلى حد إزهاق الأرواح البشرية وهذا التوجه نحو رفع الحرج ونفي الضرر والأخذ بالأيسر والأخف دعت إليه آيات الكتاب العزيز وهدي الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام حيث قال جل من قائل (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) وتقول كتب السيرة (إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن حراما). وتشتد الحاجة إلى التيسير كلما كان الحرج والضرر اكبر واعم واشمل ولم يعد اليوم مبررا أن يفتي الناس في مسائل الحج وشعائره ومناسكه على مذهب واحد وعلى قول عالم واحد بل لا بد من التفتح على كل المذاهب وعلى كل أقوال العلماء الأعلام طالما أن في ذلك تيسيرا على الناس وحفاظا على حياتهم ونفيا للضرر عنهم والقاعدة تقول (الضرر يزال) و(لا ضرر ولا ضرار) وعند الضرورات تباح المحظورات “الضرورات تبيح المحضورات”. ومن نسك الحج التي شهدت اجتهادا محمودا فيما يقدمه الحجيج من هدي هو عبارة عن ذبائح كانت في ما مضى من السنين تذهب في اغلبها هباء منثورا لا تتحقق منها الفوائد المرجوة فضلا عن أنها قد تسبب بتراكمها في أضرار صحية وأوبئة فتاكة ومن أدى مناسك الحج قبل ربع قرن من الزمان رأى ولا شك مئات بل آلاف الذبائح ملقاة على الأرض تتوالد منها الحشرات وتصدر عنها الروائح الكريهة مما يجعل الأجواء مخنقة ملوثة مسممة تزيدها حدة حرارة الشمس وغبار الأتربة في منى المزدحمة بالحجيج مما يضطر الأجهزة الصحية لبلدية مكة المكرمة للمسارعة بحفر خنادق تردم فيها تلك الذبائح التي كما قلت تعد بالمئات وبالآلاف بل بعشرات الآلاف تذهب هباء منثورا تنفق في سبيلها الأموال الطائلة ولا تصل فائدتها إلى المحتاجين إليها من الفقراء. كان ذلك المشهد قبل ربع قرن من الزمان يمر به الحجيج ويمر به العلماء والشيوخ وأولو الأمر والجميع يتمنون أن يوجد لهذه المشكلة حل ولهذه الأموال التي تذهب هدرا بل وتتسبب في الأضرار الواضحة يتمنون الاستفادة العملية منها فيتحقق الامتثال بآداء هذه النسك وكتابة الحسنات والأجر والثواب بقدر قطرات الدم وأصواف هذه الذبائح لمن قدموها من الحجيج. واقترح البعض أن يدفع الحجيج الذين عليهم هدي وذبح أثمان هذه الذبائح نقدا يتصدق بها على الفقراء والمحتاجين ولكن هذا المقترح لم يجد القبول أو انه سابق لأوانه. ولما كانت الأمة بخير ما دام فيها أصحاب النوايا الطيبة المخلصة التي لا تبتغي من وراء العمل الصالح إلا الثواب والأجر فقد اهتدى البنك الإسلامي للتنمية وهو إحدى مؤسسات منظمة المؤتمر الإسلامي واحد ثمرات دعوة التضامن الإسلامي والذي اشرف ولا يزال على حظوظه بحكمة واقتدار الدكتور أحمد محمد علي الذي تشهد كل بلدان العالم الإسلامي بأياديه البيضاء عليها في ما أقرض به دولها وما قدمه من إعانات فنية وعينية من أجل تطوير اقتصادياتها والنهوض بتنميتها البشرية ولتونس في قلب هذا الرجل محبة وتقدير وإعجاب بما لا يزال يتحقق لها من مكاسب وانجازات في كل الميادين وقد عبر عن ذلك في كل مناسبة أتيحت له وكان آخرها عند تنظيم البنك الإسلامي ليوم دراسي ببلادنا قبل سنوات قليلة والدكتور أحمد محمد علي الذي