مشروع (إحداث هيئة عالمية للزكاة) في سبيل استفادة أكمل بهذا الركن من أركان الإسلام

مشروع (إحداث هيئة عالمية للزكاة) في سبيل استفادة أكمل بهذا الركن من أركان الإسلام


* الزكاة عيادة مالية جاءت مقترنة في أغلب الأحيان بالصلاة في آيات الكتاب العزيز (أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة)، وهي حق معلوم في أموال الأغنياء جعله الله للفقراء وتوعد شديد الوعيد من يمنعونها ويبخلون بها عن أصحابها ومن جعلها حقا لهم. وقد ذكر المولى سبحانه وتعالى في عديد الآيات القرآنية وكذلك ذكّر رسول الله صلى الله عليه وسلم في هديه القولي والفعلي والإقراري بحقيقة كثيرا ما يغفل عنها الناس ألا وهي أن المالك الأصلي لما بين يدي الناس هو الله سبحانه وتعالى فهو الرزاق وهو الواهب وهو المسخر والإنسان هو مجرد مستخلف قال جل من قائل (أنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه) فالمال في الحقيقة والواقع مالكه هو الله : المال مال الله والأغنياء وكلاء الله والفقراء عيال الله. * والزكاة التي هي حق معلوم للسائل والمحروم ليست الصدقة التطوعية التي ورد الأمر بها في آيات الكتاب العزيز وأحاديث الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام ووعد المنفقون بالأجر والثواب ومضاعفة الجزاء (مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء). * الزكاة مقدار معلوم من مختلف أنواع المال يخرج من ملكية صاحبة بمجرد حلول الحول وبلوغ المال النصاب. * وأنصبة الزكاة في الغنم والإبل والبقر والزروع وسائر أنواع المال مفصلة ومبينة في كتب الفقه. والمخاطبون بهذا الركن (الزكاة) مدعوون أن يسألوا عما يجب عليهم إخراجه من أموالهم عند بلوغها النصاب وحلول الحول عليها. وهم إذا ما تراخوا وتأخروا عن آداء هذا الواجب وصرف هذا المقدار لمستحقيه يعرضون أموالهم إلى التلف ويعرضون أعمالهم إلى الرد عليهم مما هو مستوجب لغضب الله وشديد عقابه (الذين يكنزون الذهب والفضة) فهؤلاء تكوى بأموالهم جنوبهم وظهورهم بعد أن يحمى عليها في نار جهنم، وسيطوقهم الله ما بخلوا به وأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ما تلف مال في بر وبحر إلا بحجب الزكاة عن أصحابها وأهلها أولئك الذين لم يترك الله تبارك وتعالى أمر تحديدهم لاجتهاد مجتهد فمصارف الزكاة ثمانية تستوفي كل الحالات التي تحتاج إلى المساندة والعون جاء في الآية ستين من سورة التوبة قوله جل من قائل (إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم) صدق الله العظيم. فهذه الفئات في المجتمع هي تؤخذ لهم زكاة أموال الأغنياء لترد عليهم وهي كافية لسد حاجياتهم وجعلهم يشعرون بما شبه به رسول الله صلى الله عليه وسلم، “مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى” انه التضامن الفعلي الحقيقي والتجسيم العملي لأخوة الإيمان (إنما المؤمنون إخوة) وهذا الإيمان لا يمكن أن يدعيه من يبيت شبعانا وجاره إلى جانبه جائع ذلك ما أعلنه رسول الله صلى الله عليه وسلم. * وعظمة الإسلام وعظمة تعاليمه إنما تبدو وتتجلى في هذه الواقعية والمراعاة لحاجات الناس المادية المعيشية فالإنسان جسد وروح ولا بد لكل من الجسد والروح من الغذاء. فإطعام الجياع وسد رمقهم والاستجابة لحاجاتهم المشروعة لم يتركها الإسلام للتطوع والخيرية والسماحة فذلك جانب رغب فيه الإسلام ودعا إليه ووعد الله من يسلكه بعظيم الأجر وجزيل الثواب ولكنه لم يكتف بذلك بل جعل الإنفاق إلزاميا على الأغنياء للفقراء من إخوانهم الذين حولهم الزكاة عبادة مالية إلزامية على الأغنياء نحو الفقراء ولذلك خوطب بأخذها وطلبها من الأغنياء لترد على الفقراء رسول الله صلى الله عليه وسلم (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها) وكل من يقوم مقام رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأمة ويتحمل مسؤولية إدارة شؤونها مخاطب بما خوطب به رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهذا الركن من أركان الإسلام (الزكاة) سيظل قائما باقيا ما بقي الإسلام. وهو