نال عديد الأوسمة والدروع والجوائز ومنها جائزة الملك فيصل العالمية لخدمة الإسلام، هذا الرجل هو الذي كان ولا يزال وراء تجربة رائدة تتمثل في الاستفادة من لحوم الأضاحي ولحوم الهدي التي هي كما قلت بعشرات الآلاف من رؤوس الأغنام والأبقار والإبل والتي كانت تذهب سدى قبل إحداث هذا المشروع المبارك مشروع الاستفادة من هذه اللحوم. إن هذا المشروع تجاوب معه الحجيج وعملت بكل جهودها حكومة المملكة العربية السعودية على إنجاحه بما لا تزال تسخره من طائرات لنقل هذه اللحوم إلى المستحقين والمحتاجين في مختلف البلدان الإسلامية. إن مشروع الاستفادة من لحوم الهدي المتمثل في قيام البنك الإسلامي بالنيابة عن من عليهم ذبح حيث بتسلم أثمان الهدي ويسلم للحجيج وصولات في ذلك يجدونها بالمكاتب في كل الأرجاء المحيطة بالمسجد الحرام والمسجد النبوي وكل المسالك المؤدية إليهما والى المشاعر ويقوم البنك بالاستعداد كل عام لتوريد ما يحتاج إليه من الأغنام والأبقار والإبل ويحشد البنك الجزارين ومن يساعدهم والمشرفين الإداريين والفنيين الذين يتولون تشغيل وصيانة الأجهزة والمعدات في المجازر بالإضافة إلى الأطباء البياطرة الذين يقومون بالكشف على جميع الذبائح قبل الذبح للتأكد من خلوها من أي أمراض، وتحفظ هذه اللحوم التي هي بآلاف الأطنان في أماكن مخصصة مبردة ومكيفة ومعدة لذلك خصيصا إلى أن توزع على مستحقيها من فقراء الحرم ولهم الأولوية الشرعية وتنقل البقية برا وبحرا وجوا إلى اللاجئين وفقراء المسلمين في نحو سبع وعشرين دولة.ذلك هو المشروع المبارك للاستفادة من لحوم الهدي التي كانت تذهب سبهللا قبل ذلك وهي منذ انطلاق هذا المشروع الذي باركه الجميع: علماء وولاة أمور وحجيج بيت الله الحرام. إن مثل هذه المبادرات الخيرة هي التي تحتاج إليها الأمة اليوم وذلك باجتهاد مستنير ورغبة صادقة في تجسيم مقاصد ديننا الحنيف وما امرنا به ربنا سبحانه وتعالى ولاشك أن البنك الإسلامي للتنمية وعلى رأسه الدكتور أحمد محمد علي قادر على أن يقدم للأمة في هذا الظرف بالذات ما هي في أمس الحاجة إليه من تغيير لما آلت إليه من أوضاع اقل ما يقال فيها أنها دقيقة وملحة وتحتاج من الجميع أن يقوموا على غرار البنك الإسلامي بإسداء معروف وتفريج كرب مكروب وقضاء حاجة محتاج وذلك لعمري هو جوهر الإسلام ولبه وعلامة صدق الإيمان وإخلاصه.



الكلمات الشائعة

 

الأستاذ محمد صلاح الدين المستاوي

خريج جامعة الزيتونة كلية الشريعة قسم الفقه وأصول الفقه : الليسانس وشهادة الدراسات المعمقة في موضوع : شروح الموطأ باحث بجامعة أكسان برفانس مرسيليا فرنسا من 2001-2002 إلى 2008-2009

الكلمات الشائعة

العنوان

28 نهج جمال عبد الناصر –تونس
+216 71 43 21 33
+216 71 32 71 30

أحدث المقالات

2026-01-25

الاسلام: حقائق وأعلام ومعالم

موقع الشيخ محمد صلاح الدين المستاوي عضو المجلس الإسلامي بتونس وخريج جامعة الزيتونة (كلية الشريعة وأصول الدين) يتضمن تعريفا بالشيخ والده الحبيب المستاوي رحمه الله وهو احد علماء الزيتونة ودعاة الإسلام حيث سيجد المتصفح لهذا الموقع فقرات من أعماله.