ملازم شديد التلازم لركز آخر هو عماد الدين (الصلاة) قال جل من قائل (أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة) وهي الحجة التي اعتمد عليها سيدنا أبو بكر رضي الله عنه لمحاربة مانعي الزكاة أولئك الذين قالوا بعد انتقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى نصلي ونصوم أما الزكاة فلا ندفعها فقال أبو بكر رضي الله عنه “والله لو منعوني عقالا أو عناقا كانوا يعطونه لرسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم عليهم” وبذلك حفظ أبو بكر رضي الله عنه للإسلام وحدته بأركانه الخمسة “الشهادتان والصلاة والزكاة والصيام والحج” وهو لو تنازل ورضي لمانعي الزكاة بما قرروا لما بقي اليوم ركن من أركان الإسلام. * مصرف في سبيل الله وضرورة توسيعه: * ومصارف الزكاة الواردة في الآية الستين من سورة التوبة اشتملت على مصرف كان ولا يزال محل بحث وتعمق وتدبر من طرف علماء الإسلام المستنيرين أولئك الذين يعتبرون المقاصد وما ترمي إليه تعاليم الإسلام فكان مصرف في سبيل الله مجالا للاجتهاد رأوا انه لا ينبغي الاقتصار فيع على الجهاد في سبيل الله وما يستوجبه من أعداد مادي عملا بقوله جل من قائل (واعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل) فذلك داخل في سبيل الله ولكن في سبيل الله تتسع لتشمل كل ما يحقق عزة المسلمين والرفع من شانهم في مختلف مناحي الحياة كما تشمل في سبيل الله كل وسيلة عصرية يمكن أن يستفاد منها في تقديم الإسلام على حقيقته للناس كافة دين سماحة ورحمة وحرية وكرامة (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين). * إن في سبيل الله هذا المصرف من مصارف الزكاة الثمانية هو الذي ينبغي التوعية باتساعه ليشمل كل ما يحتاج إليه المسلمون وما أكثر ما يحتاجه المسلمون في ديار الإسلام وخارج ديار الإسلام مصرف في سبيل الله هو الذي ينبغي توعية أثرياء المسلمين وما أكثرهم بأنه يشمل تنمية الموارد البشرية ويا للأسف في صفوف العرب والمسلمين بنسب عالية جدا، مصرف في سبيل الله يشمل بناء المستشفيات والمصحات وتقديم الخدمات الصحية اللازمة ومصرف في سبيل الله يشمل تعليم أبناء المسلمين مختلف المهارات وعلوم العصر الكفيلة بتغيير ما بالمسلمين من تخلف. * الزكاة كفيلة بتحقيق الكفاية: إن التضييق لهذا المصرف “في سبيل الله” وجعله يقتصر على الجهاد في ساحات القتال أو بناء المساجد أو توزيع المصاحف هو التقيد لما لم يقيده الله في كتابه العزيز والقاعدة تقول “إذا إستوى التقييد وعدم التقييد فعدم التقييد أولى” والشريعة الإسلامية مبنية على درء المفاسد وجلب المصالح حتى قال فقهاؤها “حيثما وجدت المصلحة فثم شرع الله”. * إن الزكاة هذه العبادة المالية في دين الإسلام كفيلة مع العمل الذي جعله الله عبادة وشرفا بالقضاء على الفقر والحاجة والحرمان وقد استطاعت الزكاة “أموال المتأتية منها” أن تقضي على الحرمان والحاجة من ديار الإسلام مشرقا ومغربا فكانت القوافل المحملة بأموال الزكاة تسير اليوم واليومين والثلاثة ولا تجد لمن تعطى الزكاة فينادي مناد: هل من راغب في الزواج فنزوجه؟ هل من طالب علم فننفق عليه؟ وهذا الركن من أركان الإسلام (الزكاة) لو كتب له أن ينظم تنظيما عصريا في شفافية كاملة لاستطاع أن يسد حاجات المسلمين في كل ديار الإسلام،



الكلمات الشائعة

 

الأستاذ محمد صلاح الدين المستاوي

خريج جامعة الزيتونة كلية الشريعة قسم الفقه وأصول الفقه : الليسانس وشهادة الدراسات المعمقة في موضوع : شروح الموطأ باحث بجامعة أكسان برفانس مرسيليا فرنسا من 2001-2002 إلى 2008-2009

الكلمات الشائعة

العنوان

28 نهج جمال عبد الناصر –تونس
+216 71 43 21 33
+216 71 32 71 30

أحدث المقالات

2026-01-25

الاسلام: حقائق وأعلام ومعالم

موقع الشيخ محمد صلاح الدين المستاوي عضو المجلس الإسلامي بتونس وخريج جامعة الزيتونة (كلية الشريعة وأصول الدين) يتضمن تعريفا بالشيخ والده الحبيب المستاوي رحمه الله وهو احد علماء الزيتونة ودعاة الإسلام حيث سيجد المتصفح لهذا الموقع فقرات من أعماله.